د. زهير نفاع
zuhai@yahoo.com
Blog Contributor since:
04 March 2007

كاتب وباحث قلسطيني

 More articles 


Arab Times Blogs
لنا رأي آخر

  لم أتردد في حياتي في الكتابة في موضوع، أكثر مما ترددت في هذا. منذ شهور وأنا أمنع نفسي من الاقتراب، وكنت أسلي ذاتي وأصلي لله أن أكون مخطئا فيما يرد في ذهني من أفكار وأحمل من مبادئ اتجاه هذا الموضوع. محبتي لفلسطين وعشقي للقدس ، هما السبب وراء أن أخطّئ  نفسي. فدوى لعيونهما وليس لعيون أولئك الذين يعملون في الخفاء بمظهر الوطنية والشرف والاخلاص للقضية، بينما هم يدركون ما هم فاعلون، وليسامحني ربي ان قلت أنهم خططوا مع جهات مشبوهة من أجل ما يعملون، ولعلهم يصلون لمبتغاهم فيفيدوا ويستفيدوا. والوطن منهم براء، والقضية أيضا قد تجد نفسها أحيانا، تشيح بوجهها عنهم وكأنها تقول أتمنى لهم النجاح فلعل وعسى يحققون جديدا حتى ولو كان بسيطا أو كان به ما يخطئها... لا مانع ان كان في الأمر ما قد يفيد فلسطين وأهل فلسطين. لأنه في النهاية لمصلحة القضية ذاتها، أعني ان كان هناك نجاح ما بدرجة ما ولو مهما كان بسيطا!! مع أني لا أؤمن بهذه الطريقة في الحياة فليس للعقلاء أن يتركوا طريق التجربة أمام البلهاء لعلهم ينجزون شيئا ما، اذ قد يسببون من المهالك ما لا تحسب عقباه!

   دعوني أطرح تساؤلا بسيطا اذا!

   ما الفكر السياسي وما الفكر الثوري من وراء اعلان القدس عاصمة الثقافة العربية؟!

الفكر العاطفي أفهمه، الفكر التزييفي، قد أستطيع أن أفهمه، فالحياة التي عشت عانيت فيها ما عانيت من الزائفين والمزيفين(بفتح وتشديد الياء) والمزيفين(بجر وتشديد الياء أيضا) الذين كانوا يطلون برؤوسهم كلما صح لهم ذلك، وصار لهم نصيب في الحياة. فتجربتي تمتد ردحا من الزمن، يمتد من قبل ما سمي حرب الأيام الستة، والتي أحتج على تسميتها دائما، لأنها لم تزد عن ساعات. بل تمتد من فترة ظهور الشقيري رحمه الله وفترة تألق عبد الناصر وفترة القومية العربية وشموخها.. من فترة ظهور دول عدم الانحياز، فترة المهاتما غاندي، فترة جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو وألبيرتو مورافيا... وعلى الطرف الآخر كاسترو العظيم وجيفارا وهوشي منه وأحمد بن بللا.. فترة عظماء التاريخ في الأدب والفن والعلوم الى جانب كل أولئك الفلاسفة والقادة والثوريين... انحدارا الى زمن ما عاد فيه شيء أو أشخاص، غير طفل يحمل بيده اليسرى كسرة خبز يسد بها رمق جوعه وباليد الأخرى حجر يدافع به عن أرضه ووالدته وأخته ونفسه. والى جانبه من يداري كلمته وتنفسه ونبضات قلبه خوفا من عصا السلطان، التي طالت الأخضر حتى واليابس. فهذه السجون والمعتقلات باتت حبلى بشباب لا ذنب لهم الا حبهم للأرض والوطن. ولا أدري لهذا الحاكم العربي من سيجد الى جانبه في ساعة الشدة!!

   تجربتي اذا تمتد من زمن كل شيء الى زمن اللا شيء حيث كل الأدوات تحمل بالمقلوب ولا يضيرها أنها كذلك، فهي لا تعلم عن الوضع الآخر وضع السلامة والطبيعية شيئا.. فهي ولدت هكذا!! وخلال هذه الفترة مرت علي بل علينا اذا أردت التخلص من الأنا واحترام الجماعة التي تبددت واللمة على رأي سديد، اتجاه الوطن والأمة والتي ما عاد لها وجود في زمن الخلوي أو الخليوي أو النقال أو المحمول أو الموبايل فهذا ما يجمعنا أننا نسمي الأشياء بملايين الأسماء لتدخل في حلبة خصوصيتنا القاتلة، وعصر الكمبيوتر والنت التي لها دورها في توحدنا... اصابتنا بمرض التوحد وليست الوحدة. خلال هذه الفترة اذا، مرت علينا كل صنوف الأمل واليأس... كل صنوف الناس الوطنيين وأولئك الذين يبيعون الوطن والأرض والقومية والدين والعروبة وكل الأفكار والمبادي ببعض دنانير!! أو دولارات بمفهوم هذا العصر!! مرت علينا أيام نرى الوطن وعودة الأهل والأحبة اليه أقرب من الرأس للجسد، وأحيانا نحس الوطن حتى ونحن نعيش فيه أبعد من البعد ذاته! مر علينا الصيف الباهت وشمسه تلفح رؤوسنا فتكاد تبخر الهواء من أمام أنوفنا فنحس بالاختناق، ومرّ علينا صيف مليء بالفواكه والخضار والثمار، يفرح قلب الفقراء قبل الأغنياء.. كيف لا  وهم يستطيعون امتلاك ما يسد جوعهم وحاجتهم والأسرة جمعاء ببعض دراهم بسيطة من خيرات الأرض.. خيرات البلد. مرّ علينا خريف مليء بالزوابع والغبار والكآبة التي تسبب اليأس، وخريف آخر مليء بالجمال؛ فلا أحلى من أوراق الدوالي تتغير ألوانها فتصبح بألف لون ولون، وهل أجمل من منظر حقول الكرمة وقد غطيت أرضها بهذه الأوراق التي بدأت تتساقط استعدادا لحمّام الشتاء؟ مر علينا شتاء قاتل ببرده وأعاصيره؛ لا تستطيع كوانين النار كلها أن تخفف برده! شتاء يقتل النفس ويدب اليأس بالنفس، فالعمل يصبح قليلا ويشح مخزون الناس ويبدأ أولي أمر الأسر يفكرون بحلول ان طال الشتاء! ومر علينا شتاء لا أحلى ولا أجمل. فخيوط أمطاره المتصلة من السماء الى الأرض وهي تحفر في الأرض حفرا صغيرة لتجعله يتغلغل فيها الى باطن الأرض لتصبح حبلى بتراقصها مع بذور الأرض سواء ما ألقت به الطبيعة أو يد الانسان. انها أجمل انجاز للطبيعة في عملية خلق جليلة عظيمة انها أرقى حب!! شتاء يغطي الثلج قمم الجبال فتصبح الدنيا بكل الألوان، وتعطنا كل الأمل بمستقبل جميل وحياة ولا أحلى!! ماذا أقول لكم؟! مر علينا ربيع نخرج فيه من تثاقلنا من طول الليل وبرده وقهره، فنحس بأرهاق شديد لا نريد معه أن نصحوا! كيف لا ودبابات العدو وقناصوه يتربصون بالمواطن الفلسطيني كلما أطل برأسه متجها للحقول لتقليم شجرة زيتون أو لوز أو تفاح أو برتقال أو غيرها انهم قاتلوك ان خدمت شيئا يوعدك وأبنائك بمستقبل أفضل، فيبقى القلق يملأ عليك قلبك وذهنك. ومر علينا ربيع هو مستقبل الوطن.. أشجار زيتون تزهو بخيلاء، وهل أجمل من لون خضرة أوراقها بعد أن تخرج من شتاء الخصب والبشر! وأشجار اللوزيات تكسوها الأزهار البيضاء والوردية بدرجات متفاوتة حتى تحس نفسك رغبة في الصلاة أن تصبح فنانا، ترسم شيئا منها، أو تصورها أو تحملها في قلبك صورة الفرح والوعد الجميل. وأشجار الحمضيات ما زالت عليها بعض الثمار البرتقالية والصفراء تختلط بخضرتها اليانعة اللامعة مختلطة ببراعم الأزهار وما تفتح منها حتى تصل اليك رائحتها الزكية وأنت على بعد مئات الأمتار. والحقول التي أتمت حملها ها هي تلد ما حملت، هنا تجد زهرة الشقيق علامة المحبة تمتد ليد عاشق بطل ليصلي لعيون وطن قدسي جاء من رحمه الهدى! وهنا جمّة نرجس تزهو بنفسها بشموخ الى الذرى ثم كل واحدة تميل برأسها ناحية ذاتها بخيلاء ، فتخالها تقول لنفسها ولنا أولست أجمل ما انخلق!  وان كان لديك شك فرائحتها ستغلبك على نفسك وتقر لها ما تقول! وحقول الأزهار البرية الأخرى تزاحم كل شيء بألوانها البيضاء والحمراء والبرتقالية والصفراء والليلكية والزرقاء وكل ألوان بل جيتس التي وضعها في أرقى حواسيبه! نعم والله مر علينا كل شيء، وما ذكرت الا أقل عيّنة مما أستطيع ذكره، عن هذا العمر الذي عشنا على ثرى الوطن أو على مقربة منه.. فأينما ذهبنا وحللنا يبقى ذلك الوطن فينا.. نعم انه أقرب منا الينا!

   أنا والله ما شككت لحظة، ولا أشك في وطنية الكثيرين ممن رأيت على شاشات التلفاز وهم يهتفون ويصرخون في وجه المحتل الذي عاقب الكثيرين منهم بالشتم والركل والاعتقال والمنع... ومنهم الشيخ رائد صلاح والأب عطا الله وكل أولئك الشباب والمتحمسين الذين خرجوا بتلقائية الوطن وعفويته. خروجا ليس كخروج اخوانهم في الوطن العربي الكبير أثناء أحداث غزة الأخيرة، بدعوات الأحزاب العربية المرخصة والتي حتى حصلت على ترخيص وجودها أو مسيراتها أصبحت هيكلا عظميا خائرا تالفا لا قيمة له ولا وزن. لا تؤاخذوني، فهذا ليس شتيمة لكم انما هو شتيمة لكل الأنظمة التي تريد الأمور أنصاف حلول... هل سمعتم بنصف شريفة ونصف طاهرة ونصف شر.... بنت شوارع عاهرة!! هكذا أصبحت تجمعاتنا؛ نصف شيء!! يجب أن تكون ولكن؛ على مقياس الحاكم والمسؤول! وهكذا كانت مسيراتهم على قدر عزيمة الترخيص للحزب والمسيرة معا! كانوا في غالبيتهم يؤدون واجبا ليزيحونه عن ظهرهم. ينتظرون أن يصلوا الى مكان التجمع، كلمة من هنا وكلمة من هناك.. وهتاف زائف من هنا وهتاف آخر من هناك...

   في مظاهرات ومسيرات الاحتجاج على قتل الاطفال وتدمير البيوت وحرق المساجد واقتلاع اشجار المزارع، كانت في كل مسيرة ترفع صور الزعماء العرب كل في بلده، رغم أن تلك المسيرات كن يفترض بها أن تندد بهم أو بصمتهم أو بعدم تحركهم لأنقاذ بقايا الوطن وبقايا القومية وبقايا العروبة والدين والعزة والكرامة المتمثلة بثلة المقاتلين الأبطال الذين كانوا يموتون فدوى لعيون فلسطين التي هي فداء للأمة العربية جمعاء، ولن يدرك معنى كلامي الا المفكرين والدارسين والمؤمنين بالعروبة وبسقوط وزوال العدو الصهيوني. والمتخاذلين سيدركونه أيضا ولكن بعد فوات الأوان! وهكذا كانت تلك المسيرات والمظاهرات تفعل كل ذلك معا... وتنتظر لحظة الصفر لتنفض وتفكك وتعود بأصحابها الى بيوتهم ويا دار ما دخلك شرّ! ولك الله يا فلسطين!

  لم يعد هذا غريبا في زمن أصبحت حتى الصلاة تؤدى بنفس الطريقة؛ فهي مجرد حركات وطقوس تؤدى، لا تمنع مؤديها من الالتفات لكل شؤون الدنيا أثناءها، ويتمتم بما تعلمه دون مجرد ادراك لمعناه، أو التفات اليه والى أبعاده الجميلة، وهل هناك من معنى آخر للعبادة والدين؟!! هكذا عادت حال التدين والدين بكل أركانه وفرائضه في زمن اشتهر به عمرو خالد واخوانه وأخواته! في زمن أنّ الله غفور رحيم... تب الى الله وستغفر خطاياك! وكأنها دعوة للفجور قبل الصلاح عندما تطلق هكذا أمام كائن من كان! كأني بها دعوة لفعل ما نريد ثم نلجأ الى التوبة بشرط أن لا يحصل لك مكروه قبلها، بمعنى دقيق بشرط أن لا تموت قبلها!...ولا أدري فربما ان فاتك القطار، لربما يستطيع أحدهم أن يسد مكانك ويعوضك ما فات- أعني عندهم ومن وجهة نظرهم! أليست هذه ذاتها صكوك الغفران! تلك التي كانت الكنيسة تهبها للناس ليحصلوا على براءة وغفران الاله، وبالتالي يقتطعون لأنفسهم مقعدا في الجنة! كل على حسب امكاناته. الا أنها عند خالد تدفع عن طريق أعداء الدين وأعوانهم سفراء لويس العشرين في مملكة صلاح الدين- وليعذرني معين بسيسو، يدفعونها نيابة عنا لأننا لا نملك في غالبيتنا ما يمكن دفعه. وأولئك أعداء الدين يهمهم أن يغفر لنا فنتوقف عن قلق أخلاقيات الدين والعبادة!

   أليس الدين شيء ما في داخلنا لا يحدده لا عمرو خالد ولا الشيخ رابين! أليس هو صلة بيني وبين ذلك الكبير العظيم الحبيب النافع الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن التواب الغفار! اليست هذه الصلة روحانية عميقة مليئة بتقمص الخير والسعادة والرضا! كيف ستكون كل هذه بعد اقترافنا لكل ما سبق من جرائم وشرور وسرقات وتزوير وعهر واساءات وزنى وهتك أعراض وعمل قذارات! كيف لوالدك أن يسامحك لما سببته لشقيقتك من أذى، بهذه البساطة؟ وكيف تسامح نفسك أنت، بهذه البساطة؟!  وعلى أية حال هي هكذا باتت؛ حال الدين وحال الوطن!

    نعم نعود لبيوتنا ولدينا احساس زائف بالرضا مما فعلناه، وقد فاتتنا نشرات أخبار عديدة، وفاتتنا فيها صور جديدة للقتل والتدمير والتخريب.. نحن أصبنا بالرضا المؤقت والعدو أيضا أصيب بالرضا الدائم. ان كانت هكذا تحل قضايانا، فليكن! لتخرج الجموع المرخصة في أن تلتقي وتجتمع وأن  تخرج وتهتف وتخطب ثم تعود لأعشاشها، وهو يقتل ويدمر ويذبح ويهلك، ثم مؤتمرا أو اثنين أو ثلاثة ووعودا للوطن والمقاتلين والصابرين وذوي الضحايا والشهدء بأننا سنعيد لكم كل شيء! ومن أين يعيدون لنا شهداءنا وما فقده جرحانا من أجسادهم! وحتى الأمور المادية والمالية البحتة، تبقى مجرد أقوال وكلمات تحفظ في أرشيف الجامعة العربية التي سيغير اسمها قريبا لتستوعب الجار القريب الحبيب! اذا حتى المال لا يصل!

   وعندما نلوم السلطة بعدم تحريك ساكن مثلها مثل بقية دول المنطقة والاقليم العربي الكبير، الذي سيغير اسمه أيضا ليستوعب الجار القريب الحبيب أيضا! عندما نلومها تقول ويقول أحبابها الكثر في هذا الزمان، والذين سيتغيرون في القريب لأنها لم تحفظ ماء وجهها ولأنهم استصغروها في زمن سيطرة وقوة الجار القريب الحبيب والذي باتت مصلحته فوق مصلحة الوطن والأمة والدين والدنيا! يقولون يا أخي هي حماس مخليتلنا مطرح؟ انها لا تريد لنا بقاء. وان تطاولت بالسؤال وقلت أليست الضفة الغربية بين أيديكم؟ لماذا لا تقومون بواجباتكم حيال أبنائها؟ لماذا لا تدفعون الرواتب؟ وتحسسون الناس بالأمان والاطمئنان بدل الخوف والرهبة على أقل تقدير؟ عندها يجيبون: يا أخي لماذا لا تحاول أن تفهم الحقيقة!! اننا عبد مأمور لا شيء في أيدينا، اننا ما زلنا في وطن محتل وكل شيء في يد العدو؛ بدءا من المال والرواتب الى القرارات والأرض وما تحت الأرض.. انهم يمتلكون كل شيء وليس في اليد حيلة!!

  هنا تماما، وهذا هو بيت القصيد! ان كانوا يملكون كل شيء، ان كنا محتلين حتى غرف نومنا وحماماتنا ولقمة الغذاء وشربة الماء، هل لواحد أن يجبني كيف ستكون القدس عاصمة الثقافة العربية؟! كيف ستكون وقد هودوا فيها كل شيء وقاتلونا حتى في مدارسنا التي أفرغوا التراب من تحت صفوفها فأصبحت تتهاوى بها بناتنا في آبار ليس لها قاع. رحمك الله يا أمي عندما كنت تدعين على عدوك أن يقع في بئر لا قاع له! هكذا فعل بنا العدو يا أمي... آسف الجار القريب الحبيب! سيطر على كل فلسطين وشدد الحصار على القدس حتى باتت مخنوقة مخنوووقة! وأعلنها موحدة عاصمة له، وضاعف مساحتها ألف مرة، ليس لنا ومن أجل سواد عيوننا، بل من أجلهم ولزرقة عيونهم! لقد ضيقوا الخناق علينا، حتى أصبحنا لا نستطيع ترميم حجر يسقط من مبانينا! وبتنا لا نستطيع دخولها لمجرد الصلاة في أقصاها، الا بتصريح لا يأخذه الا شيخ عاجز كهل كبير العمر، أو حبيب لهم!

   اذا بالله عليكم أن تخبروني كيف لهذه العاصمة أن تكون؟ أليست بحاجة لفكر هنا وفكر هناك! أليست بحاجة لقصاصة ورق من هنا وهناك، أليست بحاجة لمعزوفة موسيقية ، لدفتر وكتاب وفكر ولسان ودماغ ووعي ومحاضر وفنان؟ وكلها قد صادرها السلطان! وما أفرج عنه سيوقف على الحدود البرية والبحرية والجوية وتحت الأرض بحجة الارهاب أو أراضي ممنوع دخولها!

 والله أني أسأل بكل رضى وبراءة اللا معرفة، ماذا يجول بخاطر كل المثقفين الذين وافقوا على هذا القرار خاصة منهم المسيسين الذين لا يشك في وطنيتهم! أليس دخول القدس في وقت كهذا تطبيعا ثم تطبيعا ثم تطبيع! والا كيف نفسر وقوف كل من سيشارك في أحداث العام أمام سفارات العدو بانتظار التأشيرات؟ ماذا تسمون طلب التأشيرة من العدو الاسرائيلي القاتل المجرم المحتل الغريب عن الأرض في سحنته وثقافته ولونه وجنسه وعرقه وثقافته ومبادئه وشكله وتكوين جسده حتى! ما ذا تسمون الوقوف طوابير أمام سفاراته أو قنصلايته التي يرفع زرقة راياته بفخر وكبرياء مدنسا أوطاننا الأخرى! ماذا تسمون التعامل معه حتى ولو من خلال ملاك أو شيطان.

  تعرضت لموقف قريب من هذا الواقع المشين مرتين: عندما توفيت أمي رحمها الله وأرضى روحها،وكنت خارج الوطن، ورفضوا السماح لي بالدخول لوداعها والقيام بواجب الدفن والعزاء الا بالتقديس أمام سفارتهم في احدى الدول، وقيل لي يا أخي الحكاية مجرد روتين، والقضية بالنسبة لك سهلة جدا ولا احراج فيها، فأنت تحمل جواز سفر خاص، وهذا يتيح لك معاملة خاصة. وثانيا أنت اعلامي وهذا امتياز ثاني لك، فلديهم ركن خاص بأمثالك ولك احترام وتقدير خاصين! وكان سؤالي هل من بعد موافقتي على التطبيع مع هذا العدو القاتل الرديء اعادة لحياة والدتي؟ واستغرب محدثي، وقال: طبعا لا.. فاتصلت بأخوتي طالبا منهم دفن الوالدة وأن لا ينتظروني. وصبرا الى أن يفرجها الله. وفي اليوم التالي وصلت برقية من الصليب الأحمر مكنتني من قراءة الفاتحة فوق قبرها بعد دفنها بأربع وعشرين ساعة. 

  أما الحادث الثاني فكان يوم موت والدي رحمه الله ورضي عنه وأرضاه! وكنت أيضا ما زلت خارج الوطن. وهنا تعنت العدو بعدم السماح لي بالدخول الا اذا حججت الى سفارتهم. ورفضت أيضا فليس من مذلة أشد على النفس من مذلة التعامل مع العدو وكأنه مرحب به وصديق وقريب حبيب، كما هو هذا القرد الخنزير في الوطن العربي وكما يقاتل من أجل تعميم أواصر القربى على بقية المناضلين من أبناء الأمة! ورفضت وانتظرت الفرج. وخلال شهر من ذلك الحدث، جاءتني دعوة لالقاء محاضرة على طلبة الجامعات والتجمعات الشبابية في القدس، فوافقت بعاطفة قوية، أنني موافق ولا أريد أجرا، بشرط أن لا أتعامل مع سفارات العدو، وأن يتح لي في نهاية المدة أن أسافر من القدس الى مدينتي في شمال فلسطين. وقالوا لك كل ما طلبت. وكم كنت محظوظا عندما وصلت قبر والدي بعد مرور أربعين يوما على وفاته!

  اذا كيف ستكون القدس عاصمة ثقافية دون مرور المثقفين والمشاركين والراغبين بموقف التطبيع؟! كيف ستكون وزيارة القدس ممنوعة ممنوعة حتى على أبناء مدينة رام الله التي لا تبعد عنها الا أقل من خمسة عشر كيلو مترا. انها ممنوعة على أبناء نابلس وقباطية وجنين وطولكرم وبيت لحم وبيت ساحور والخليل وترقوميا وقلقيليا وعزون والبيرة وعرابة ويعبد والزبابدة وبيت جالا و و و و ! من سيحييي نشاطاتها الثقافية العربية ومن سيشارك بها؟!

   لا أخفيكم القول بأني الى ما قبل يومين كنت أشك في الموضوع بأن للصهيونية دخل به أو مدفوع من قبلها على يد البعض منا، فما ستجنيه ليس بالبسيط!

   لماذا لم يدر في خلد المقررين والمنظمين والمخططين والعاملين على هكذا مشروع ، رحمة بالقدس والمقدسيين ورحمة بفلسطين كلها من المية للمية، ومن الناقورة الى أم الرشراش، والفلسطينيين ودعما لهم ونصرة لهم وقوة لهم ورفعا لمعنوياتهم وانتصارا لهم من الأمة جمعاء من بعد التقصير معهم وعدم الاتيان بأقل الواجب، رغم تحفز الكثيرين ورغبتهم بعمل شيء لولا الخوف من سيف السلطان الذي ما بات يحسب لهم حساب ولا يعيرهم انتباه اذ حكموا على أنفسهم بنومة جديدة من نوم أهل الكهف ولكن دون قدسية! وترحما على شهدائهم ومسحا لدموع ثكلاهم وأيتامهم، لماذا لم يدر في خلدهم أن تكون القدس عاصمة الصمود والثورة والعصيان!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز