Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
لحم الخنزير بين الدّين و الحقيقة العلميّة...!

الدّين (أيّ دين) و العلم على الدّوام متعارضان متناقضان و من يقول بأنّ الدّين الإسلاميّ أو غيره لا يتعارض مع الحقائق العلميّة فهو إمّا مخدّر بحشيشة الدّين أو كاذب أو مرائي أو تحكمه عقيدة الإنكار و هي عقيدة يلجأ إليها المتديّنين عندما يعجزون عن مؤالفة تلك الحقائق مع المسلّمات و المعلّبات الدّينيّة، فهناك الماورائيات و الغيبيات و الخوارق و المقدّسات و المعجزات الّتي هي لبّ و ركائز غالبيّة الأديان بما فيها الأديان السّماويّة، و هي كلّها أشياء تناقض التّفكير العلمي و لا تتعدّى كونها فروعا معرفيّة غير خاضعة للقياس أو البرهنة أو التّجريب أو الاستدلال تسمّى بالعلوم الإنسانيّة، كالفلسفة و علم النّفس و علم الأديان و اللاّهوت و دراسة ثقافات و تاريخ الشّعوب، أمّا العلوم التّجريبيّة فميدانها توسيع المعرفة الإنسانيّة و البحث عن الحقائق العلميّة فيما هو متاح و مقدور عليه عقليّا و فكريّا....؟!

 

و لعلّ تحريم أكل لحم الخنزير في الإسلام و اليهوديّة خير مثال على طرحي السّابق، فكلّما حاول رجال الكهنوت في الدّيانتين كشف و تفسير سرّ تحريم اللّه للحم الحنزير عبر مسيرتهم التّاريخيّة الطّويلة إلاّ و اصطدموا بالحقائق المعرفيّة في سياق  ما يحقّقه و يبدعه البشر من إنجازات و تقدّم في مختلف العلوم (خاصّة في العصر الحديث)، و مع ذلك يصرّ أوصياء الأديان و يستميتون في محاولاتهم اليائسة الخاسرة لتبرير ما تنصّ عليه عقائدهم و كتبهم المقدّسة حتّى عبر اللّجوء و الاستنجاد بالعلم نفسه لكن عبر مراوغته و الالتفاف و التّحايل عليه و على أصحابه و  بأسلوب انتقائي أو متلاعب أساسه بتر و تجزئة و إعادة تركيب و حتّى إخراج النّتائج العلميّة عن سياقها الموضوعي، كأن يبرّر و يربط مشايخ الإسلام عندنا مثلا حُرمة لحم الخنزير بالأضرار الّتي يحملها لجسم الإنسان بوصف هذا الحيوان كمستودع متنقّل للجراثيم الضّارّة و القاتلة، فهو يحوي في جسمه مجموعة من الطّفيليات تسمّى الدّيدان و منها الدودة الشّريطيّة و الدّودة اللّولبيّة و دودة الإسكاريس و غيرها، و يواصلون احتجاجهم بما توصّلت إليه المعرفة الإنسانيّة بقولهم و هذا صحيح، أنّ الخنزير عُرضة فضلا عن ذلك لمجموعة من الأمراض البكتيريّة و الفيروسيّة كما أنّ لحمه  يحتوي على دهون مشبعة ممّا يؤدّي بآكله إلى أمراض كثيرة خطيرة منها عسر الهضم و تكدّس الكوليسترول في شرايينه....إلخ، الخلاصة أنّ لحم الخنزير هو السّم الزّعاف و هو القاتل و المهلك لكلّ من يأكله...؟!

 

لكن لماذا يتعمّد علماء الدّين تجزئة و انتقاء ما يناسب معتقدهم و تأويلاتهم من نتائج علميّة...؟!

 

فإذا كان الخنزير يحوي في جسمه كلّ تلك الطّفيليات و المسبّبات المرضيّة الأخرى فإنّ الأبقار بدورها و الأغنام و باقي الحيوانات الّتي نأكلها حلالا طيّبا كلّها لا تختلف عنه في كونها عرضة  لنفس الطّفيليات و الجراثيم المُمْرِضة و الّتي تشكّل نفس الأخطار و الأضرار على من يأكلها...

 

الحقيقة الأخرى الّتي أكّدتها علوم الكيمياء و الطّب و التّغذية و الّتي يعرفها بعض المشايخ (الّذين يقرأون) و مع ذلك يتعمّدون تجاهلها و إغفالها بل و التّعتيم عليها، هي أنّ لحم الخنزير هو من أغنى اللّحوم بالبروتين و لا يختلف كثيرا كما قلنا عن لحم الجمال أو الأبقار....و مع ذلك يسترسل شيخ متنطّع و هو يمسّد لحيته مزهوّا بنفسه و بحجّته الدّامغة و يزعم أنّ الخنزير حيوان قذر ينشر قذارته هنا و هناك و يأكل منها و يتناسى أنّ البقرة يمكن أن تقتات من المزابل و تأكل أيّ شيء أمامها حتّى براز الإنسان و تفعل ذلك بمنتهى الاستمتاع...؟!

 

كما أنّ العلم يؤكّد أنّ طهي اللّحم جيّدا (بما فيه لحم الخنزير) يقضي على البكتيريا و الطّفيليات هذا إن وُجدت و مع تقدّم الطّب الحيواني فقد أصبح بالإمكان تطعيم الحيوانات و مداواتهم ضدّ مختلف الأمراض قبل أن تُوجّه لحومها نحو الاستهلاك البشري...

و لماذا نتناسى أيضا أنّ حوالي ثلاثة أرباع أو أكثر سكّان المعمورة يأكلون لحم الخنزير و مع ذلك نراهم في صحّة جيّدة و متوسّط أعمارهم  تُعتبر الأعلى في العالم...؟!

 

ثمّ هل نسينا أنّ الأمراض و الأوبئة يمكن أن تضرب قطعان الأبقار و الأغنام و الدّجاج على حدّ سواء كما حصل قبل سنوات إثر تفشّي وباء جنون البقر في الجواميس و الأبقار حيث توقّفت الدّول الأوروبيّة و دول الأخرى عن استيراد اللّحوم الإنكليزيّة ممّا اضطرّ الحكومة آنذاك في ذاك البلد إلى التّضحية برصيدها الوطني من الأبقار المتكوّن من عدّة ملايين...؟!!

 

بالأمس القريب جنون البقر و انفلونزا الدّجاج و اليوم انفلونزا الخنازير و غدا لا ندري فلربّما انفلونزا الأغنام أو جنون الماعز و التّيوس...!

 

البشر أنفسهم عُرضة على الدّوام إلى الفيروسات و الأوبئة و على مدى التّاريخ ما فتئت تغيّب منهم الملايين و الملايين...ثمّ أنظروا إلى الملايين الأخرى التي تحصدها فيروسات الملاريا و الإيبولا و الإيدز و السّرطان و أمراض القلب و المجاعة و الحروب و حوادث السّيارات و غيرها كثير...

 

إذا فالأمر لا يقتصر على الخنزير لأنّه مُحرّم في شريعتنا (بنصّ القرآن)، كما أنّ تحريمه على المسلم لا يحتاج في رأيي إلى تفسير أو تبرير أو تبيان وجه حُرمة أكله لأنّ شروط الإيمان تقتضي الامتثال و التّسليم للأوامر و النّواهي دون البحث في الأسباب و الدّواعي...!      

 

و لعلّ في نقاشاتنا و تعليقاتنا كمسلمين في العديد من منتديات و مواقع الانترنت حول خبر السّاعة المتمثّل في وباء انفلونزا الخنازير لدليل واقعيّ على عاطفيتنا و سطحيّة تفكيرنا كمسلمين...!

عندما أقرأ تعليقات المسلمين على انفلونزا الخنازير أضحك أحيانا و تنتابني أحيانا أخرى مشاعر الخزي أو الحرج من تلك الصّورة المقزّزة الّتي يعطيها المسلم عادة عن نفسه...ففي الوقت الّذي نرى فيه دول العالم تعبّئ شعوبها و علمائها من أجل إيجاد أدوية أو لقاحات مضادّة مقاومة للمرض الفيروسي و لصالح البشريّة جمعاء، نجد دار الإسلام و قد أشغلت أهلها حالة هيستيريّة تجمع بين التشفّي و الابتهاج كونهم قامت حجّتهم في وجه الكفّار و مستحلّي لحم الخنزير....و هكذا إلى أن يحلّ الوباء بعقر دارهم فيذهبون كما اعتادوا إلى الكفّار آكلي لحم الخنزير يستجدون منهم اللّقاحات و الأدوية الّتي اكتشفوها و تعبوا في صنعها..!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز