Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
عن اللفظ والمدلول

اخترت أن أبدأ بواحدٍ من كنوز التراث، وهو كتاب الخصائص لابن جني حينما تحدث في الجزء الثاني منه عن تصاقب اللفظ لتصاقب المعنى. ومعنى تصاقب الألفاظ هو: تقارب الحروف لتقارب المعاني. يقول ابن جني: هذا غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به‏. ومن ‏ ألَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينََ تؤُزُّهُمْ أَزًّا"‏َ‏ ذلك قول الله سبحانه‏: "‏ ‏أي تزعجهم وتقلقهم‏.‏ فهذا في معنى تهزهم هزاً والهمزة أخت الهاء فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين‏.‏ وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك‏.‏

ومنه العسف والأسف والعين أخت الهمزة كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها والهمزة أقوى من العين كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف‏.‏ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين‏.‏ ‏ ونحو منه قولهم سحل في الصوت وزحر والسين أخت الزاي كما أن اللام أخت الراء‏.‏ انتهى نقلي عن ابن جني. وبعد، فهذا غيض من فيض وقليل من كثير حتى في هذا الباب بالذات حيث تكلم ابن جني في كتابه العظيم "الخصائص" الذي مدحه زكي نجيب محمود في كتابه "قصة عقل" واكتشف بعد أن شاب شعره أن تراثنا عظيم، لكنه للأسف بدأ بالغرب قبل الشرق. طيب يا نجيب ما ذا لو قرأت أكثر لعبد القاهر الجرجاني أول ناقد أدبي في تاريخ اللغة العربية وهناك أبو هلال العسكري و السيوطي في المزهر في علوم اللغة وغيرهم مئات.

 وتحت عنوان: باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني يقول ابن جني: اعلم أن هذا موضع شريف لطيف‏.‏ وقد نبه عليه الخليل وسيبويه وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته‏.‏ قال الخليل‏:‏ كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالةً ومداً فقالوا‏: صر ‏ وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا‏:‏ صرصر‏.‏ وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان‏:‏ إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو النقزان والغلبان والغثيان‏.‏ فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال‏.‏ ووجدت أنا (الكلام لابن جني) من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حداه ومنهاج ما مثلاه. ‏‏ وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير نحو الزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والصعصعة والجرجرة والقرقرة‏. فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج متلئب عند عارفيه‏.‏ وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها فيعدلونها بها ويحتذونها عليها‏.‏ وذلك أكثر مما تقدره وأضعاف ما نستشعره‏.‏ من ذلك قولهم‏:‏ خضم وقضم‏.‏ فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب. والقضم للصلب اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك‏.‏ وفي الخبر قد يدرك الخضم بالقضم أي قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف‏.‏ وعليه قول أبي الدرداء‏:‏ يخضمون ونقضم والموعد الله فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث‏.‏ ومن ذلك القد طولا والقط عرضاً‏.‏ وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعاً له من الدال‏.‏ فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العرض لقربه وسرعته والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولا‏.‏ ومن ذلك قولهم‏:‏ الوسيلة والوصيلة والصاد كما ترى أقوى صوتاً من السين لما فيها من الاستعلاء والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة‏.‏ وذلك أن التوسل ليست له عصمة الوصل والصلة بل الصلة أصلها من اتصال الشيء بالشيء ومماسته له وكونه في أكثر الأحوال بعضا له. ومن ذلك قولهم‏:‏ صعد وسعد‏.‏ فجعلوا الصاد لأنها أقوى لما فيه أثر مشاهد يرى وهو الصعود في الجبل والحائط ونحو ذلك‏.‏ وجعلوا السين لضعفها لما لا يظهر ولا يشاهد حساً إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجد لا صعود الجسم ألا تراهم يقولون‏:‏ هو سعيد الجد وهو عالي الجد وقد ارتفع أمره وعلا قدره‏.‏ فجعلوا الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية‏.‏ فافهم هذا. فهذا ونحوه أمر إذا أنت أتيته من بابه وأصلحت فكرك لتناوله وتأمله أعطاك مقادته وأركبك ذروته وجلا عليك بهجاته ومحاسنه‏.‏ وإن أنت تناكرته وقلت‏:‏ هذا أمر منتشر ومذهب صعب موعر حرمت نفسك لذته وسددت عليها باب الحظوة به‏.‏ نعم ومن وراء هذا ما اللطف فيه أظهر والحكمة أعلى وأصنع‏.‏

 

وقبل أن أكمل المقال فإني لا أتمالك نفسي في أن أستميحكم العذر بأن أقول تعليقا على ابن جني:" الله...الله....الله" على كل حال هذا الكتاب مرجع في أصول اللغة، ومن الصعب قراءته إلا للمختصين أو الهواة لأني أؤمن أن حب الشيء يجعلك له مجيداً، فالتخصص ليس شرطاً. عرفته ويكيبيديا بأنه علم حديث Semantics وعند قراءتي عن علم الدلالة ‏ لكن الحقيقة أن ما أوردته عن ابن جني بالإضافة إلى أعلام في وزن الجرجاني والسكاكي وابن خلدون يثبت باع العرب في هذا العلم وسبقهم إليه. وفي كتاب "علم الدلالـة أصوله ومباحثه" لمنقور عبد الجليل ترى تفصيلاً لهذا الأمر، وهو منشور على الإنترنت على هذا الرابط: http://www.awu-dam.org/book/01/study01/267-M-A/ind-book01-sd001.htm والجميل أنه تكلم عن الجهود الدلالية عند ابن جني، وتكلم عن الحقيقة والمجاز والدلالة عند الآمدي‏‏‏ وجهود العرب القدامى في الدراسات الدلالية. لم يبعد ابن جني النجعة عندما اعتبر اللغة رموزا وأصواتا تؤدي معنى مجردا في الذهن يتأثر بالبيئة وبانطباع الناس عن اللفظ، وهي البديهة التي أدلف منها في مقالي اليوم لما أريد قوله وهو أن اللغة بنت الاستخدام والبيئة ونحن الذين نعطي الألفاظ إيحاءاتها الجميلة أو القبيحة. وهذا باب واسع وكبير ومنه ما يستخدمه الفقهاء في لغة الفقه على خلاف أصله فيما اصطلح عليه أهل اللغة وقد ذكرت في مقال سابق لي (كان بعنوان: رؤيتي لإصلاح الأزهر) معجم طلبة (بكسر الطاء) الطلبة الذي يتحدث عن لغة الفقهاء بالذات وهو للإمام النسفي عليه سحائب الرحمة والرضوان. (وهناك السياق العلمي مثلا: انظر كتاب: المصطلحات العلمية في القديم والحديث، للأمير مصطفى الشهابي).

 

وقد اتسع استخدام المصطلح بفضل العوامل التي تنمو بها اللغة من مثل الاشتقاق (وهو أنواع الصغير والكبير والأكبر) والنحت والتعريب (مثل القنطار والسندس والأسباط) والترجمة والمجاز وغيرها. يعني ببساطة كلمة زنديق في القديم لم يكن معناها هو الكافر أو الملحد كما نستخدمها الآن وكلمة مكروه عند ابن حنبل تعني حراماً. وهناك مثال صادم رأيته في نهج البلاغة (معظم نهج البلاغة منحول ومنسوب زورا لسيدنا علي رضي الله عنه) منسوبا لسيدنا علي رضي الله عنه يقول:" من يطل أير أبيه يتمنطق به" (ومعروف معنى كلمة أير وهو ما صدمني لكن الصدمة زالت لما قرأت تفسير ابن قتيبة) حيث يقول ابن قتيبة في شرح معناه : هذا مثل ضربه يريد من كثرت إخوته عز و اشتد ظهره و ضرب المنطقة إذا كانت تشد الظهر مثلا لذلك قال الشاعر: فلو شاء ربي كان أير أبيكم طويلا كأير الحارث بن سدوس. قيل كان للحارث بن سدوس أحد و عشرون ذكرا.

وفي دفاعي عن رواية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ماعز والغامدية أؤكد أن اللفظ مطلوب في التقاضي في مسألة عظيمة الخطر مثل الزنا فهنا لا تليق ولا تصح الكناية ولا التعريض وإنما اللفظ الصريح ثم إن هذا اللفظ لم يكن مستهجنا وقتها بنفس ما هو في عصرنا، وكلما جد عصر استهجنت فيه الكلمة أتى العرب ببديل لها. ولفظ النكاح جاء معه الوقاع والوطء والجماع والباه وانظر لوقع الكلمة الأخيرة لتعرف أن اللغة ابنة عصرها وقماشة مرنة تتشكل باستخدام الناس لها. وقد وضع علماء اللغة القواعد بعدما تكلم الناس لا العكس ووضع الفراهيدي العروض بعد أن سمع أشعار العرب لا العكس.

 

الخلاصة أن الطريق معبد أمامنا لتطوير وإحياء وإنعاش اللغة العربية، تلك القماشة المرنة التي تصلح لكل زمان ومكان وترتقي برقي أهلها، لكني أردت أكثر في المقال أن أبين أن اللفظ في اللغة ليس مستهجنا لذاته وإنما لاستخدامنا له (أي الصورة الذهنية التي يرسمها لنا استخدامنا له) وهذا باب عظيم يساعد على فهم الدين واللغة والعلم. وأختم بأني من ريف المنصورة وكلمة "شرموطة" لدينا تعني قماشة المطبخ التي نمسك بها الأواني الساخنة على الموقد بينما أن معناها في مدينة المنصورة وغيرها من المدن شديد القسوة والقبح (العاهرة) والسبب ببساطة ليس الكلمة وإنما استخدام الناس لها.

وإلى لقاء إن شاء الله.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز