مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
حُـــكـْـم على العرب طارحي السلام.. حُـــلـْـم على الصّهاينة هاوي الإجرام

يبدو أنّ مُجتمعاتنا العربيّة الإسلامية قد تعوّدت على ذل حُكّامها، وعلى قبول مُواطنيها المنكوبين بما كُتب عليهم، قنع هؤلاء المواطنون بما يُشاهدون مجانا من فضائيات "ما هبّ ودبّ"، وبما يسمعون من [ تفسيرات سياسية ودينية {مُحْكمة مُتطابقة} مع رغبة أولياء أمرهم ]، وبما يتحاورون به عن حرام وحلال وممنوع ومسموح، وبما يتحدّثون عنه من أمراض الـ كولسْـتيرول والضغط والسّـُكّري، وبما يفتخرون به من أصناف ما يأكلون ويشربون بمتعة لا مثيل لها.

 

تعوّد مُواطنو مُجتمعاتنا على قبول أحوالهم الاقتصادية التي لا يُحْسدون عليها، وعلى مُستقبل أبنائهم وبناتهم غير المُؤكّد، [ مهنة صعبة أو بعيدة المنال، زواج مُكْـلف للبعض، شبه مستحيل للآخر، ملكية بيت شبه مُستحيلة إلاّ عن إرث أو وصية ]. وهاهم صابرون على هذا، بقناعة أو بمضض، لكن بلا حراك ولا تمرّد ولا مُعارضة تفكيرية. حتى في الأمور المصيرية لبلادهم، بات اهتمامهم آنيّا، تعوّدوا على الحروب ضد حُكّامهم والعدوان على شعوبهم واجتياح بلادهم، عُـوّدوا أن ينزوا إلى الشوارع، للتـّعبير عن غضبهم عمّا يُصيب هؤلاء الحُكّام. 

 

كانت أولى صرخاتهم، في العقود الثلاثة الماضية، نابعة من أعماقهم، صرخة في وجه حرب غربية/عربية، شـُنـّت على العراق سنة 1991، بدل اتفاق عربي لوقف "احتلال الكويت"، وتجنيب العراق ما ألمّ به من عقوبات وتراجع علمي وتكنولوجي. ثم حين هُدّد العراق بحرب ثانية، في 2003، من قبل الجلاّد بوش وأزلامه الحُلفاء، نزل أو أُنزل المُواطنون العرب إلى الشوارع، واثقين أنّ النـّصر للغادر الأجنبي، والتـّراجع للمُمانع العربي.

 

لكن المُمانعين من حُكّامنا كانوا قلـّة، وللتاريخ يُقال، أن الموقف العربي الرّسمي المُشرّف الوحيد، قادتـْه سوريا بشجاعة نادرة، ضد بوش الغازي المُتوحّش، فباستثناء دعمها من ثلاثة أو أربعة دول عربية، فحكّام بقية الدول، وعلى رأسهم حكّام الخليج عربا وإيرانيين، كانوا مُتحمّسين للقضاء على الحكم في العراق، مُتناسين أنّه بالمُحصّلة، [ الحرب هي ضد شعب، لا ضد شخص فحسب ].

أنكس المواطن العربي علمه، حين لاحظ عرقا عراقيا يرحّب بالاحتلال من أجل حكم ذاتي وُعد به، وأن جزءا من طائفة استقبلته كمُحرّر، وأن مجموعات طفيليّة ممن صنعتهم أمريكا، تشكّلت وعادت للعراق، لتحكمه بحماية المحتل الأمريكي.

 

زمهرير قتـْـل العراقيين انتاب المُواطن، وضع دستور العراق من الأمريكان كاد يقتله، وأساليب السجن والتعذيب همّشته، وإعدام الحاكم السابق بمظاهرات شامتة أحبطته، برغم اعترافه بأخطاء ذلك القائد، وفـُهم أنّ حُكام العرب لا يُجيدون العمل السياسي التوافقي، ولا التربية على الجرأة والتـّمرّد، فصمت المُواطن، مليئا بالحقد.

لم يُفكّر حاكم أو مُنظمة بطلب مُحاكمة مُجرم الحرب بوش آنذاك.. ولا اليوم.

 

اندهش بعض حُكّام العرب من موقف سوريا الحازم ضد شنّ حرب على شعب العراق، بسبب أخطاء ارتكبها حاكمه، وبدأ الفتور بينهم حين شجّعت السعودية ابنها المُدلـّل آنذاك، المرحوم رفيق الحريري، بالابتعاد عن سوريا، معتقدة أن سوريا ستكون البلد العربي المُجتاح بعد العراق، فظنّ أنّ من واجبه "تجنيب لبنان" تداعيات مواقف سوريا. انتهز المُغرضون في لبنان سنة 2004، فرصة تمديد جزئي لولاية رئيس الجمهورية ( كما هو معهود وغير ممنوع في الدستور اللبناني، ولتحاشي مشاكل داخلية، بسبب جو عربي محموم).

 

انتهز هؤلاء المُورّطون هذه الفرصة، ليُطالبوا سوريا بالرحيل من لبنان، وكان المرحوم رفيق الحريري من الذين أعلنوا صراحة وبتحمّس غير مسبوقيْن، ضرورة خروج سوريا من لبنان، بعد أن حكم (هو شخصيا) لبنان سنوات وسنوات، تحت وصاية وحماية سوريا، فقد كان آنذاك، الأخ المُحبّب علي قلبيْ الرئيسيْن السوريّيْن الراحل والحالي. تعقـّدت أمور لبنان، وفـُتحت الأفواه، ورجعت عادة (حرية التعبير بلا ضوابط)، وانتهى الأمر، وبأسف شديد، باغتيال الشهيد رفيق الحريري، وخرجت سوريا من لبنان، تلبية للشرعية الدولية.

 

ما من مسؤول طالب بمُحاكمة القتلة المُجرمين في لبنان، من قبل محكمة لبنانية، وقـُضاة لـُبنانيين، استغل الحاقدون على سوريا المُناسبة المُؤلمة، واتّهموها باغتيال الحريري دون أيّ مُبرر، وباتت لعبتهم الكلامية اليومية، ترديد : سوريا وراء اغتيال الحريري. طالبوا بـ محكمة دولية للتحقيق باغتياله، علما بأنه ما كان سوى نائبا ومواطنا عاديا، بينما الرئيس كرامي، الذي تم اغتياله وهو يُمارس مسؤولياته كرئيس حكومة لبنان، تمّت مُحاكمة قاتليه في لبنان.

 

وقفت السعودية تلقائيا ضد سوريا ومدّت أصابع الاتهام نحوها، قامت بتمويل واستقبال مُعارضي النظام السوري بالخارج، ولم يُفكّر ملك أو رئيس عربي، ولا الأمين العام للجامعة العربية، بنصيحة الإخوة اللبنانيين الهُواة بالسياسة، بعدم إدخال الأمم المتحدة بشؤون أمتنا. بالعكس تماما، ساندوا فكرة المُحاكمة الدّوليّة. وغسلنا ثيابنا الوسخة على مرأى العالم، ونشرناه على الساحة الدولية، وكأنّ أمّتنا، كانت بحاجة لهكذا مهزلة (دولة عربية تـُطالب محاكمة دولة عربية شقيقة، أمام القضاء الدولي).

ومنذ أيام، بدأت أعمال المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان، في لاهاي.

 

قام الصّهاينة بعدوان على لبنان في تموز/يوليو 2006، وواجهته مُقاومة باسلة يقودها حزب الله، ومنعته من تحقيق أيّ من أهدافه، فلم يُحرّر أسراه، ولم يقضي على حزب الله ولا على قائده سماحة السيد حسن نصر الله، لكنه هدّم البُنى التحتية من شوارع وجسور وأنفاق ومباني ومدارس ومساجد، وشرّد وهجّر مُواطني الجنوب والضاحية الغربية، ناهيك عمن سقطوا من آلاف الشهداء، إنها التـّضحية التي تـُدفع من أجل الدفاع عن الأرض.

ولم يخطر على بال مسؤول، طلب محاكمة الصهاينة أمام القضاء الدولي.

 

والأخطر من هذا، أنّ ملوك ورؤساء عرب و"نـُخب لبنانية"، ألقوا المسؤولية على حزب الله وعلى مغامرته "الشيعية !" المدعومة من إيران، وغرسوا بذرة طائفية، بدل اعتزازهم بمن هزم الجيش الصهيوني. قامت قيامة الرئيس السوري، فوصف هؤلاء الحكام بـ أنصاف الرجال، لكنه سرعان ما تراجع عن نعته هذا، وطالب اعتباره كـ [ لوْم وعتب من شقيق على أشقائه ]، كان همّه الوحيد عدم تعميق التمزق العربي، وإنجاح قمة الرياض في آذار/ مارس 2007. لكن الأمور لم تهدأ، والكل يذكر محاولة عزل سوريا، بمناسبة مؤتمر قمة دمشق في آذار/ مارس 2008.

 

*****

 

في خضمّ هذه الفترات، مر على إخوتنا الفلسطينيين محن عديدة، اجتياح الضفة ومحاصرة المقاطعة ورئيسها المرحوم عرفات، وتهديم المنازل على رؤوس أهاليها في رام الله وجنين وغيرهما، وبناء الجدار العنصري واستشهاد المئات واعتقال الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني، ووفاة عرفات بشكل مُثير للحيرة ليومنا هذا.

وما من أحد طالب القانون الدولي بمحاكمة وعقوبة الصهاينة.

 

شهد شعب فلسطين المُحتل، تطبيق ديمقراطية، غير معهودة بأنظمة الدول العربية الأخرى، جرت انتخابات نزيهة، رئاسية فاز بها "عباس"، و تشريعية فازت بها حركة المقاومة"حماس". لم يرُق لجماعة السلطة حينئذ، أن يتقاسموا الحكم الذاتي مع حماس. استغل العدو هذا الانقسام، وأسر عشرات من النواب المنتخبين ومن رؤساء البلديات الفلسطينية بشكل تعسفيّ، أسْر لم يحرّك ضمير الحكام العرب.

فما من أحد طالب محكمة دولية لملاحقة الصهاينة، لأسرهم مُنتخبين فلسطينيين شرعيّين.

 

اختلف إخوتنا الفلسطينيون ووصل بهم الأمر للاقتتال والاعتقال فيما بينهم، ولم يتمكن العرب من مُصالحتهم لا في مكة ولا في صنعاء. اتـّخذ بعض حكام العرب وعلى رأسهم ملك آل سعود ورئيس النظام المصري، مواقف مُعادية لحركة المقاومة حماس، وقامت حملات عدائية ضد صواريخها التي تدافع بها ضد العدو، عن الأرض والعرض، إبّان تهدئة خادعة.

 

فـُرض حصار قاتل، أدّى لـ عدوان غاشم من آل صهيون ولـ اجتياح همجي بربري نازي لا سابق له، آلاف الشهداء والضحايا من مقاومين ومدنيين أبرياء. وبرغم التـّظاهرات المليونية الصادقة في الشوارع العربية والإسلامية والمحبّة للسلام، تمّ التـّطرّق لملاحقة المعتدين الصهاينة، ولكن لا حركة ولا حراك، وكأن ثمن الدم العربي الفلسطيني بخس، ولا يستحق أن يُدافع عنه.

وما من منظمة أو دولة تجرّأت ليومنا هذا من رفع دعوى أمام القضاء الدولي لمحاكمة الصهاينة القتلة. 

 

*****

 

على الجانب الآخر، ومنذ سنتين لم تتوقف المُنظمات "الإنسانية" المُتحكّم بها اللـّوبي الصّهيوني الدّولي، من القيام بتحقيقات في دارفور، عملت وتحرّكت وروّجت وتمكّنت أخيرا، من رفع دعوى ضد الرئيس حسن البشير، لأخطاء ربّما ارتكبها، ولأوّل مرّة يصدُر القضاء الدولي مُذكرة توقيف بحق رئيس يمارس مسؤولياته بحصانة دستورية، من قبل محكمة لم توقـّع السّودان على ميثاقها.

 

نهضت الجماهير السودانية لدعم موقف حسن البشير برفض المُذكرة، وملأت الشوارع، أُلقيت خطابات تنديد ورفض، شجبت الجامعة العربية والمنظمة الإفريقية قرار التوقيف هذا، وطالبتا بـ إعادة النظر في أحقية هذه المُذكرة، أو تأجيل مفعولها لـ سنة !.

في نفس الوقت، وضعت الحركة السودانية، التي فاوضت حكومة البشير في الدوحة منذ أسبوعين، نفسها تحت تصرف المدعي العام لملاحقة البشير والقبض عليه، وقرّرت حركة أخرى مدعومة من إسرائيل التعامل مع المحكمة لإلقاء القبض على البشير.

 

وحتى من تظاهروا وندّدوا وتحمّسوا، سيتخلون عن البشير إن توقـّف وسينسونه، كما تمّ التـّخلـّي عن رئيس العراق السابق، مُستندين على مقولة (سقط الملك.. عاش الملك). ينسي العرب حُكّامهم بسرعة، لما قاسوا من ويلات اضطهادهم. فلم لا يتوقفون عن هذا الاضطهاد ؟

ثم من سيُدافع عن الرّئيس السّوداني حسن البشير، اليوم : الشارع، الجامعة، المنظمة... ؟

 

تحتاج مُجتمعاتنا لحركة تربية التـّعـلـّّق والدّفاع عن كل أقطار أمتنا العربية،

وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فلم لا تـُقام دعاوي أمام المحاكم الدولية،

ضد من ارتكب بحق أمتنا جرائم حرب، وجرائم شبه إبادة ؟

أم أن الحكم دوليا على العرب، بات عاديّا، والحلـْم على الصّهاينة بات فرضا ؟

طال الانتظار يا قادتنا ويا مسؤولي مُنظماتنا، هبّوا.. فالشعب وراءكم، والله معكم.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز