زهير كمال
zuhair1001@gmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
عمر بن الخطاب والعائلة الحاكمة

عند تولي عمر الخلافة جمع عمر عائلته وقال لهم اني نهيت الناس عن .... وعن.....

 ينظر الناس اليكم نظر الطير الجارح الى اللحم ، فان وقعتم وقع الناس وان هِبتم هاب الناس، وانه والله إن وقع احد منكم في شيء نهيت الناس عنه إلاً اضاعف له العقوبة.

وما وعد عائلته به نفّذه بحذافيره.

وتمنت العائلة الحاكمة ان عائلها ليس في منصبه هذا.        

وضع عمر نفسه مكان المواطن العادي ونظر الى أعلى، كيف سيشعر لو استفادت عائلة الحاكم من منصبه؟

عمر الذي يعرف خفايا النفس البشرية لم ينصحهم بأن يكونوا المثل الأعلى او ان الناس ستحسدهم على ما وصلوا اليه بل وصف الوضع وصفاً في غاية البلاغة والحيوية ومن يريد معرفة هذه النظرة فليتأمل صقراً حاد النظر في اللحظات الاخيرة قبل انقضاضه على فريسته.

الدارس لعمر بتعمق يلحظ تغيراً عميقاً طرأ على شخصيته لحظة توليه الخلافة وكأن ثقل المسؤولية جعلت منه شخصاً أخر.

بعض الذين قرأوا عن عمر يتصورون رجلاً مستبداً قاسياً متعنتاً في تفكيره يقترح قتل الناس لأهون سبب. ولكن عمر الخليفة كان انساناً رقيقاً مرهف الشعور يبكي لأهون سبب خاصة عند رؤيته الظلم او البؤس. وفي خطبته الطويلة التي استهل بها حكمه (خطبة الابتلاء) قال:

ثم اني وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد اضعفت، وإنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين. فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، واني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف، وأهل الكفاف.

 

 اذن فالحاكم يصرّح انه يجعل خده مداساً لأهل العفاف والكفاف.

اصبح عمر ابو الأمة وعبر عن ذلك بقوله : واذا رغبتم في البعوث فانا ابو العيال حتى ترجعوا اليهم.

وابو الأمة لا يفرق بين عائلته الصغيرة وعائلته الكبيرة. ويمكن القول ان عائلته الصغيرة قد ابتليت بالوضع التي وجدت نفسها به.

 رأى عمر إبلاً سماناً حسنة الهيئة فأعجبته فسأل:

لمن هذه الأبل؟

قالوا: إبل عبد الله بن عمر.

ارسل من يأتيه بعبد الله فقال له:

بخ بخ يا إبن أمير المؤمنين، ما هذه الإبل؟

قال عبد الله: إنها إبل إشتريتها بمالي، أتاجر فيها وأبتغي ما يبتغيه المسلمون.

قال: ويقول الناس حين يرونها: إرعوا إبل إبن أمير المؤمنين ! إسقوا إبل إبن أمير المؤمنين ! وهكذا تسمن إبلك، ويربوا ربحك يا ابن أمير المؤمنين ! يا عبد الله بن عمر، خذ رأسمالك الذي اشتريت به هذه الأبل، واجعل الربح في بيت مال المسلمين.

 وامتثل الفقيه عبدالله بن عمر.

وفي واقعة أخرى

حارب عبدالله وأخيه عبيدالله في العراق وعند عودتهما الى المدينة قال لهما أحد ولاة مدنها : هذا مال أود إرساله الى بيت المال يمكنكما أن تشتريا به من بضاعة العراق وتبيعانه في المدينة ، ثم تؤديان رأس المال الى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح.

قالا : وددنا ذلك

فأعطاهما المال، وكتب الى عمر انه سلّم المال لهما.

قاما بالعملية التجارية، ودفعا برأس المال الى أبيهما واحتفظا بالربح

سألهما عمر: أكلُّ الجيش أسلِّفه مالاً؟

قال عبد الله: لا يا أمير المؤمنين

قال: أسلفكما المال لأنكما إبنا أمير المؤمنين. أديا الي ربح المال

سكت الفقيه عبد الله ولكن عبيد الله قال:

ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين، لو نقص هذا المال أو هلك كنا ضمناه

قال عمر: أدياه

قال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين لو جعلته قِراضاً. (بكسر القاف، المتاجرة بمال الآخر واقتسام الربح)

وافق عمر على مضض، أخذ نصف الربح ورده الى بيت المال واحتفظ الأخوان بالنصف الثاني.

المثلان السابقان يقدمان لنا القانون التالي:

لا يحق لأقارب الموظف العام الاستفادة من منصبه بأي صورة من الصور

  عمر الذي يفهم الطبيعة البشرية جيداً يعرف أن الناس تميل الى محاباة المسؤول عبر إعطاء بعض المزايا لأقاربه. وفي مثال أموال العراق لم يضر أحد نظرياً ولكن سؤال عمر إن كان الوالي يسلّف كل فرد في الجيش واضح. فهو يشم المحاباة ولم يقبل قسمة الربح معهما إلاّ لأنهما تحمّلا المخاطرة وقَبل ذلك كارهاً.

وصلت بعض الاثواب النسائية الى المدينة وتم توزيعها على نسائها وبقي ثوب واحد فاقترح الموجودون ان يكون من نصيب ام كلثوم زوجته وحفيدة رسول الله، ولكنه فضل ان يعطيه ل (ام سليط) قائلاً:

ام سليط احق به فانها من بايع رسول الله وكانت تحمل قِرَب الماء يوم احد.

الم يشعر الحاضرون ساعتها ان عمر ابوهم فعلاً لا قولاً.

طبق عمر عدة مرات تهديده لعائلته بانه سيضاعف العقوبة لهم. ولكن تطبيق حد الزنى على ابنه عبدالرحمن الأوسط كان اقساها.

فقد مات عبدالرحمن في نهاية تنفيذ العقاب وابوه يقول : يا بني محصَّ الله عنك الخطايا، ثم جعل رأس عبد الرحمن في حجره وجعل يبكي ويقول:

 يا بني..... من قتله الحق!

يا بني من مات عن انقضاء الحد!

يا بني من لم يرحمه ابوه وأقاربه!

والناس تضج  بالبكاء والنحيب

 من المؤكد أنه لو كان عبد الرحمن الاوسط فرداً عادياً من الرعية لقام بتزويجه للشاكية غصباً عنه، وأقام عليه الحد بطريقة رمزية. فلم يكن الهدف من العقاب في رأي عمر سوى اصلاح الرعية، وليس العقاب في حد ذاته. وهذا ما كان يخبر به ولاته وقضاته ان لا يغالوا في العقاب.  

يأتيه رجل يقول: يا أمير المؤمنين رأيت فلاناً وفلانة يتعانقان وراء النخيل. يرفع عمر دُرّته  قائلاً: ألا تستر عليه؟ ألا ترجو له التوبة؟ فان رسول الله قال: من ستر على أخيه ستره الله في الدنيا والآخره....

وهناك أمثلة كثيرة تدل كلها على ان عمر يملك قلباً كبيراً يتسع لنا جميعاً.

ما يجري في منطقتنا العربية الآن هو تماماً عكس ما جرى قبل اربعة عشر قرناً.

غيرت المسؤولية عمر فأصبح اباً للأمة عطوفاً عليها، نسي عائلته الصغيرة من اجل العائلة الكبيرة ، ولم تبخل العائلة الكبيرة على رمزها فقدمت وضحت ليس من اجله بل من أجلها.

أما زعمائنا فقد كانوا رجالاً فاضلين بسطاء قبل توليهم السلطة، وانا لا اشك في ذلك، ولكن السلطة غيرتهم فأظهرت اسوأ ما عندهم . الانانية وحب الذات وحب عائلاتهم الصغيرة وتبلّدت احاسيسهم فهم لا يشعرون  بالجوعى والمرضى والفقراء المعدمين وما أكثرهم.    







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز