Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
كان لي رأي حين أبديته، ساقوا عليّ الملامة و قالوا أنت حمارُ....!

كثير من الإخوة القرّاء يستخدمون (و هذا من حقّهم) في تعليقاتهم أسلوب الاستهزاء و السّخريّة، تارة ممّا أكتبه و أطرحه من أفكار، و تارة من قميصي الأحمر و من شكلي الّذي أبدو به في الصّورة....و فضلا على أنّ بعضهم يكيلون لي التّهم و يصفونني بأوصاف لا تليق بإنسان سويّ، فإنّ بعضهم الآخر يفضّلون تشبيهي بالحمار إمعانا على ما يبدو في تحقيري و تدليلا على مدى غبائي و قلّة فهمي....و السّؤال لماذا يشبّهونني بالحمار تحديدا مع أنّ لديهم تشكيلة واسعة من الحيوانات قد تكون أسوأ و أكثر قبحا بكثير من هذا المسكين الحمار...؟!!

 

هل الحمار غبيّ حقّا...هل هو حقّا المثال الأوطى في السّوء و قلّة الفهم...؟!

 

المشهد الأوّل/

 

فيما مضى كنت أزور بعض أقاربي في البادية لأرتاح قليلا من أجواء المدينة الصّاخب المثقل بالغبار... و ممّا سجّلته ذاكرتي بطريقة لا أخالها تُمحى بسهولة، أنّي حال وصولي إلى هناك و الترجّل عن السّيارة كنت أتوجّه من فوري إلى الكلب المربوط فأفكّ وثاقه و أقف و البهجة تغمرني أراقبه و هو يكاد يطير من سعادته  و فرحته بتحرّره...تملأني السّعادة و أنا أراه يعبّر لي عن امتنانه و عرفانه بهزّ ذيله و الالتفاف حولي و التمسّح بي لدقيقة أو أكثر ثمّ  أتابعه و هو يقفز و ينطّ  و يجري هنا و هناك مشمشما الأرض و كأنّه لا يصدّق انطلاقه و حرّيته.....؟!

ثمّ أعرّج  على الحمار المربوط في وتد بأسلاك حديديّة...كان مشهد الحمار يؤلمني و يحزّ في قلبي و يدميه و أحيانا تجهش نفسي و أشعر بميل طاغ للبكاء و ذرف الدّموع على هذه المخلوق المسكين....مشهد الحمار الخدوم الصّامت حُفر في ذاكرتي كأنموذج متفرّد لطرفين متناقضين، الخادم و المخدوم، أحدهما و هو الحمار ويمثّل الصّبر و الإحسان و العطاء، و الطّرف الآخر و هو الإنسان و يمثّل الظّلم و الجحود و القسوة...!

كانوا يستغلّونه أسوأ إستغلال، الحمار يعينهم و يخدمهم ليل نهار دون أن يتذمّر أو يشتكي أو يحتجّ، و هم (أقربائي) يقابلون إحسانه و صبره بالتنكّر و القسوة و الإهمال، كانوا لا يولونه العناية الكافية في الإيواء و الإطعام و فوق ذلك كانوا يتركونه في العراء في الصّيف و الشّتاء و يقيّدون حرّيته حين لا يحتاجون إليه...كانوا يربطون قوائمه بأسلاك حديديّة حتّى انسلخ الجلد و سال الدّم و غاصت الأسلاك و راحت تحكّ في العظام....قلت كنت أعرّج على الحمار و أفكّ  عنه الأسلاك...!!

 

و طبعا كانت تصرّفاتي في منظور أقربائي غريبة بل و مزعجة أيضا و كانت دعوتي و نُصحي لهم لكي يُرفقوا و يرحموا حيواناتهم مدعاة للضّحك و حتّى للسّخريّة من خفّة عقلي و قصور فهمي....؟!!، فالكلب و الحمار بالنّسبة لهم مجرّد كائنات لا تعقل و لا تشعر بالألم، و هيّ إنّما خلقها اللّه و سخّرها على حدّ زعمهم لخدمة البشر لا غير....و حتّى لو صحّت هذه الفرضيّة العجيبة (تساءلت) ألا تستحقّ هذه الحيوانات بعض العرفان و الرّحمة على الأقلّ مقابل خدماتها و استغلالنا الفاحش لها...؟!

 

المشهد الثّاني/

 

لا زلت أذكر أيضا في وقت مضى كيف كان عدد من أطفالنا يتعلّمون و هم صغارا فنون التّعذيب على الحيوانات ليمارسوه على الأرجح عندما يكبرون خاصّة على القطط و الكلاب و الأحمرة....و يا ويل لأيّ حيوان من هؤلاء إن سقط بين أيديهم...أنا شخصيّا أنقذت في أحد الأيّام جَرْوا شارف على الهلاك من بين أيديهم و شهدت رمي قطّة صغيرة من الطّابق الثّالث و قبل أن ألحقها كان الولد النّبيه قدّ سبقني إليها و هشّم رأسها بحجر ببرودة تامّة ثمّ هرب قبل أن أصله، أمّا في المرّة الثّالثة فقد ذُهلت من منظر ذلك الحمار المسكين الّذي كان يجري عبر الأزقّة و الشّوارع و هو ينهق بنهيق  يشقّ القلب من شدّة آلامه، و في إثره و من حوله أسراب من صغار الحي يضحكون و يرشقونه بالحجارة فيفاقمون جنونه و عذاباته....أطفال البراءة (أطفالنا) أدخلوا جذع شجرة في دبره (أكرمكم اللّه) و رشّوه بمادّة ملتهبة و كان المسكين كلّما جرى و رفس كلّما زادت النّار اشتعالا و عمّت باقي جسمه إلى أن هوى و هلك وسط مهرجان صاخب شكّله صغارنا و فلذات أكبادنا...؟!!

 

من الأسوأ هنا، هل الحمار أم هؤلاء الأطفال الّذين أورثهم آباءهم العنف و لم يحسنوا تربيتهم...؟!!

  

الحقيقة أن تشبيهي بالحمار دون غيره من دوابّ و بهائم الأرض لا يغضبني و لا يزعجني على الإطلاق، بل على العكس يجعلني أبتهج و أتشرّف بهذا التّشبيه إلى حدّ ما من عدّة أوجه، لماذا...؟!!

لأنّي شخصيّا لا أرى في هذا الكائن الحيواني الرّائع المنتمي إلى نفس فصيلة الإنسان من الثّدييات ما يعيب، فهو بالنّسبة لي على الأقلّ أو حتّى على الأكثر مثال لا يضاهى في النّبل و الطّيبة و التّفاني و الوداعة و المسالمة، ثمّ من منّا يستطيع أن يُنكر أو يتجاهل الخدمات الجليلة الّتي قدّمها هذا الحيوان الخدوم و الصّبور و الكريم جدّا للإنسان على مدي التّاريخ دون أن نسمع عنه يوما أنّه اشتكى أو تذمّر على الرّغم من كلّ أذى و ظلم و إساءات ابن آدم المتجبّر الجاحد اللّئيم، و لولا لؤم و جحود هذا الآدمي لنُحتت تماثيل و عُلّقت لافتات و صور لهذا الحيوان في ساحات و شوارع  مدن العالم كلّه عرفانا لفضله و جمائله على الجنس البشري كلّه...!!

 

فكيف إذا تشكّل هذا الانطباع السيّء جدّا و من أين أتت هذه النّظرة المهينة الدّونيّة الّتي نحملها في أذهاننا تجاه هذا الحيوان...؟!!

هل الحمار يسرق، هل يكذب، هل يعتدي على النّاس أو حتّى على بني جنسه، هل يُقدم على الأذيّة بالقول أو الفعل...على العكس تماما فالإنسان هو من يتمثّل و يأتي بكلّ صفات النّذالة و القبح و التعدّي و الظّلم على الطّبيعة و كائناتها و لا يَسلم من شروره حتّى بني جنسه...؟!!

 

كان لي رأي حين أبديته

ساقوا عليّ الملامة و قالوا أنت حمارُ

فلا جزعت من شبهتهم و لا حزنت

و إنّما تشرّفت بمثال أعطوه

و كان شرفا لو كان لي خيارُ

فما يعيب البهيم و هو الخدوم الكريم

و من يجاريه و كلّه نبل و اصطبارُ

فهو أهل لكلّ عرفان و تمجيد

و مثال للبذل و السّلامة و الفخارُ

أمثال بعض النّاس من يسيئني تمثّلهم

فهم عندي قبح و نذالة و عارُ

الحمار و البهائم كلّها أفضل منهم

و لكن الحقيقة السّاطعة علقم و مَرارُ







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز