Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
عائشة التيمورية ياقوتة الأدب العربي الحديث

إن كان التاريخ هو ذاكرة الأمة فلا ريب أن الأدب هو روحها وريحانها. في الأدب العربي الحديث يقدم آل تيمور حالة فريدة في السبق والتفرد والابتكار، وهي الشروط الثلاثة التي وضعها العقاد معاييرا لوصف شخصياته بالعبقرية.

 

يأتي مقالي هذا مع ما سبقه من ترجمة لكبار أدبائنا ومفكرينا لأثبت أننا أمة يعتريها الضعف لكنها أبداً لا تموت. وإذا كان تاريخنا المجيد سواء بعيده أم قريبه لا يكفي ليثبت للحاقدين أننا أمة لا تموت، فأقول للحاقدين: أرأيت اذا نثرت الياقوت بين الحمير هل يفضلونه على الشعير؟!

 

أود البدء بعائشة وأسرد لكم أهم ما لفت نظري بسيرتها العطرة: تزوجت وهي في الرابعة عشرة، وهي التي تولت تعليم أخيها أحمد وتعهدته حتى صار علما من أعلام الأدب العربي الحديث. وهي عمة القاص والروائي المبدع محمود تيمور الذي يعد من أعظم كتاب القصة القصيرة في العصر الحديث. تشعر في ديوانها المسمى" حلية الطراز" بهذا الكم العظيم من الحنان والرقة برثائها لابنتها حبيبة التي فقدتها وظلت بعدها لسبع سنوات في حزن متجدد لا ينقطع حتى إنها أحرقت أشعارها إلا القليل مما جمع بعد ذلك في الديوان المذكور آنفاً.

 

ومن جميل ما قرأت عن عائشة أنها كتبت الكثير في جريدتي الآداب والمؤيد تعارض أفكار قاسم أمين ودعوته للمرأة للسفور.

حالة عائشة التي نبغت في عصر كان يندر أن تعطى المرأة فرصة لإظهار نبوغها يدل على أن الإسلام بريء وعري عن الجهل الذي يرتكبه أتباعه. وكلنا يعلم أن الإمام السخاوي في كتابه: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" قد ترجم لشهيرات القرن التاسع الهجري حتى إن أشياخه من النساء قد زدن على الخمسين. بل إن ابن عساكر وهو إمام عصره في الحديث وحافظ الأمة قد أثبت في تاريخ دمشق أنه تلقى العلم عن بضع وثمانين امرأة. ولعل في أشعار عائشة عن الحجاب ما يطفيء نار القلب التي تشتعل كلما أهان الحجاب وحاربه أدعياء مسلوخون عن جلدنا جاهلون بقيمنا. ومن جميل ما قرأت للشيخ علي الطنطاوي في كتابه الماتع "رجال من التاريخ" – وهو ما أنصح القراء بمطالعته – في سياق دفاعه عن تكريم الإسلام للمرأة: "التاريخ الإسلامي حافل بذكر العالمات الأديبات، وفي مكتبتي (الكلام للشيخ علي) ثلاثة آلاف ترجمة لمن نبغ من نسائنا، وكذا في كتب الجرح والتعديل ذكر للكثير من النساء اللواتي كن محدثات يأخذ منهن الرجال الحديث."

 

عائشة هي أخت العلامة المحقق أحمد تيمور الذي تدهشك عناوين كتبه التي تدل على قدرته العظيمة في الاستقراء والاستقصاء وتبحره في العلوم والآداب والتاريخ والفنون تحقيقا ودراسة وإبداعاً. فمن عناوين كتبه: نظرة في حدوث المذاهب الفقهية، معجم الأمثال العامية- وهو عمل أكاد أقسم أنه لا يستطيع إنجازه فرد واحد في عصرنا بهذه القدرة العظيمة- الحب عند العرب، المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين، مختارات أحمد تيمور- طرائف من روائع الأدب العربي، الحب عند العرب،  لعب (جمع لعبة) العرب، والآثار النبوية.

 

نعود لعائشة التي كانت من أول من دعا لتعليم المرأة، ولنتعطر بعبير أشعارها الجميلة عن الحجاب حيث تقول:

بيد العفاف أَصون عز حجابي..  وِبِعِصمَتي أَسمو عَلى أَترابي

وَبِفِكرَة وَقـّــادَة وَقَريحة  ...  نَقّـــــادَة قَد كَمَّلــَت آدابـــــــي

ما ضَرَّني أَدبي وَحُسنُ تَعَلُّمي .... إلا بكونى زَهرَة الألباب

ما ساءَني خدري وَعَقد عِصابَتي ... وَطَرازُ ثَوبي وَاِعتِزاز رَحابي

ما عاقَني حَجلي عَن العليا وَلا ..... سَدل الخِمار بِلِمَّتي وَنِقابي

عَن طي مِضمار الرَهان اِذا اِشتَكَت... صَعب السِباق مطامح الرِكاب

 

ولعل الحديث عن عائشة يحسن ويقوى بذكر آثارها والتي بلغت أوجها شعرا جميلا، وعليه فإني أترك الفرصة لأشعارها التي قدمها أديبنا المبدع الشيخ علي الطنطاوي لتتحدث عنها. فقد تأثرت أيما تأثر بالكلمات البليغة للشيخ علي الطنطاوي عند حديثه عن عائشة المنعمة المرفهة التي فقدت ابنتها توحيدة وكانت روح فؤادها حيث يقول:" فكيف بشاعرة من ربات الحجال مرهفة الحس رقيقة القلب تعيش بالعاطفة والحب أصابها ما لم تطق له احتمالاً، كانت لها بنت اسمها توحيدة، جمع الله لها جمال الخلق وسمو الخلق، فياضة الأنوثة، ساحرة الطرف، بليغة النطق، مهذبة الحواشي، ما رآها أحد إلا أحبها، وبلغت ثماني عشرة سنة وتزوجت، فما مر على عرسها شهر حتى أصابها مرض مفاجيء فماتت."

 

ويشهد الله يا قرائي الكرام أني قد اقشعر بدني من قراءة الرثاء الذي كتبته عائشة لابنتها وجربوا بأنفسكم:

إن سال من غرب العيون بحور فالدهر باغ والزمان غدور
فلكل عين حق مدرار الدما     ولكل قلب لوعة وثبور
ستر السنا وتحجبت شمس الضحى وتغيبت بعد الشروق بدور
ومضى الذي أهوى وجرعني الأسى وغدت بقلبي جذوة وسعير
يا ليته لما نوى عهد النوى   وافى العيون من الظلام نذير


ثم أخذت تصف ) الكلام لشيخنا الأديب علي الطنطاوي) كيف بدأ بها المرض في رمضان سحرا،  لما ألم بها على شبابها وصغرها، ولما أصبحوا جاءوا بالطبيب فكتب لها الدواء وبشرها بالشفاء:
 
طافت بشهر الصوم كاسات الردى سحرا وأكواب الدموع تدور
فتناولت منها ابنتي... فتغيرت وجنات خد شانها التغيير
فذوت أزاهير الحياة بروضها وانقد منها مائس ونضير
لبست ثياب السقم في صغر وقد ذاقت شراب الموت وهو مرير
جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا إن الطبيب بطبه مغرور
وصف التجرع وهو يزعم أنه بالبرء من كل السقام بشير
                                                 
واسمعوا (الكلام ما يزال لشيخنا علي الطنطاوي) كيف استبشرت الفتاة بدواء الطبيب، وسألته التعجيل بشفائها لأجل شبابها، بل من أجل والدتها التي حرمت على نفسها طيب المنام:
فتنفست للحزن قائلة له  عجل ببرئي حيث أنت خبير
وارحم شبابي إن والدتي غدت ثكلى يشير لها الجوى وتشير
وارأف بعين حرمت طيب الكرى تشكو السهاد وفي الجفون فتور


وأمسكوا الآن بقلوبكم لا يصدعها الحزن، وبعيونكم لا يقرحها البكاء، واسمعوا هذا المقطع الذي بلغت فيه الشاعرة الذروة، وسبقت فيه كل من قال مرثية عاطفية. اسمعوا البنت وقد رأت عجز الطبيب فداخل قلبها اليأس وتصورت الموت وانطلقت تودع أمها:
لما رأت يأس الطبيب وعجزه   قالت ودمع المقلتين غزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني        مما أؤمل في الحياة نصير
لو جاء عراف اليمامة يبتغي  يرثي لرد الطرف وهو حسير
يا روع روحي حلها نزع الضنى   عما قليل ورقها ستطير
أماه قد عز اللقاء وفي غد           سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي  هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقا بابنتي     جاءت عروسا ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة       فتراك روح راغها المقدور
أماه قد سلفت لنا أمنية           يا حسنها لو ساقها التيسير
كانت كأحلام مضت وتخلفت مذ بان يوم البين وهو عسير


وتصوروا الأم وهي تعود إلى الدار فلا تلقى ابنتها، وترى جهاز العرس ما زال باقيا، ولكن العروس قد أودعت حفرة باردة، وأهيل عليها التراب، ويرن في أذنها صوت هذه العروس تقول لها وهي تعالج جذب الموت:
عودي إلى ربع خلا ومآثر         قد خلفت عني لها تأثير
صوني جهاز العرس تذكارا فلي قد كان منه على الزفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا     لبس السواد ونفذ المسطور
والقبر صار لغصن قدي روضة ريحانها عند المزار زهور
أماه لا تنسي بحق بنوتي          قبري لئلا يحزن المقبور


وهاكم جواب الأم:
فأجبتها والدمع يحبس منطقي  والدهر من بعد الجوار يجور
بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي  قد زال صفو شأنه التكدير
لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها حزن عليك وحسرة وزفير
فسما بغض نواظري وتلهفي   مذ غاب إنسان وفارق نور
وبقبلتي ثغرا تقضى نحبه فحرمت طيب شذاه وهو عطير
والله لا أسلو التلاوة والدعا  ما غردت فوق الغصون طيور
كلا ولا أنسى زفير توجعي   والقد منك لدى الثـرى مدثور
إني ألفت الحزن حتى إنني لو غاب عني ساءني التأخير
قد كنت لا أرضى التباعد برهة كيف التصبر والبعاد دهور
أبكيك حتى نلتقي في جنة   برياض خلد زينتها الحور


انتهى نقلي عن شيخنا علي الطنطاوي، وقد أردت بمقالي هذا توجيه رسالة قوية لكل الأدعياء والمتفيهقات اللائي يتاجرن بقضية المرأة ويزعمن أنهن نصيراتها. انظرو إلى هذه الياقوتة التي لم يمنعها إبداعها من حفاظها على دينها وأخلاقها. أنا أعلم يقينا ألا واحدة من هؤلاء النسوة المتفيهقات في عصرنا والمتشدقات بحقوق المرأة قد بلغت عشر معشار ما بلغتيه يا عائشة من إبداع وجمال وأدب وأخلاق وشعر رقراق. عليكي سحائب الرحمة والرضوان يا عائشة ولنا الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز