الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
المعطل بالمغرب أمام المجهول

      

            ينتابنــي شعور قــوي أن مغرب القرن الواحد و العشرين أضحــى في عــداد الدول التائهة في غياهب المجهـول المستقبلي بفعل التصدعات و التجاعيـد التي ما فتئ الضمير الجمعي المحلي و الوطني ينتبــه إليها علــى ضوء التراكمات و الأزمــات ذات الأصول المشدودة إلى محترفي النهب و الاحتيال، هـذا المشهد المغربي المعاصـر الذي تــحوّل فيه الشعب علـى اختــلاف أصناف انتماءاته السياسية إلــى ظاهــرة غريبة و عجيبة ليست لــها فاعلية في صنع السياسات و القرارات و التأثــير علــى التوجهات ذات النزعـة الرسمــية حيث غدت من قبيل جمادات لا روح فيها لا تصنــع الفعل إلا بقدر الأمـر و التحريض و لا نصيب لهـا في إبـداء مواقفها إلا حين تكون القضية المعروضة تــجد لــها سنــدا في الشارع بمقتــضى التشارك المصلـحي بين الطرفين، و كــأن الحضور الشعبي مفتعــل و غائب في الحقيقة عن بانوراما الصورة العامـة لواقع مغرب القرن الواحد و العشرين علـى أصعدة السياسة و الاقتصاد و الاجتماع الأسري بخطوطه المختلفة. من هــذا المنطلق تعيش القطاعات و الفئــات الغالبة في المجتمع سواء كانت ذات مستويات عالية ، متوسطة أو بسيطـة أو حتـى عاميــة ، تعيش حالــة انهيار كبيرة في معنوياتها و طموحاتها الراهنة بفعل سريان حالــة الفراغ السياسي و الاقتصادي الاجتماعي  بين أوساط شــرائح كبرى من المجتمع مدفوعــة بإرهاصات واضحة لواقع مــرير هــش لا يسع للثقلين إزاءه إلا حوقلــة لا تنتهــي ما بقي المغرب على حالــه.

       ليس القصـد من هــذا الكشف و الفضح التجني و لا التشفــي ، إنــما النظر في الواقـع كما هــو بآلامــه و نكباته المريرة و كمــا تأتــي في التقارير الدولية المسلطة علــى حكومتنا و نوابنا و أحزابنا في كل مــرة . إن الأســى و الحزن يتدفقان من كل قلب إنسان مغربي يعيش ما نشاهــده صباح مساء من كوارث تجاوزت كل التوقعات بافتراضاتها الممكنة و لا أحــد منا يــريد أن يــرفع عقيرته و حنجرتــه عاليا ضدا على البؤس و الجهــل و التلاعبات و التناوب علــى أكــل السحت الاقتصادي علــى مــرأى و مسمع كل مسلم ، بــل غدت التيارات الرافضة لمجريات الواقع الحالــي و كــأنهــا التزمــت صمتا رهيبا مُــغلــفا بشعارات مناهضة للمشهــد السياسي المعاصر لا وجــه حق فيه إلا الصورة النظرية الرافعة للتحدي الكلامي فحسب . إن النــاظر إلــى المسيرات و الوقفات الاحتجاجية بالمغرب و مــا يليها من أشكال تعارضية مع السلطة ينتهــي به المطاف إلــى نــوع من التشاؤم النضالي المضر حتما بشرعية الاحتجاج السلمي الرافض لأحكام التسلــط و الهيمــنة الزاحــفة على أغلبية ساحقة من المغاربة المحرومين من أبســط حقوقهــم التي يتمتعون بــها بمقتضى انتماءهم للدولة المغربية ، و من ثــم لا بــد من تقييم حقيقي لمسار المعارضة الداخلية بناء علــى أشكال الاحتجاجات المتبعــة و مــا يتمخــض عنها أحيانا من صور تدجينية خطيرة تعصف بمشروعية النضال تمت من خلالها تحريك عمليات احتوائية لنخب و أطــر تحولت من أقـصى النضال إلــى منابر التواطؤ العضال.

      إن الملفات التي تراكمت عبر سلسلــة طويلــة من الأزمات المتولد من دواليب سوء التدبير و التسيير الحكومي قــد أثقلت و أغرقت سفينة المغرب الحالي في دوامات لا حــصر لها من المعطلين و المعطوبين و المحتاجين و المنكوبين و المساكين الفقراء الذين انتشــروا على نــطاق واسع في أرجــاء المملكــة، و كــأن المنحــنى الرياضي لحالات البؤس و الانحطاط قد أخــذ انطلاقته منذ أن ولدت الحكومات المتعاقبة علــى السلطــة دون أن نــرى من السياسات الفاعلــة ما يمكنها أن تنتشــل ما أمــكن من الغارقين في ظلمات الظلم و الحيف و البطالة .

            إن الإنسان ليدرك بجلاء واضح أن الساحة السياسية و دوائــر صناع القرار قد تخلت عن واجباتهــا الوطنية و راح المتنفذون فيها ينهشون من لحم الفقير لإفقاره مثلما بسطوا مخالبهم في الإنسان المعطل المجاز لإعطابه ، و كــأن الدولــة قد استراحت من مهمــة الســهر على راحة شعبها ، و أيُّ راحــة أكثــر مما هي عليها الآن من السكون و الركون ! من المؤسف أننا نعيش ضمن دولــة قــد أجهــزت كليا على شباب المستقبل فقتلوا في المعطلين أمل الحياة و طموح الغد ، شــردوه في عقله و مزقوا إحساسه بالكرامــة و جعلوه لا يختلف عن الإنسان المتمرد المشاغب ، من المؤسف أن يكون المعطــل ضحايا دولتهم التي دمــرت مستقبلهم و خربت بيوتهم و من المؤسف أيضا أننا لا زلنــا نُــلدغُ من كــل جحــر عبر شعارات الدولة الخادعة . لــقد أعطت الدولة صلاحيات واسعة لأصحاب السلط المتمركزين في منابر مؤسساتية تابعة لها لأن تعيث و تتلاعب كما شاءت عبر آليات الرشوة و الزبونية و منطق القرابات في التوظيفات السرية أمام المعطلين الذي أفنوا رؤوسهم في الدراسة و لا من يردع . من هــنا تتفاقــم حالات السخط لدي المعطلين المجازين و تشرئب أعناقــهم للاقتصاص من الأساليب المعتمدة في التعيينات و التوظيفات التي تهم قطاعات مختلفة سواء مت تعلق منها بمناصب الجماعات المحلية أو ما ينتمي إلى المؤسسات التعليمية ... و هــذه الحالة النفسية المتذمرة من حالة التسيب الممنهج من جهات رسمية لدى المعطل تمــثل ظاهــرة جديرة بالدراسة حيث تأخــذ أبعادا متعددة يتحــول فيها المعطل إلى مخلوق غير مرغوب فيه و غبر مؤهل للإسهام في عملية الحراك الاجتماعي بالرغم من الإمكانات العلمية المكتسبة لديه زهاء ما يقارب عشرين سنة من التحصيل العلمي.

     إن الوضع الاجتماعي الذي يــمر بــه المعطل في تركيبته النفسية و المادية لجدير أن تتصدر كبريات الصحف و أن تفتــح مجالات واسعة من النقاشات الجادة من قبل الفاعلين السياسيين و المهتمين بالشأن العام الوطني لا أن تتواطأ الغالبية في تجاهل قضايا مصيرية تــرمي المعطل في وديان سحيقة من الآلام ، و من المؤسف حقا أن ثمة مفارقات فجة يلاحظها القاصي و الداني بخصوص وحدات تنتمي إلــى " المجتمع المدني " تــزعــم نصرة قضايا المظلومين و هي غارقة في السبات و الخمول النضالي فضلا عن كونها قد استراحت من أي تحرك ملموس لدعم المعطلين سلميا ، بــهذا نتمنــى علــى كــل الهيئات و المكونات المدنية أن تــرفع صوتهــا عاليا إلــى جانب هذه الفــئة المظلومــة و أن تثبت مصداقية شعاراتها البلاغية من خــلال المسانــدة الحقيقية لكل من لــه الحــق في طلب حقوقه دستوريا و ألا تتغاضى عن معاناة المعطل و إلا فالأزمــة باقية ما بقيت سياسة النعامــة !.

                                                لله الأمــر من قبل و من بــعد      







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز