د. وليد سعيد البياتي
dr-albayati50@hotmail.co.uk
Blog Contributor since:
03 December 2007

اكاديمي عربي من العراق مقيم في لندن
باحث ومحقق في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية
باحث في نظرية مصادر التشريع
رئيس ومؤسس الاتحاد الشيعي العالمي

 More articles 


Arab Times Blogs
تجليات الميلاد من عالم التكوين إلى عالم والوجود

رسالة فلسفية عرفانية في الميلاد المبارك

النــور:

     لم يصف النور أحدا كما وصفه خالق النور، وهو الاجدر بالوصف كيف لا؟ وهو الخالق المكون لا إله إلا هو نور السماوات والارض، وقد قال سبحانه:

" الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم " . النور/35.

     ألا ترى أن الله عزوجل يقرب لنا مفهوم النور وهو العالم بعقولنا وقصور ادراكنا عن فهم حقيقته، فتراه يضع لنا هذا النور في مشكاة وهذه فيها مصباح والمصابح موضوع في زجاجة ثم يصف لنا ضياء هذه الزجاجة حتى تبدو لاعيننا وكأنها كوكب دري، ثم نراه يميز لنا بين النار والنور ليقرب كل ذلك لابصارنا ولينير بمعارفه اوهامنا وبصائرنا فندرك بعميق المعرفة الموهوبة لنا حقيقة الانوار.

     لقد أخرج الحق لنا سبحانه معنى النور من عالم التكوين إلى عالم الوجود، ليصبح النور مدركا ومعقولا تتلقاه العقول بالقبول، ولما كان النور غير ملموسا ولا محسوسا لنا حسا ماديا فقد جعله الله في هذه الاية في وعاء مادي (مشكاة ومصباح وزجاجة) لنكون عنه فهما ماديا مدركا بالابصار ومحسوسا بالعقل.

      وكذلك أخرج لنا محمدا صلوات الله عليه وآله من عالم الملكوت والتكوين إلى عالم الوجود الملموس لتراه الاعين و الابصار وتسمعه الاسماع وتحسه الحواس، وما ذاك إلا لطفا منه بنا ورحمة بعباده، وتفضلا علينا بجميل عطاءه، عسى أن ندرك كنه خلقه، فالابصار عن رؤيته قاصرة والعقول عن أدراكه مقصره، ألا من رحمهم تعالى برحمته وشملهم بعطاء الحكمة وتجليات العقول وروحانية النفوس.
 
     هناك في عالم الملكوت عالم التكوين كان محمدا وآله صلوات الله عليهم أجمعين أنوارا ويذكرهم ايضا أشباحا على ساق العرش، بهم استغفر آدم عليه السلام ربه بعد الخطيئة وبهم توسلت نوح عليه السلام حين ركب السفينة وبهم خلص الله أبراهيم الخليل من نار النمرود، وبهم توسل موسى الكليم حين (القى عصاه وأوجس من نفسه خيفة)، وبهم دعاه الكليم ايضا حين عبر البحر، ولما اراد اليهود قتل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام دعا ربه بحق هذه الاسماء فرفعه الله اليه وخلصه من مكر اليهود وظلمهم. راجع بحار الانوار/26/319.

ألم تر أن الله عز وجل يصف رسالة محمد صلوات الله عليه وأله بانها خروج من الظلمات إلى النور حتى قال تعالى شأنه:

" الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات اؤلئك اصحاب النار هم فيها خالدون ". البقرة/257.

فمحمد وآله صلوات الله عليه وعليهم ( أنوارا ومشاكي ومصابيح) بها يهتدى، وبها يخرج الناس من الظلمات إلى النور الالهي، فالناس في ظلمة وجاهلية حتى يدركواأنوار الرسالة المحمدية، حتى قال سبحانه:

" أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ". النور/40.

     من هنا فلم يكن أحدا يعرف حقيقة هذا السر الالهي والتكوين الرباني الرسول والنبي الخاتم والذي سماه خالقه محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، من هنا كان النبي يقول لعلي: " ياعلي لايعرف الله إلا أنا وأنت ولا يعرفني ألا الله وأنت ولآ يعرفك إلا الله وأنا " راجع البحار، الارشاد، الكافي، علي بن ابي طالب من المهد إلى اللحد، وغيرها.

من هنا ايضا قال كعب بن زهير بن أبي سلمى في بردته:

" أن النبي لنور يستضاء به     مهند من سيوف الله مسلول "./البردة.

بين التكوين والوجود:

قال تعالى: " الله يبدء الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ". الروم/404.

وهو خروج الخلق من عوالم التكوين إلى عوالم الوجود ثم أعادتهم لعالم التكوين بعد الموت وفي يوم الحساب، فخروج الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله بولادته من عالم التكوين إلى عالم الوجود ما هو إلا حالة تواصل بين عالمين وهو تواصل نوراني، وكما قلنا سابقا: أنه كان محمدا صلوات الله عليه وآله نوارا في عالم التكوين ولما ارد الله عزوجل ان يقربه الينا في عالم الوجود كي نراه ونعرفه ونهتدي به جعل هذا النور يتجلى في عالم الوحود  بولادته المباركة في عام الفيل من ابوين مباركين في الاصل لم تلامس سلالتهما الخطيئة ولم يرتكب آبائهما إثما فكانا خالصين مخلصين، طاهرين مطهرين هما: (عبد الله بن عبد المطلب)، والسيدة الجليلية (آمنة بنت وهب)، وما ولد هذا النور في عالم الوجود إلا لتراه الاعين وتسمعه الابصار وتدركه الاوهام التي هي غير قادرة على إدراكه لو بقي نورا في عالم الملكوت.

     فمحمد ورسالته وآله كان لهم وجود في عالم التكوين، وهم لم يأتوا من فراغ، ولكن الله جعل لولادته زمنا ومكانا يتفق وحاجة الوجود إليه، وجعل لرسالته السماوية زمنا تبدء به بين الناس ووجودها سابق لهذا الزمن، وجعل لها مكانا شمل التكوين كله وإلا لم تكن رسالته مهيمنة على ما قبلها، ولا مبشرة بالقادم من التاريخ.

فسلام عليك يارسول الله يوم كنت نورا قبل الانوار، سلام عليك في عوالم التكوين  وسلام عليك يوم ولدت في عالم الوجود، وسلام عليك يوم ارسلت رحمة للعالمين، وسلام عليك يوم توفيت ويوم تبعث حيا. عليك مني السلام ما بقيت وبقي الليل ونهار ورحمة الله وبركاته







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز