زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية .. بين الحقيقة اليهودية والأوهام العربية

عندما قام الكيان الصهيوني باحتلال فلسطين وإحلال اليهود فيها محل العرب مسلمين ومسيحيين ، لجأ عتاة الصهيونية الى استغلال الدين اليهودي والآيات التوراتية في جذب اليهود الى فلسطين من مختلف أماكن تواجدهم في العالم ، وقد لقي سعيهم هذا التأييد والمساندة من مختلف الدول التي يتواجد فيها اليهود وذلك رغبة من تلك الدول في التخلص من يهودها لأن اليهود في أي مجتمع يعيشون فيه هم وحدة واحدة عنصرية يمنعها ما ترسخ في عقائدها على مر التاريخ من الاندماج في أي مجتمع إنساني غير يهودي  ، بل ويحرم عليهم دينهم تحريماً شديداً الزواج من أجنبيات غير يهوديات ويعتبر النسل الآتي منهن غير يهودي ، لأن اليهودي في عرف توراتهم هو من كانت أمه يهودية حتى وإن كان أبوه من الأمم ( غير اليهود ) ، ومن هنا التقت مصالح معظم دول العالم مع مصلحة الحركة الصهيونية في تجميع اليهود في فلسطين ، مصلحة الدول في التخلص من فئة غير مندمجة في مجتمعاتها ، ومصلحة الصهيونية في تأسيس كيان تكون نواته فلسطين ( أرض الميعاد التوراتي ) وتنتهي حدوده شرقاً عند نهر الفرات في العراق وغرباً عند نهر النيل كما تقول توراتهم . وإذا سلمنا ( كمسلمين ومسيحيين ) بصحة الآية التوراتية التي تقول (في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا.لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات. ) فيجب أن نسلـّم بأن ما ورد في الإنجيل على لسان السيد المسيح (لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل اثماره.44 ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه  ) ينسخ الوعد الذي ورد في التوراة ، فلم يعد لليهود حق في إقامة هذه الدولة التوراتية بعد رفضهم لرسالة السيد المسيح عليه السلام ، وإن كان المسلمون والمسيحيون يختلفون بشأن قضية الصلب فإنهم يتفقون على أن آيات الإنجيل ( كمسيحيين ) وآيات القرآن ( كمسلمين ) " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ..). قد نزعت عن اليهود حقهم في الوعد الإلهي لإبراهيم وأعطته لأمة هي الأخرى من نسل إبراهيم .

   والذي نحن بصدده الآن هو الفكرة التي يحملها العقل الصهيوني والوجدان اليهودي في شأن الدولة التوراتية ، والمخطط المرسوم الذي يعمل الصهاينة وحلفاؤهم على تنفيذ أجندته خطوة تلو خطوة ، ذلك المخطط الذي يجهله المفاوض الفلسطيني تماماً أو يتجاهله على الأقل ، أو يعتبره على أقل تقدير إفرازاً وهمياً من إفرازات نظرية المؤامرة ، ولكن العقل الصهيوني يعتبره سراً تجب المحافظة على كتمانه بكل الطرق والوسائل ، لأن افتضاح أمره من شأنه أن يعيق تتابع خطوات تنفيذه ويؤخر تحقيق أهدافه النهائية .

  وسأحاول في هذه المقالة أن أفضح هذا السر بسرد بعض أحداث الماضي التي سارت خطوة تلو خطوة في طريقها المرسوم نحو هدف الدولة التوراتية حتى وصلت الى يومنا هذا ، وسوف نرى بعد ذلك حقيقة المفاوضات الجارية ومدى جديتها عند الصهاينة ، بما يوضح لنا أن هذه المفاوضات في نظرهم لا تعدو كونها عقبة صغيرة في طريق تنفيذ مخططهم النهائي ، ولكنها لعبة من صناعتهم ، وهم يعملون على إزالتها والتحايل عليها بفنّ المكر الذي يتقنونه أيما إتقان .

  بدأ نشاط الحركة الصهيونية على يد مؤسسها ثيودور هرتسل عام 1897 م بالمطالبة بإنشاء وطن قومي لليهود اختـُلف على مكانه في البدء ( الأرجنتين ) أو ( كينيا ) ، ثم تم الاتفاق على أن يكون في فلسطين . ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي للأحداث اللاحقة ، ولكن ما أود التركيز عليه أن وعد بلفور الذي صدر بعد 20 سنة من تأسيس الحركة الصهيونية منح اليهود حق وطن قومي في فلسطين واشترط كما في جاء في نصه " على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين" . لم يتم تطبيق هذا الذي كان بلفور يريده أن ( يـُفهم جلياً ) ، بل إن العصابات الصهيونية المسلحة التي تشكلت بعـَيد ذلك قامت بتنفيذ المجازر المريعة في ( الطوائف غير اليهودية ) وتهجيرها قسراً خارج فلسطين تحت سمع وبصر الأمبراطورية البريطانية المتهالكة وأختها الأمريكية الصاعدة بل وبتشجيع ومؤازرة منهما معاً .

  وفي سنة 1948 أعلن بن غوريون قيام ( دولة إسرائيل ) وقال في إعلانه (وإننا نناشد الشعب اليهودي في جميع أنحاء المنفى الالتفاف حول يهود أرض إسرائيل ومؤازرتهم في مهام الهجرة والبناء والوقوف إلى جانبهم في الكفاح العظيم  لتحقيق الحلم القديم.. ألا وهو خلاص إسرائيل.  ) . والحلم القديم هذا إنما هو قيام الدولة التوراتية التي تبدأ حدودها الشرقية من نهر الفرات وتنتهي غرباً الى نهر النيل . ولا ننسى أن بن غوريون أعلن بعد ذلك أن قيام دولة إسرائيل في فلسطين ليس نهاية الحلم وإنما هو البداية !!! وهذا يؤكد على نيتهم المبيتة في تطبيق خطوات إنشاء الدولة التوراتية خطوة بعد أخرى للوصول في النهاية الى تحقيقها .

  ونلاحظ من خلال إدارة إسرائيل للصراع مع العرب منذ 1948 والى اليوم 2009 أن إسرائيل عملت دون كلل على تنفيذ هذا المخطط السري ، فقد قامت بأهم خطوة في طريقه على الإطلاق بعد سنوات قليلة من إعلانها ألا وهي امتلاك الأسلحة النووية التي سيرتكز عليها بقاء هذا الدولة كاستراتيجية أساسية ترهب بها مستقبلاً أية دولة تعمل على إزالة إسرائيل من المنطقة ، بل وتملي من خلالها شروطها التي تساعد على تنفيذ الخطوات السرية لإسرائيل الكبرى . وقد سارت هذه الخطوات في السنوات الماضية بين شد وجذب ، فأما الشد فهو اكتساب مزيد من الأراضي العربية التي تقربها من الحدود النهائية ، وأما الجذب فهو التراجع التكتيكي الذي تكسب من خلاله مواقع سياسية وعسكرية تخدم أيضاً تحقيق الهدف . فإذا أخذنا حرب 1967 كمثال ، نجد أن إسرائيل كسبت من الأراضي العربية أضعاف حجم ما كسبته منها في 1948 ( الضفة وغزة والجولان وسيناء ) ، وهذا في الواقع هو الهدف الأساسي لها لأنه خطوة مهمة تقربها من الدولة التوراتية ، وما يدل على أهمية الأرض بالنسبة لإسرائيل هو قيامها فوراً بعد الاحتلال بإنشاء المستوطنات وملئها بالسكان اليهود في كل من سيناء والجولان وغزة والضفة ، أي في جميع هذه الأراضي المحتلة ، مما يشير الى أنها اعتبرت هذه الأراضي جميعها جزءً من أرض إسرائيل . أما انسحابها من سيناء بعد حرب 1973 فقد كان انسحاباً تكتيكياً لن يمنعها من العودة مرة أخرى عندما تحين فرصة أفضل ، وقد فاضلت بين البقاء في سيناء وبين الانسحاب منها بعد قبض ثمن كبير من العرب وهو تحييد القوة العربية الأعظم ( مصر ) من الصراع فوجدت أن تحييد مصر سيمكنها من ابتلاع مزيد من الأراضي نحو الحدود الشرقية المستهدفة ( الفرات ) فوافقت على إعادة سيناء ولكن بشروط مجحفة وثمن كبير دفعه العرب من أمنهم القومي وعمقهم الاستراتيجي حيث سيناء منزوعة السلاح ومصر مقيدة بشروط كامب ديفيد للصلح وخارجة من لعبة المواجهة إضافة الى شروط سرية غير معلنة لعل من بركاتها على إسرائيل ذلك الموقف الذي وقفته مصر من معبر رفح خلال الاعتداء الإسرائيلي الأخير على غزة 2009 . ولكي يتضح لنا موقف انسحاب إسرائيل من سيناء بتلك الشروط القاسية والمكاسب الكبيرة التي حصلت عليها إسرائيل من انسحابها  نضرب مثلاً للصراع العربي الإسرائيلي بمباراة في الملاكمة بين ملاكم إسرائيلي وملاكم عربي يتم فيها قطع اليد اليمنى للملاكم العربي لتستمر المباراة بين ملاكم إسرائيلي قوي وملاكم عربي يلعب بيد واحدة فقط . ومع أن القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن يفرضان على إسرائيل أن تعيد جميع ما احتلته في 1967 بالقوة دون أن يدفع أي ثمن للمعتدي إلا أنها لم تطبق هذه القرارات حتى الآن بل قد حصلت على مكسب استراتيجي عظيم بانسحابها من سيناء وتحت شروط مجحفة جدا بالحق العربي .

   ولعل أكثر ما يعيق مخططات إسرائيل لتنفيذ خطواتها نحو تحقيق الدولة التوراتية هو المقاومة المسلحة والتي أثبتت خلال 60 سنة من الصراع أنها قادرة على وقف الزحف الإسرائيلي وإعاقة الخطوات السرية ، ولذلك نجد أن أخطر ما قامت به إسرائيل للقضاء على المقاومة المسلحة ليس القتل والاجتياح والاعتقالات فهذا الأسلوب يزيد المقاومة اشتعالا ، بل  إن الخطوة الأخطر هي الالتفاف الماكر الذي فعلته من خلال اتفاق اوسلو 1993 حيث جمعت جميع بيض الفصائل المقاومة في سلتها واستخدمت أعداء الأمس المقاومين للمشروع الصهيوني في حفظ أمنها من خلال التنسيق الأمني معهم وجعلهم يفرضون الأمن على المقاومة فرضاً يرقى الى قتل المقاوم بيد المفاوض دون أن يقبض المفاوض أي ثمن لما يفعل . فنحن نرى أنه قد مضى على اتفاق اوسلو 16 سنة لم يتحقق خلالها إلا مزيد من ضم الأراضي وبناء المستوطنات وتوسيع القائم منها  واغتيال رؤوس المقاومة والاجتياحات المتكررة والاعتقالات المستمرة (حتى زاد عدد المعتقلين على أحد عشر ألف معتقل !! ) وعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مختلف اللقاءات اللاحقة على اوسلو مثل واي ريفر وأنابوليس وشرم الشيخ . وإن تعجَبْ فعَجَبٌ ذلك الأمل الذي لا يزال يراود المفاوض الفلسطيني ويجعله متمسكاً بالمفاوضات رغم انكشاف زيفها وخداعها . ومنذ 16 عاماً ونحن نسمع صائب عريقات يحدث وسائل الإعلام بصوته المميز وسرعته المميزة في سرد الألفاظ واحدة وراء الأخرى بقوله ( الحدود واللاجئين والمياه وحق العودة والمستوطنات والقدس ) ،  ومنذ 16 عاماً ونحن نسمعه أيضاً يردد بنفس السرعة وبنفس الصوت ( الاغتيالات والاجتياح والاعتقالات وبناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وسرقة المياه وووووو ) . فكم 16 عاماً يحتاج كبير المفاوضين لكي يقتنع بعدم جدوى المفاوضات وبأن إسرائيل لم ترد من ورائها إلا كسب الوقت وتنفيذ مخططاتها دون أن تواجه مقاومة ؟؟؟

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز