زهير كمال
zuhair1001@gmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الشارع العربي
  

الشارع الوحيد  في عالم السياسة هو الشارع العربي فليس هناك  شارع فرنسي او امريكي او هندي مثلاً    بل الوصف الصحيح هو الرأي العام الفرنسي او الامريكي او الهندي وغيره من الرأي العام العالمي الذي يتحرك دفاعاًعن قضايا تتعلق بالضمير والاخلاق.

لكن الجماهير العربية تتحرك دفاعاً عن وجودها ومصالحها.

في غزو العراق عام 2003 حصلت مظاهرات غير مسبوقة في بريطانيا سواء في الحجم او العدد، ولكن عند اجراء الانتخابات العامة نجح حزب العمال وزعيمه توني بلير، الشريك الرئيسي في تحالف الغزو لان هناك قضايا اخرى على سلم اولويات الناخب البريطاني.

وفي ايطاليا سقط برلسكوني، الشريك الثالث في تحالف الغزو في انتخابات ايطاليا السابقة ولكن بسبب قضايا داخلية وفضائح فساد مالية. ثم نجح في الانتخابات التي جرت مؤخراً وهو الان رئيس الوزراء الايطالي.

اما الشعوب العربية فهي تعتبر الغزو الذي جرى انما هو اعتداء عليها، فالمغربي او اليمني يشعر ان هذا غزو مباشر لوطنه.  

الشعوب الاخرى تستطيع ان تعاقب مسؤولها الاول او لا تعاقبه تبعاً لمصالحها اما شعوبنا فلا تملك هذا الحق حتى الآن. يتحول رأي الشعوب الى ممثلين له ويبقى رأي شعوبنا شارعاً يبح صوته من الصراخ.

زمن طويل مر على هذا الشارع وهو يمارس الصراخ والتظاهر من أجل قضايا الأمة التي لم تحل  اي قضية منها حتى هذا التاريخ، بل على العكس تضاف اليها قضايا ومشاكل اخرى.  

لهذا بدأت كلمة ( الشارع العربي) تعطي مفهوماً معيناً في الاعلام: ان هناك رأي موحد للشارع العربي  يختلف عن رأي الأنظمة التي تحكمه، وهذا التوحد ملفت للنظر فهو يمتد من المحيط الى الخليج وأحياناً يتوسع ليصل الى جاكرتا في قضايا مركزية مثل فلسطين او الاساءة للاسلام.  

لكن بعض المثقفين والكتاب، نتيجة لسوء التحليل او قصر النظر او اليأس،  يطلبون من الشارع اجتراح المعجزات، ويستغربون كيف انكمشت مطالب الجماهير لتصبح اغلاق سفارة! في كل مرة تشن فيها اسرائيل حرباً.

 في الواقع انه طلب صغير ولكنه ينم عن ذكاء كبير، انه تحد سافر للنظام ان يثبت عدم تبعيته وان يثبت انه قادر على الاحتجاج على الاعمال العدوانية التي تستفز كل اصحاب الضمائر الحية في هذا العالم ولكن هيهات!  فأصحاب الضمائر الحية استيقظوا على بعد الاف الكيلومترات في فنزويلا وبوليفيا واثبتوا ان جمهوريات الموز السابقة قد حصلت اخيراً على استقلالها وتستطيع اتخاذ قرارتها بحريه.  

 ويخطر سؤال والمراقب يرى ان الشارع مختلف مع النظام دائماً هل هذا شارع مشاكس رافض دائماً؟ والحقيقة ليست كذلك ولكن طول المدة هو الذي يشعرنا بذلك. فجنازة جمال عبدالناصر عام 1970 كانت   جنازة الوداع للنظام الوحيد الذي وقف مع الجماهير في جبهة واحدة.   

تأثير الشارع على الاحداث

هذه القصة الحقيقية تبين كم يؤثر الشارع الغاضب:  جاء السكرتير فزعاً وقال لرئيس وزراءه : سيدي  الشارع العربي ثائر والمظاهرات تعم المنطقة كلها.

سأله بكل برود كم فرقة عسكرية تمتلك هذه الجماهير ؟ 

رد عليه قائلاً: لا شيء

أجاب : اذن لا تقلق

 في موازين القوى ليس هناك حساب للصراخ والتظاهر بل للرصاص والبنادق. هناك وقت للكلام ووقت للفعل. والشارع العربي يندب حظه دائماً فأنظمته غير جاهزة لما هو مطلوب منها، بل انها غالباً ما تتخذ خطوات عكس مصلحته.  فماذا يملك  ان يفعل؟ 

  

الشارع والمواجهة

بعض المراقبين لاحظ ان هذا الشارع لا يتظاهر ضد أنظمته مباشرة ولهذا وصفوه بانه شارع جبان، هل هو كذلك ام ان ساعة المواجهة لم تحن بعد؟

خصصت الانظمة العربية قوات أمن ضخمة وزودتها بالاسلحة المناسبة لمكافحة الشغب وخصصت لها اموال ضخمة وربما كانت ميزانية وزارة الداخلية في كل قطر عربي هي الاضخم من كل الوزارات الاخرى.

في مصر مثلاً يبلغ عدد القوات التابعة لوزارة الداخلية مليون واربعمائة الف جندي اي بمعدل جندي لكل سبعة وخمسين مواطناً، واذا خصمنا عدد الاطفال فان المعدل يصبح واحد الى خمسة وعشرين، ويعني ذلك ببساطة ان النظام قادر على مواجهة اي مظاهرة بعدد موازي لها ولكن مع السلاح واوامر بالتصدي والقتل ان لزم.

نسبة قوى الامن مرتفعة ولكنها ليست السبب في تجنب مواجهة النظام، وانما يرجع ذلك الى الشخصية العربية وقيم وتقاليد المجتمعات العربية.

فالشعب الجزائري كان في منتهى الشجاعة والجرأة في مواجهة الاحتلال الفرنسي ولم يبخل بقوافل الشهداء. اما الشعب العراقي فقد ظن البعض انه اصبح شعباً وديعاً في عهد صدام ( كيف لا، وبين كل رجُلَي مخابرات يوجد ثالث في الوسط).  

وحتى ضمن الشعب الواحد مقارنة بسيطة بين سكان الضفة ووجود امن السلطة وسكان غزة ووجود جيش الاحتلال. ويمكن تلخيص الحال بقول طرفة بن العبد

وظلم ذوي القربى اشد مضاضة                         على المرء من وقع الحسام المهند

 

تجنب الشارع المواجهة المباشرة حتى الآن يجعلك تشعر انه كيان حي يفكر، هل هذا الحدث مواجهة مباشرة مع السلطة، فاذا لم يكن كذلك فانه يقوم بالتظاهر ويصل الأمر الى تقديم الضحايا والاعتقال كما يحدث عادةً كرد فعل من السلطة التي تكره ما يعكر صفو الأمن بالطبع.    

تعلمنا دروس التاريخ ان الجماهير اذا واجهت انظمتها القمعية تستطيع فعل المعجزات، ولن تواجه الجماهير انظمتها الا اذا كان هناك سبب قوي للمواجهة وليس هناك اقوى من العامل الاقتصادي او ببساطة شديده (شعور الجماهير انها وصلت الى مرحلة الجوع)  

ويتحقق انتصارها في المواجهة في قدرتها على الصبر والصمود وطول النفس ولا يتأتى هذا الا اذا اجتمعت عوامل متعددة منها حزب منظم وقيادات قوية عنيدة ترتبط بجمهورها وتعرف مصلحته الحقيقية.

وللاسف لم تتوفر هذه العوامل بعد للجماهير العربية .  وفي حدث واحد توفر لهذه الجماهير جزء بسيط من هذه العوامل فتحققت المعجزة التي تستحق ان تروى بالتفصيل.

الانتصار الاول والعظيم للشارع العربي  

حركة كفاية حركة وطنية مكونة من مثقفي الطبقة الوسطى في مصر والتي تستفزها افعال النظام المصري فتقود المظاهرات والاحتجاجات ضده.

تواجه الحركة قسوة القمع الغير مبرر من قوات الامن المركزي ضد مظاهراتها السلمية وضد قياداتها التي يبلغ اعمار بعضها ثمانين عاماً ( وتصدي رجال بهذه الاعمار يبين مدى هبوط النظام في مستنقع الوحل).

في عام 2008 تفتق ذهن الحركة الى استعمال فكرة العصيان المدني وهي فكرة بسيطة تقوم على عدم خروج الناس من بيوتها في يوم او ايام معينة، وقامت بتنفيذ الفكرة التي يبدو انها نجحت مما لفت انتباه جماعة الاخوان المسلمين.

ولاول مرة يقبل الاخوان المسلمون التنسيق مع كفاية في عمل مشترك.

اتفق الطرفان على تنفيذ يوم عصيان مشترك احتجاجاً على ارتفاع الاسعار وتدني الاجور، وتم اختيار يوم الاحد الموافق الرابع من مايو / ايار 2008 الذي يصادف الذكرى الثمانين لعيد ميلاد رئيس الجمهورية.

يُجمع المراقبون ان النظام المصري الحاكم معروف بالغباء والبلادة، ولكن رئيسه مبارك وقبل اربعة ايام من تنفيذ العصيان قام برفع اجور الموظفين والعمال 30% اعتباراً من اول شهر مايو، اي فوراً، وهذه خطوة في منتهى الذكاء وتبعث على التساؤل من الذي اوعز للنظام بالقيام بخطوة غير مسبوقة كهذه؟

وسنجمل الدروس المستفادة من هذا الحدث بالنقاط التالية:

1-  تحارب الحكومات اي زيادة في الرواتب بايديها وأظافرها واسنانها، فالمشكلة تدبير الموارد لهذه الزيادة. وفي النهاية عندما لا يكون مفر منها فان اقصى زيادة يحصل عليها الموظفين والعمال هي 10 بالمئة، بعد اجتماعات عديدة لوزير المالية مع كل الوزارات والمختصين لتدبير المبلغ سنوياً.

2-  اجتمع المختصون في مصر لهذا الموضوع ولكن الرئيس مبارك قال لهم حسب تعبيره ( قلت لهم لا، اقل من 30 بالمائة وشوفوا لكم موارد.) ولا يفهم من هذا الا ان ميزانيات الحكومة المصرية شوربة ( وآسف لهذا التعبير) ، فالحكومة هي اكبر صاحب عمل في مصر وهذه الزيادة السنوية البالغة تسعة مليارات جنيه مصري ستمثل نسبة كبيرة من الميزانية، مما يعني ان هناك مصاريف في غير محلها (ولا تزال) كانت تصرف بدون رقابة او حساب.

3-  ان السياسة فوق الاقتصاد كما هو معروف فاذا شعر السياسي ان هناك خللاً اقتصادياً ما فانه يتحرك لاصلاح الوضع قبل تفاقمه وتحوله الى ازمة سياسية، والمشكلة هنا في مسألة الشعور فقد عودنا الرئيس مبارك انه يفتقد الشعور في امور أخطر من هذه.

4-  ان مجرد التنسيق بين الحركة الوطنية والاسلامية جعل النظام يحس بالخطر.

5-  نقص الخبرة السياسية عند كفاية والاخوان المسلمين وضعف التنسيق او انعدامه بينهما، فقد كان الوقت كافياً منذ اعلان الرئيس مبارك عن الزيادة ويوم العصيان لاعلان الغاءه لانه حقق اهدافه برفع الاجور. كان لا بد من ترديد عبارة :

انتصر العصيان قبل ان يبدأ

 وهكذا ستشعر الجماهير ان السلطة ارتجفت لمجرد الاعلان عن العصيان فماذا لو طبق فعلاً؟ كان يجب على اعلام القوى الوطنية والاسلامية التركيز على انتصار الجماهير وهزيمة السلطة وبدلاً من ذلك لم يتخذ الطرفان اي موقف بل ان بعضهم قال ان العصيان مستمر ولكنه فشل بالطبع بعد ان سحب مبارك او من يخطط له الجماهير التي ستنفذه.

ايها السادة:

الجماهير العربية واعية وتزداد وعياً كل يوم لم تيأس ولم تتوقف عن النضال والخروج الى الشارع رغم قسوة الظروف ورغم صعوبة تحصيل لقمة العيش ولكنها تهتم وتبالي وتضحي وتقاوم. المشكلة الكبرى التي تواجه الجماهير هي عدم وجود قيادة واعية وحزب او احزاب تنظم عمله وهذا راجع الى مثقفى الطبقة الوسطى الذين لم يعرفوا بعد المصلحة الحقيقية لجماهيرهم.   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز