Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
المتكرش - قصة قصيرة

كل شيء هنا قاتم وغامق اللون حتى المقاهي الموزعة على جانبي الطريق بكل أنوارها الصاخبة وضوضائها التي لا تنقطع والأقدام التي تنهب الأرض نهباً كل يسعى لضالته، كل هذا لم يكشف عن المكان قتامته ولا عن الناس قلقهم.

 

وحده في مكتبه، وعلى كرسيه الوثير المصنوع من ريش النعام ينفث دخان سيجارته بتلذذ واستعلاء بينما يتدلى كرشه إلى أفخاذه ومنها إلى ركبتيه السمينتين القاسيتين في صورة أقبح من متكرش ناجي العلي.

 

كومة من اللحم ترتدي أرقى وأغلى الثياب وتفوح من ظاهرها أرقى العطور الباريسية التي تخفي وراءها روائح الشهوة واللهفة الدائمة التي لا تنقطع من عيونه المترقبة التي تشعر بها تسرقك وتنتزع منك ومن غيرك كل ما يعنّ لها.

 

عيون صقر لا هم لها إلا القنص، وقلب وحش لا يعرف إلا الخداع، وعقل نمر لا يجيد إلا الصيد والافتراس.

 

طبيب عاش حياته مدللاً في مجتمع يطفو على محيط من التخلف. يلقبه الناس بالدكتور في ذهابه وإيابه، تلك الكلمة الساحرة التي تشعره كما لو كان يمشي على رؤوس الناس طرَّاً غير آبه بكبير أو صغير لأنه المحور الذي يدور حوله العالم والأرض التي لا تطلع الشمس إلا لتنيرها دون سائر الأنحاء والأمكنة.

 

سلالم المبنى متهالكة تحكي صفات آدمية بحتة. بقايا سجائر تحكي صلف ولامبالاة وأكياس متفرقة من الشيبسي والبسكويت وعلب العصائر الغالية التي ترسم آيات الغنى والترف وبجانبها مناديل ورقية متهالكة وبصاق وبقع دماء وطين وورق وأكياس بلاستيكية.

 

السلم من أوله إلى الدور الخامس حيث عيادة الطبيب خال من الإنارة والمصعد معطل والمكان ساكن صامت إلا من سعال وآهات وبكاء ونحيب خفيف يوزعه الهواء بالقسط على كل ذرات الهواء في المكان.

 

عجوز يتكيء على ابنته الشابة وزوجته التي بلغت من العمر أرذله يصعد سلمة ثم يستريح ويتمتم ويحوقل. تهونان عليه الأمر فيحاول الابتسام ولا يستطيعه ربما لأن عضلات وجهه ما عاد يمكنه التحكم بها كما كان سابقاً.

 

تتراءى أمام عينيه الآن صور كثيفة لصباه وشبابه أيام كان يقوم بتحميل سيارات النقل مع أصحابه في الميناء. كان معروفا باسم البطل لأنه وحده كان يستطيع أن ينقل في يوم واحد أكثر من مائة وخمسين جوالا من الكيماوي إلى سيارة النقل الواقفة على الميناء كالنملة مقارنة بالسفينة الضخمة.

 

لم يسرق ولم يرتكب الفواحش. كان ولا يزال يحب زوجته وأسرته ويسعى بكل جد ليكفيهم ويعفهم وكم من مرات استطاع فيها التهريب من الجمرك والميناء لكنه كان يتذكر أولاده ويقسم في نفسه ألا يقرب هذا حبا لهم وخوفا على جوفهم أن يدخله طعام حرام.

 

هاهو الآن قد استطاع بعد جهد جهيد أن يصل إلى عيادة الطبيب بعد أن صدمه الحجم الكبير لليافطة المعلقة على جانب الباب عليها ما لا يحصى من درجات الزمالة والدكتوراه والشهادات العلمية الأخرى في جراحة القلب والصدر من ألمانيا وانجلترا وأمريكا.

 

يضحك الرجل ملء فمه ولكن بمرارة ويقول : آدي دقني إن ما كانت الشهادات دي مضروبة بس يللا هنعمل ايه. يتذكر الآن والد هذا الطبيب....كان رجلا صالحا فقيرا لا يملك من حطام الدنيا سوى قروش زهيدة يخرج بها كل يوم من دكانه البسيط الذي يبيع فيه علب الكبريت وقطع الحلوى الصغيرة للأطفال وبعضا من البضائع القليلة التي يحتاجها كل بيت.

 

يدخل الآن العيادة وينظر حوله ليجد لوحة كبيرة بها قصيدة مدح للطبيب فيبتسم قائلاً: كمان شعر!

 

تستلمه بنت جادة الملامح مستقيمة القوام بين الجمال والقبح وبصرامة لم يعهدها تقول له: ثمن الكشف لو سمحت. يميل عليها بصوت خافت: قولي له أنا سيد حسين قريبه من ناحية أبيه وصديق عمره ومن رباه صغيراً.

 

تدخل الممرضة إلى الطبيب وهي تعلم يقينا أن هذا كلام فارغ لن يقنع به الطبيب الذي لا يرضى إلا بكومة من المال يجمعها في محفظته كل يوم من كل من الضحايا الذين يقعون في طريقه لكن الذي دفعها للدخول إليه ربما شفقتها على هذا الرجل المسكين الذي أثر بها مرضه وحجوظ عينيه وشحوب وجهه.

 

يا دكتور: واحد بره بيقول إنه قريب حضرتك من جهة والدك.

 

دفع الكشف؟ لا : المهم يدفع الكشف حتى لو كان أبي نفسه وخرج من المقابر.

 

تعود إلى الرجل لتخبره بما قاله الطبيب بالحرف وربما لم تستطع أن تغير نص الكلام لأن صوت الطبيب كان عالياً وصارماً بصورة لا تحتمل التأويل.

 

يدفع الرجل كل ما في جيبه ويتأهب للدخول بعد طابور طويل من المرضى الذين رثوا لبعضهم البعض وظل كل منهم يحكي حاله وأيامه وزواج بناته وعقوق أبنائه وتقلبات الدهر وصروفه.

 

يدخل الرجل وما إن يلقاه الطبيب حتى ينفث ما تبقى من دخان سيجارته فيباغته الرجل بقوله: أنا صديق والدك...وقبل أن يكمل يصدمه الطبيب قائلاً:

 

اطلع على السرير يا عم واكشف بطنك

 

يستسلم الرجل ولا يستطيع صعود السرير. يدفعه الطبيب دفعاً فيتكوم على السرير كاشفا بطنه التي أرهقها الجوع قبل المرض ويغمض عينيه مستسلماً بخيال يسرح به في الزمان البعيد قبل أكثر من ستين عاما عندما مرض أبوه ذات يوم فجرى إلى الشارع يستغيث بالناس وقد أتوه عدواً يحملون والده ويحضرون له الركوبة اللازمة وهي حمار قوي يتفوق على حمار العمدة نفسه ويوصلونه بزفة كبيرة إلى طبيب البندر الذي ما إن يراه حتى يشعر بالندم أنه لم يذهب إليه بنفسه لأنه كما يقول طبيب البندر دائماً: خيره علي فهو من رباني بعدما مات والدي هو وكل أهل قريتي حتى أصبحت طبيباً ذا يافطة كبيرة، يسرح الرجل بخياله ويقول في نفسه: الذي جعل طبيب البندر وأهل القرية أكثر وفاء وإخلاصا وحنانا أنهم كانوا بلا كروش، يبتسم الرجل ويضحك ملء شدقيه وتنتابه رعشة وخفة ونشاط وصحة في جسمه فيقوم متثاقلا كما لو كان يفيق من نوم عميق وينزل من السرير وسط دهشة الطبيب الذي يسأله: ايه اللي جرالك وخلاك تضحك قوي كده يا خويا

 

معلشي يا دكتور أصلهم ما كانوش بكروش.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز