مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
عُــروبـة.. قــوْمـيـّة عــربــيـّـة.. أمّــة عــربــيـّـة

 بعض الكُـتـّاب الكرام في صحف إلكترونية وورقية وعلى ثمّة فضائيات، يُـعبـّرون عن آرائهم حول انتماء المُواطن العربي، يُشكّكون بوجود أمّة { يـَـؤُمّ ُ} إليها، ويتهجّـمون على [ عروبة { يَـٍٍٍٍٍٍشـْـعـُرُ } بانتمائه إليْها ]، ويجرّحون بحقيقة قومية لا لـُبْس بوجود أقوام { تــُقـيـمُ } على أراضيها،.

 

يستخدمون عبارات استفزازيّـة، يكتبونها ويُكرّرون الكتابة عنا، ويعودون لاجترار ما كتبوه من ذي قبل، وكثيرا ما يشعر القارئ أنّ هؤلاء الكُـتـّاب الأفاضل يستغلون حُـريّة التـّعبير المُتاحة لهم نادرا، لكسب شهرة ليسوا بحاجة لها..

فجلـّهم من ذوي الأقلام الرّفيعة والأفكار النـّيّرة.

 

يحزّ على مُعظم القـُرّاء، ما يكتشفونه من كتابات فائضة، مُسيئة لدين ما، لطائفة ما، لمذهب ما، لعرق ما، بينما أغلبيّتـُهم تـُوافق كُتـّاباً يتعاطفون مع قضية مُحقـّة، كقضيتنا الأولى قضية فلسطين، فلا تـَشعر بألم حين ينقد أحدهم أو يُندّد أو حتـّى يتهجّم على "مواقف" ملك أو رئيس أو أمير أو رئيس سلطة أو فصيل، فهؤلاء شخصيّات عامّة مُعرّضة للنـّقد والهجوم لما قبلوه من تَحمّـُل مسؤوليّات على عاتقهم.

 

ليس الهدف هنا، نقد هؤلاء الكُـتـّاب أو الرّد على آرائهم التي تـُحْترَم، إنـّه لا يعدو عن وضع نقاط على بعض الحروف، لتوضيح ما تعنيه هذه "العبارات" التي يستعملونها، خاصّة فيما يَخصّ المشاعر القوميـّة. لقد سُـمعت وقـُرأت تحريفات بلا أيّ هدف سوى إهانة غير مقصودة لكل من يعتقد قانعاً، أنـّه ابْنُ هذا الوطن وفردٌ من قـَــوْم الأغلبية الأصليّة المُقيمة به، يعتزّ بانتمائه العربي، كما يفتخر أخوه غير العربي، بانتمائه لكُرديّته أو أمازيغيـّته أو شركسيّته أو أرمنيّته أو تركمانيّته أو آشوريّته أو سريانيته أو.. أو..، فالكلّ أخوة في { مُــواطـَــنــة } يَغـلب عليها الطابع العربي.

 

أهم العبارات والكلمات التـّي تمّ تحريفها والاستهتار بها هي : القـَوْمَجيّ والقـَوْمَجيـّة – العُروبَجيّ والعُروبَجيـّة – الدينجيّ والدينجيـّة. وكأنَّ الذي يكتب يستمتع باللعب بالكلمات، مُتجاهلاً أنّ هذه اللـّعبة تمسّ مَشاعر وانتماءات ومُعتقدات وهُـويّات كل من { يـُقـيـمُ } على أرض { أَمّـَـهــا } البعض، { اسْتـَوْطـَنـَها } البعض الآخر طواعية ًواختياراً، {آمـَــنَ} بمعتقداتها الجميع، دينيّـاً وطائفيّـاً ومَذهبيّـاً.

لنتطرّق، دون تـَعمّق، لهذه العبارات المُستـَهدفة.    

 

الأمّـَـة العَــربــيّــة

هي أرض أو وطن بـ { قـَوْم-أُُمّ } أصليّ، أمّـَــتْ بعض قبائلها أراضي { أقـْـوام أو أوطان-أُمّ } أخرى، أثـّروا وتأثـّروا بها، كالتي رحلت من جزيرة العرب إلى بلاد الشمال والغرب: / بنو هلال، الكنعانيون-الفينيقيون، الأنباط، الغـَساسنة والمَناذرة وغيرهم، ثم العرب المسلمون، قبل العثمانيون والأوربيون / .

 

كان الكنعانيون/الفينيقيون من أكثر المُهاجرين تأثيرا في مُجتمعهم-الأمّ الجديد، أقاموا فيه حضارة، يمكن زيارتها في جزيرة أرواد ومُدُن صيدا وصور وقرطاجة، وشكّلوا جميعا مُجتمعا-أُمـّا مُوَحّدا، ومن ذلك الوقت أخذت بذور الأمّة العربية تنبت في تربة أقوام مُتعدّدة، كما نسج الكنعانيون علاقات تجارية وثقافية مع الإغريق والرومان، أثـْروهم بالأرقام العربية، وأضافوا لأرقامنا أرقاما نقلوها من الهند.

 

القوْمية العربية

هي واقع انتمائيّ، نـُسيَ أو أُنـْسيَ بسبب الهجمات الاستعمارية العثمانية والأوربية، دَعَتْ له في القرنيْن التاسع عشر والعشرين نـُخـَبٌ فكريّة لبنانيّة، لكنه بات حقيقة ساكنة في قلوب العرب، بفضل ترويج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر له، ومع مرور الزّمن لم يَعُـدْ ضروريّاً تكرار ما أصبح مُسلـّما به، هذا الواقع يعني، أنّ بشرا مُختلفين أقاموا على أرض قوم أصليين برغبة الطـّرفيْن، وأقاموا وطنا أو أمّة بعوامل مشتركة كاللغة والتاريخ والتراث والمصير، مع عادات وأعراف ولهجات محليّة. فما مُبرّر التـّشكيك بالانتماء العربي بنعْته بـ صفات، لا نعرف مَـن، ولا القصد من وراءه ؟

 

الـعُــروبـــة

هي شعورٌ جَماعيّ بانتماء الأكثرية العربيّة في أقطار أمّـتها أو في المهجر، لـ قـَـوْم-أُمّ ولـ مُـجتـَمع-أمّ، شعور لا يقتصر على دين أو طائفة أو مذهب. إنّ إحساس واعتزاز العربيّ بـ عروبته، لا يتضارب ولا يتناقض مع حق غير العربيّ بنفس الإحساس والاعتزاز بانتمائه لـ قـَـوْمــه-الأم، مع قبول تعميم غير مُتـَعال للأغلبية، لشعورها العربي في أمّتها العربيّة.

 

يُخطأ كُلّ من يَعتقد أنّ دم قوم العرب نقيّ، باستثناء بعض العشائر التي ما زالت في حالتها البدائية بلا اختلاط ولا امتزاج مع الأقوام الأخرى، غير أنّ امتزاجه بدماء أخرى ليس أمرا مُعيباً، وليس محصوراً على مُجتمعاتنا العربيّة. كلّ مُلاحظ لسماتنا يَـعـي بسرعة ويُسْـر أنـّنا مُطعّمون من شعوب احتلتنا وأخرى أقامت معنا منذ عقود وعقود، وأنّ هذا التـّـلـْقيح كان السبب بتعايُش بين المُقيم الأصلي والمُقيم القادم، وما نتج عنه من ملامح وألوان متباينة في مجتمعاتنا.

 

يُعْثر داخل عائلة واحدة على ابن بعينيْن سَوداويّتيْن وابنة بعينيْن عَسليّتيْن وأخ بعينيْن زرقاويّتيْن... واحد بشعر بُنيّ وثانية بشعر أسود وثالث بشعر أشعر، إنـّها المُفاعلات التي تـَتمّ بـ الشجرة المُثمرة، لتـُعطي نفس الثمرة، ولكن بـً طعميْن ولونيْن مُختلفيْن كالتفاح، أو شجرة واحدة بـ ثمرتيْن مُختلفتيْن تماما، كالتفاح والأجاص مثلا، لكن جذور الشجرة الأصلية تبقى نقيّة.

إنـّه الثراء والغني الناتج عن الاختلاط والاختلاف.

 

هذه التـّغيّرات بطبيعتنا البَشريّة، لا يُغيّر من أحقيّة هـُويتنا وانتمائنا ومُعتقداتنا، العكس هو الصّحيح. أثـّرْنا، تاريخيا، في الإغريق والرومان والفرس والأكراد والأتراك والأسبان وتـَأثـّرنا بهم، ومازلنا نـُؤثـّر ونتأثـّر. فما الغرابة في أسرة كان الجدّ عربياَ أسمر البشرة، والجدّة شقراء كمعظم الأكراد الذين { أمُّـــوا } بلدنا، أن يكون لون عيون وبشرة الأحفاد مختلفة ؟ إنها حقيقة عائلة معروفة، وما أكثر ما يشابهها ! لكن الجميع مُقيمون في بلد، أغلبية قومه عربية، مؤمنة بعروبتها.

فلم العمل على تفكيك ارتباطها كتابيّاً أو لفظيـّاً ؟

 

مُعظم مُجتمعات أوربا مُختلطة خلاسيّة / Métis /، باستثناء سكان القطب الشمالي ربما، فرنسا تفتخر بفرنسية أبنائها الأصليين والمُجنـّسين ومُجتمعات أقاليم ما وراء البحار.. وشـُقـْرَة شعر المُقيمين فيها لا يتعدى سُمرتـَه، سوى بالتلوين الاصطناعي وألوان عدسات العيون، غير أنّ ما يربط الجميع هو الاعتقاد بـ قومية فرنسية واحدة ،تضم إليها قوميات وديانات أخرى، لا يفرق بينها سوى الارتباط بـ الـفـَرْنـَــســة / La Francité /.   

 

الشعب الألماني الأصيل كان مُجَزّئاً لمُجتمعات مُستقلة، بلهجات وعادات ومطامح مختلفة تماماً، جاء بسمارك حاكم ولاية بروسيا، ووحّد بقوة السلاح الأرض الألمانيّة، مُكَوّناً قوميّة ألمانية بدولة مُوحّدة، وحين تطرّف هتلر بفكرة العرق الآري الأعظم، شنّ حربا ضروسا لتوحيد كل أوربا تحت راية القومية الآريّة "الأكثر نقاء"، حاول إبادة كل من ليس أوربياً، لكنه هُزم وانقسمت ألمانيا لشقـّيْن.

 

وما أن كُسر الجدار، حتـّى عادت وحدة الشعب القومي الألماني، مع خليط من أقلية تركية إسلاميّة هامة في الجزء الغربي، ومن تواجد صربي كرواسي سلافي كاثوليكي وأرثوذكسي كبير في جزئها الشرقي. واليوم يفتخر الألمان باستعادة قوميّتهم موحّدة، مُنفتحة على مُواطنين ألمان من أصول أجنبيّة مُتعدّدة، وما من أحد يُشكّك بـ الأمّة الألمانية،

فلم يشكّك البعض بقوميتنا وأمّتنا وعروبتنا والدعوة لتوحّدنا ؟

 

أما حان الوقت للافتخار بأصولنا باختلاف أعْراقها، وللاعتراف نهائيا بأن أمتنا العربية حاضنة لأقوام، لها ما للقوم العربي وعليها ما عليه ؟

ستـُعلمنا المآسي التي نمرّ بها، نحن المُقيمون على أراض عربيّة، أصْليّين كنا أو آمـّـينً، مُسلمينً أو مَسيحيّينً، أنّ مصيرنا واحد، أمام أعدائنا وخاصة أمام العدو الجرثومي الذي يعمل جاهداً لخلق "امّـة" من العدم بـ "قومية روحية يهودية"، أما دين موسى فقد استوعبه يهودا، فبات الدين والانتماء يهودياً.

 

لا بُدّ لنا من الاستيقاظ فكريّاً وعلميّاً وتكنولوجيّاً واقتصاديّاً ومُجتمعيّاً،

لنعي ما يُحيط بنا، ولنتخطـّى التـــّهَجـّم على قيمنا الوطنيّة والقوميّة والمُعتقديّة.

إنّ الالتفاف لحماية مُواطـَنـَتـنا العربية بكل مُكوناتها العرقية والدينية والطائفية، هو الكفيل بتقدّمنا وتحضـّرنا وانتصارنا على عدونا الوحيد، الكيان الصهيوني،

فلنوحد كلمتنا.. ولنصالح أنفسنا.. فلا بُدّ من تـَقـَدّم قريب، وإلاّ... فالكارثة مستمرة…

وما أصعب ذكر كلمة " كارثة" ونحن في الذكرى الثلاثين، لتوقيع معاهدة كامب دافيد الكارثية.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز