Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
حاجتنا إلى التفكير العلمي ونقد الذات

ورد في العباب الزاخر للصاغاني قول الليث في تعريف الخرافة:" حديث مستملح كذب" وقال الصاغاني:" وخرافة: اسم رجل من عذرة استهوته الجن فكان يحدث بما رأى؛ فكذبوه وقالوا: حديث خرافة." والحقيقة أن من أكبر المشكلات التي نعاني منها أننا نخلط كثيرا بين الحقائق والخرافات سواء في تعاملنا مع الدين أو العلم.

 وقد جاء الإسلام العظيم ليهدم الطواغيت التي تعبد من دون الله، وليس أكبر خرافة من ظن المشركين أن أصناما من الحجارة قد تنفع أو تضر فضلاً عن اعتقاد من سبقوهم في معرفة الجن للغيب أو في تحكم الطوالع والنجوم في مصائر البشر. وقد كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم أكبر شاهد على نبذ الخرافات.

 فقد روى البخاري ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - رداً على من ظن أن الشمس كسفت لموت ابنه إبراهيم - : (إن “الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته، فإذا رأيتموها فصلّوا وإذا اعتبرنا العقل سلة، فإن علينا أن ندقق في البحث عن الصالح لنستبقيه ونؤيده، ونخلي العقل من الفاسد والسقيم من الأفكار. أقول هذا لأني لا أدري سر إصرار مجتمعاتنا على البحث عن مجهول علمه في أحسن الأحول لا ينفع وجهله لا يضر. ما هو السر في رواج برامج الجن والسحر وتفسير الأحلام. بل إني لأعجب وأطيل العجب أن أجد برنامجا كاملا لتفسير الأحلام من شيخ محسوب على التيار السلفي الذي أقدره لأنه يدور مع الدليل ويقدر النص أيما تقدير بينما أن أصغر باحث في علوم الشرع يعلم يقينا أن تأويل الأحلام يعتمد على ضروب من الظن لا اليقين.

 بل إن القرآن نفسه قد أورد رؤيا صادقة وقعت بالفعل بعد ذلك كما فسرها نبينا الكريم يوسف بن يعقوب بينما أن من رأى هذه الرؤية في حكم الإسلام كافر لأنه لم يكن يدين بالإسلام أصلاً. وعليه فرؤية المنامات التي تعبر عن واقع آت لا تتوقف على الصالح ولا ينبني عليها حكم بالتقوى والشفافية لمن يراها.

 ما كل هذه القوى الخارقة التي ينسبها الناس للجن بينما أن الله تعالى يقول في محكم تنزيله حكاية عن سيدنا سليمان، وهو الوحيد الذي سخر الله له الجن: " فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ اْلأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سبأ: 14 والآية صريحة في نفي اطلاع الجن على الغيب. ومثل هذا ما ينشره كثيرون ومنهم متعلمون بحسن نية عن خرافة مفادها أن خادم الكعبة وحامل مفاتيحها قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه فيها لحث الناس على العودة إلى الدين أو عمل شيء معين وإلا فلهم الويل والثبور، بينما أن الأحلام لا ينبني عليها أحكام، هذا لو صحت أصلاً.

 وبقراءتي لكتاب الروح لابن القيم فإني قد حزنت وتعجبت كثيرا من استطراده في أمر لا دليل عليه، لكنه خفف من استغرابي لما أقر بأن الأحلام لا تنبني عليها أحكام. الغريب أن هناك الكثير من المواقع العلمانية التي رأيتها بنفسي على شبكة الإنترنت - الذي هو ساحة الكذب دائماً والحق أحياناً - حيث رأيتهم يصممون صوراً وأشكالاً مشهورة عن عفريت صور في أحد الكهوف أو شجرة عليها اسم الله واسم النبي صلى الله عليه وسلم أو جبل ساجد أو غير ذلك بينما أن هذا كله من تصميمات الفوتوشوب والجرافيك، وبعدما ينتشر الأمر ويصدقه المسلمون بثقافة "فوروارد" عبر البريد الإلكتروني (وفوروارد هي إعادة إرسال الرسالة، وبالطبع إعادة الإرسال تتم بسرعة بدون تدقيق في المعلومة) لكن المؤلم أن هذه المواقع العلمانية تتندر على المسلمين وتتخذ هذا مطية للسخرية من عقولهم وتخلفهم، فلم نعطهم الفرصة؟ سبحان الله! ديننا ليس بحاجة إلى خرافات لإثباته، فإيماننا ينبني على علاقة خاصة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. أمر آخر أنبه نفسي وإياكم إليه وهو أن نتحلل من أسر الهالة، أي ما يحتفظ به ذهننا تجاه كثير من علمائنا فنتعامل معهم في بعض الأحيان وكأنهم معصومون. ومقولة: لحوم العلماء مسمومة ليست قرآنا ولا حديثا بل هي مقولة لابن عساكر قد تصيب وقد تخطيء.

 وقد تحللت من هذا الأسر والحمد لله منذ زمان بعيد، فما عدت أستغرب أن أقرأ لعالم فذ في وزن المفسر الكبير الإمام النسفي في تفسيره لكلمة نون في أول سورة القلم أنها الحوت الذي يحمل الأرض بين قرنيه وأن الزلازل إنما تقع حينما يتحرك الحوت فتتدحرج الأرض بين قرنيه!!! ومثل هذا ما حكاه شيخنا الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حينما كان يحاجج بعضاً من المتعصبين لابن تيمية فقال لهم: إنه بشر يخطيء ويصيب، وأراهم الشيخ نفسه بعضاً من غرائب الأقوال والفتاوى لابن تيمية في كتابه الفتاوى، فأصيب الناس بالدهشة والذهول من كلام ابن تيمية لكنهم – ويا لسوء التعصب – أصروا على موقفهم قائلين: ومن أدراك يا شيخ أنه مات على هذا!! كل هذا وغيره لم يضعف ثقتي لا في النسفي ولا في ابن تيمية، ولكني هضمته بناء على مقولة ابن حجر العسقلاني الشهيرة: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز