مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
من تـربـيـة أُسـريـّة قـمـعـيّـة... لـ تـحـكـّـُـم سـلـطـويّ قـمـعـيّ

 يتساءل المُواطن العربي عن مُسببات الخلل القائم في تفكير مُجتمعاتنا العربية، من تردّد أمام أعداء أقوياء إقليميين أو دوليين.

يتساءل عن أسباب التـّخلـّف المُتفاقم والفقر والحاجة المتعاظميْن، وعما وراء الجهل الذي يتطور في مجتمعاتنا العربية.

وسرعان ما يعثر على المُبرّر، فهو جزء من كيانه المُجتمعيّ، وُلـد وترعرع وعاش في بيئة قاهـرة قمعيـّة، لاحظها وعايشها منذ نعومة أظافره.

 

يعلم أن أخطر ما يعبث بمجتمعاتنا هو أسلوب الحكم ونظام تسيير الدّول من حاكم قامع في كل دولة، ولكنه لا يفهم كيف يقمع هذا الحاكم أخاه وجاره وصديقه، أيـّا كان مُستواه وأيـّا كانت الوسيلة.

يؤكّد أن الحُـكـّام العرب هم المسؤولون عن مشاكل مُجتمعاتهم، لكنهم ليسوا سوى نتاج نفس هذه المُجتمعات. فلم، وماذا ينتظر المُواطنون، لتغيير مُؤسساتهم التـّربوية المُتنوعة ؟ البيت والمدرسة والإعلام والشارع والمكتب والمقهى، وحتـّى أماكن العبادة.

 

يتساءل إن كان هنالك إمكانية جدّية، لتحقيق تقدم في تغيير عقليـّات حُـكّـامنا، وبسرعة يستنتج أنّ الأمل ضعيف من هكذا تقدّم، فـ مسؤولونا ومسؤولو مسؤولينا ومُوظفونا من صغار لكبار، وصولا لـ [ حُـــكـّـامـنـا ]، ليسوا سوى جزءا من التـّربية القـمْعيّة التي يتعرض فيها الولد، بنتا كان أم صبيا، في مراحل تربيته.

 

وكما يعرف كل منـّا، يلد الطفل وينشأ ويترعرع، وتتمّ تربيتـُه في البيت وفي المدرسة وأمام شاشات التلفاز وفي الشـّارع، في جو قمْعيّ بمعايير جاهزة للتـّطبيق.. يشبّ ويكبر ويصبح رجلا، لا يختلف عمّـن ربّوه بقسوة، وبمقاييس روحيـّـة مُرعبـة : ترهيب من نار جهنم وترغيب بـ جنة تجري من تحتها الأنهار، مليئة بـ "حوريات" بمُنتهى الجمال وبـ "خـمـْر" ذي طعم ومتعة لا مثيل لهما. [ إنْ خالف الطـّفل ما قيل أو نـُقـل، يُقهر ويُستهزأ به ويُقمع من أبيه ومن مُحيطه في الدّنيا، ويُهدّد باصطلاء بنار جهنم في الآخرة ].

 

وهنا لابدّ من التـّنويه بأن الفتاة معرّضة لهذا القمع أكثر من الفتى، كونها حافظة شرف الأهل والمُجتمع، وعليها صيانتـُه بـ حجاب مفروض، بـ قبول أن تكون إحدى زوجات رجل شبه إله، بـ قبول أن تـُهـْجر بالمضجع أو أن تـُضرب إن خاف بعلـُها نشوزها، بـ رضا نصيبها النـّصفيّ من إرث وشهادة، بـ مهامّ منزليـّة وعائليـّة وفراشيـّة مثاليـّة..وإلاّ.. فـ...

 باختصار، [ المرأة تـُمْتع الرّجل القوّام في الدّنيا، كإنسانة أقلّ من الرّجل بدرجات، وتـُمْتعه في الآخرة كحورية من حوريات الجنة ].

فماذا يبقى لها كإنسانة مخلوقة كالرّجل ؟ الله أعلم.

 

في هذا المُحيط، وبسبب هكذا مُعاملة، يُنتج مُجتمُعنا رجالا.. ورجالا فقط، يصلون لـ سدّة المسؤوليّات الكبيرة : ملك، رئيس، أمير، سُلطان، وحتـّى "رئيس سُلطة" ورئيس حُكومة، يستمتعون كلهم بفرض سيطرتهم على من هم في وضع أضعف منهم.

 

حُـكّـامُنا يمتلئون بهجة حين يُسمّوْن : صاحب الجلالة وصاحب الفخامة وصاحب المعالي وصاحب السّمو.. حتـّى هؤلاء الـّذين ليس لهم دولة ولا سلطة ولا سيادة على شعبهم ولا على أرضهم، فيُسمّوْن : فخامة رئيس "السلطة" – معالي "رئيس الوزراء"، مُقالا كان أم لتصريف الأعمال – سعادة السّـفير – سعادة الوزير...الخ

 

فـ فخامة رئيس "السّلطة" وأصحاب "السّعادة والمعالي" المُلتفـّون حوله، على سبيل المثال، يتكلـّمون وكأنهم "لا ينطقون عن الهوى"، مُتجاهلين أنْ لا يحقّ لأحد منهم أيّ منصب سوى منصب [ مُناضل أو مُجاهد أو مُكافح ]، وفي أفضل الحالات [ مُنسّـق "سلطة" ]، لكنهم يُصدّقون من يُشيدون بهم، ناسين أن أرضهم مُحتلة، وأنـّهم لا يملكون حقّ الحركة بدون أذن أو تصريح من المُحتل الغادر.

 

ماذا يُنتظر من حُكام نشئوا وتربّوا، أسريّا ومُجتمعيّا ودينيّا، بأساليب قمع وتخويف وترهيب، أو بترغيب في الدنيا والآخرة، سوى تطبيق ما تلقــّنوه، فحاكم مصر يستغل حاجة أبناء غزة الفلسطينية لمعبر رفح، ليفرض كل شروطه، حتى الحواريّة منها بنصيحة مُهدّدة، بتأليف حكومة كفاءات لإرضاء الغرب، لا حكومة فصائل غير مرض عنها دوليا !

 

حُـكـامُـنا يقمعون كما قـُمعوا، فهم بشر يُطبّقون ما طـُبّق عليهم، ويحاولون الاقتناع بما قيل ونـُقل لهم، فلا يُشغلون عقولهم، ليتماشوا مع مُعطيات العصر، يلجئون لمُصالحات ولحوارات، سرعان ما تـتهدّم فوق رؤوسهم، فهي عمليات مُـمْـلاة عليهم من الغير القويّ القامع القاهر، عمليـّـات تتوافق مع تربيتهم الأُسريّة التي تربّوا وشبّوا وكبروا عليها، تربية القمع المنزليّة والمُجتمعيّة.

 

حُـكّـامـنـا يُطعموننا ما ذاقوه خلال طفولتهم ومُراهقتهم وشبابهم.. مُجتمعاتـُنا صابرة بلا قناعة، فلا بدّ للقيد القامع يوما أن ينـْكسر، بالعصيان والتـّمرّد.. بثورة عارمة على ما هو موروث ومنقول، وبتطبيق ما هو مُنصف ومُحقّ ومدروس ومُخطـّط له، من خبراء ونـُخب ورجال علم، دون تقليد أعمى للآخرين.

فـ المُستحيل ليس إنسانيّا، ويجب أن لا يبقى عربيّـا.

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز