Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
أحمد زويل وأحلام ماكبث

شكسبير الذي يقولون عنه إنه أمير الأدب الإنجليزي لم يكن في رأيي أكثر من راصد ذكي لطبائع الإنسان وسلوكه مثلما رصد الجاحظ الحيوان، صنف الجاحظ كتابه" الحيوان" فتوهم الناس أنه عالم، لكن الحقيقة أن الجاحظ لم يكن عالما وإنما أديب ولغوي حجة في اللغة والأدب فقط. ماكبث بطل المسرحية يمثل الطموح الإنساني الزائد الذي أفرط صاحبه في إشعاله حتى أورده المهالك. يبلغ شكسبير قمة التحليل النفسي الذي عرف به وبخاصة في هاملت فيؤكد هنا أن ماكبث لم يكن بطبعه لا شريرا ولا خيرا وإنما طموحه الزائد الذي أشعلته زوجته فيه جعله لا ينظر إلا للكرسي فقط، ولو تخطى في سبيل ذلك الرقاب وقطعها. كان ماكبث أشجع قادة الملك دونكان ملك اسكتلندا، وبينما هو عائد وصديقه بانكو من إحدى المعارك إذ فوجيء بساحرات ثلاث أخبرنه بنبوءات ثلاث: نادته الأولى باسمه واسم أبيه، والثانية بلقب كاودور، وهو لقب عسكري أعلى من لقبه الحالي، والثالثة صدمته بالمفاجأة الكبرى حيث نادته بصاحب الجلالة الملك المنتظر للبلاد. بعد اختفائهن فوجيء برسول من الملك يبلغه أنه قد أنعم عليه برتبة كاودور، وحينئذ وقف ماكبث مدهوشاً بينما يحذره صديقه بانكو: إياك! إنهن رسل الظلام، وربما دفعك الطموح وراء نبوءاتهن لارتكاب الشر. وانتهى الأمر بماكبث أن أصبح وحشا دمويا يقتل كل من يقف في طريقه حتى زوجته وأولاده وأصدقاءه.

 

بالطبع لا أسقط هذا على دكتور زويل وإلا كنت مجنوناً فالأمر أبسط من هذا بكثير لكني أحب هذا الرجل وأشعر أن باستطاعته أن يفعل الكثير لأمته وأهله. النقطة الأساسية التي ذكرتني بأحلام ماكبث، وكانت سببا في طريقة الكتابة في هذا المقال هو أني قرأت لأحمد المسلماني، الصحافي القريب من الدكتور زويل أن زويل قد فكر جديا وتقريباً تقدم للترشح لمنصب الرئيس في انتخابات الرئاسة في مصر في عام 2005. والذي زاد من قلقي هو مقال قرأته للدكتور نافعة مؤخرا بعنوان: من زويل والبرادعى إلى كل من يهمه الأمر! وبالطبع كان المقال أنشودة من الإطراء لزويل والبرادعي لكن ما يهمني هو ما قاله د. نافعة بالنص:" ولأن محمد البرادعى رجل قانون ودبلوماسية، وبالتالى سياسة، فقد كان من الطبيعى، رغم عدم معرفتى الشخصية به، أن يكون هو أول اسم يرد على ذهنى حين طالبنى القراء بترشيح شخصية تصلح لإدارة مصر خلال مرحلة انتقالية للتحول نحو الديمقراطية كنت قد اقترحتها فى سلسلة مقالات نشرتها منذ شهور تحت عنوان: «كيف لمصر أن تخرج من هذا النفق المظلم»." وليت شعري فيكفي البرادعي ما جنته يداه من تقارير مما تسبب في غزو العراق بادعاء أن بها أسلحة دمار شامل. أوليس أن تلك فضيحة لوكالته وبالتالي له هو شخصياً. ما الذي قدمه البرادعي للعراق ليستأهل جائزة نوبل سوى أن وافق الطاغية أمريكا والمتواطئة دائما بريطانيا على غزو العراق. ما علينا، يستمر د. نافعة في إطراء الدكتور زويل والبرادعي بصورة كبيرة، ويستشهد بحديثهما عن أسباب التأخر في مصر، وهي أسباب الكل يعلمها فنحن نجيد التوصيف لا الحلول. على كل حال ما يقلقني هو أن الناس ألبسوا الدكتور زويل ثوبا فضفاضا فتخيله البعض سياسيا داهية، ورآه آخرون متحدثا لبقا يفهم في الشعر والأدب والموسيقى! بينما أن الدكتور زويل في كلمته يوم تكريم مصر له لم يستطع أن ينطق سطرا واحدا صحيحا فكان ينطق كل كلماته بطريقة مخجلة بينما يتحدث الإنجليزية بطلاقة. لا ضير، فالرجل عالم كيمياء وليس مطلوبا منه أن يكتب الشعر أو يبكي على الأطلال لكن أن يجد الدكتور زويل وقتا لتكريم نادية الجندي لمسلسل يسير على فكرة مصرية ساذجة تقول بأن لدينا من علماء وخبراء الذرة الكثير والذين ما انفك الموساد يذبحهم تذبيحا ( وإن كنت أؤمن بضلوع الموساد في ذلك لكن ليس بالصورة التي تجعلنا نشعر أن مصر مفرخة لعلماء الذرة وحدها دون سائر أنحاء الدنيا).

 

والدكتور زويل في رأيي أهم مائة مرة من أينشتين وأعظم منه أثرا ونتاجا وعقلاً ببساطة لأن علم زويل ينبني عليه عمل ونفع تعدي إلى الطب والفيزياء وتقنية الكائنات الدقيقة (النانو تكنولوجي). فزويل عالم عظيم لا يمكن بحال التقليل من قدره لكن.....لكن يجب أن يستيقظ زويل من الوهم، وأن يعرف أن مكانه المعمل لا البرلمان، وأن غذاءه العلم لا الإعلام سيما وأن الرجل يجيد تلميع نفسه إعلاميا بصورة أشعر فيها أنه بزَّ نجوم السينما. فالرجل كثير الرحلات واللقاءات بالشخصيات الرسمية من الوزراء والأمراء، وكثير الظهور في برامج تليفزيونية أعلم أنها لا يمكن أن تعطل علمه ببساطة لأن الغرب قد أوجد له طاقما بحثيا كبيرا يعمل بإشارته ورؤيته وتوجيهه، لكن مرة أخرى مكان زويل هو المعمل لا البرلمان وغذاؤه العلم لا الإعلام. يتفوق الدكتور مشرفة وعالم الهندسة الوراثية والأديب الكبير د. أحمد مستجير في أن كليهما أقرب من زويل للثقافة الإسلامية والعربية والفكر والأدب واللغة العربية فلم يمنعهما العلم التجريبي من تذوق الآداب والفنون.

 

نصيحتي الغالية للدكتور زويل صدقني ستنقص السياسة منك ولن تزيد إلا بالعلم فأغلق عليك صومعتك ولا تسمع لأمثال زوجة ماكبث ممن يحرضونك دوما على التقاط الأضواء كالفراشة ويوهمونك بأن مصر تحتاجك رئيساً.

وقد سعدت أيما سعادة لما علمت أن د. زويل قد قدم ورقة بحثية بعنوان : حوار الحضارات، فند فيها الزعم القائل بصدام الحضارات وشرح حقيقة الإسلام، وتناول بعض المشكلات التي تعانيها الدول الإسلامية، ومسئولية العالم المتقدم نحو هذه الدول. والحقيقة أني أحب هذا الرجل لأنه طموح يسعى لمحاربة الجهل بقدرة فائقة، وصمود راسخ، وروح شاب وثابة، وهمة مقاتل لا تلين ولا تضعف.

 

لم تكن منى الشاذلي أحسن حالا في تعاملها مع اللغة العربية. فهذه المذيعة بالذات هي أكثر من يشوه اللغة العربية الجميلة لأنها تكابر وتحاول أن تنطق الفصحى فلا تستطيع، وبالتالي فإن نصيحتي لها أن تكتفي بالحديث بالعامية وألا تنطق بعض الكلمات بالإنجليزية ثم تقوم بترجمتها. يعني أضحكتني حينما قالت بالنص للدكتور زويل الذي لم يتخل عن مسبحته وهو يسير إلى جانبها في خليج نعمة في شرم الشيخ وما أدراك ما شرم الشيخ ودلال شرم الشيخ:" لازم تشالينج تحدي يعني يا دكتور عشان الواحد يكمل طريقه!"

 

وقد سعدت بتبسيط الرجل للعلم حينما قال على سبيل المثال:" الفمتو ثانية هي بالنسبة للثانية مثل الثانية بالنسبة لـ 32 مليون سنة: المسافة بيننا وبين القمر ممكن نطلع شعاع ضوء للقمر ويرجع تاني في ثانية واحدة فالفمتو ثانية مثل سمك الشعرة كحجم مقارنة بالمسافة من الأرض للقمر." وأنا أبتسم الآن ذاكرا اليافطات الكبيرة في بلدي المنصورة التي رحبت بالدكتور زويل حيث كتب عليها:"الفنتو ثانية" بالنون، ولا تعليق. وما قام باختراعه أيضا وهو الميكروسكوب الإلكتروني رباعي الأبعاد UltraFast Electron Microscope   - UEM

الذي يعطي صورة متحركة للأحداث البينية وتحرك الجزيء والذرة، وضرب مثالا بسيطا وقديما على ذلك، وهو مثال القطة التي يمسك بها الشخص من أرجلها وهي مقلوبة ثم يتركها لتنزل إلى الأرض واقفة على أرجلها. لم يعرف الباحثون كيف تقوم القطة بتعديل وضع جسمها لأن الصورة التي التقطوها لها كانت ثابتة لقطة ترمى في الهواء، وصورة أخرى لنفس القطة تسقط على الأرض. الآن يصور الميكروسكوب الإلكتروني المسافة والحدث البيني أي بين رميها وسقوطها وهو ما يفسر أنها لم تقم بتعديل وضعها  بطريقة شيطانية كما قال بعض الناس وإلا انهارت نظرية نيوتن في الجاذبية، لأنه قال لأجل أن يعدل الشيء الساقط من وضعه لا بد من إعطائه قوة في حين أن القطة كان سقوطها حرا ولم تتدخل في تعديل شكلها ووضعها في السقوط أية قوة أو تدخل من أحد. التصوير أثبت كما يقول د. زويل أن القطة ذكية جدا لأن عمودها الفقري مرن أكتر من مثيله لدى الآدمي، كما أنها تتمتع بإدراك يجعلها تفهم أنها لا بد أن تسقط واقفة على أرجلها. وبدون هذا الميكروسوكوب ما كان باستطاعة الباحثين فهم آلية السقوط عند القطة. وبالتالي فهناك ثلاثة أبعاد للقطة، طولها وعرضها وسمكها والتحرك الذي تقوم به وهو البعد الرابع أو الزمن ولهذا أسمى زويل الميكروسكوب 4d  يعني رباعي الأبعاد.

 

لله ما أحلى العلم وأجمله لو بسطه عالم بحجم ومكانة زويل. وهكذا، فإني أؤكد بمقالي هذا أنه لو خدع زويل نفسه واستجاب للتشجيع الزائف من بعض دراويشه واهتم بالسياسة فسيتحول زويل إلى ماكبث لكن بصورة مصغرة وسيخسر العلم كثيرا ولو ركز في علمه سيفيد البشرية وربما نالنا نحن المساكين من الحب جانباً.

الكلمة الأخيرة هي ما يلي:

يقول د. زويل إن جوردون مور الذي أسس شركة إنتيل وله ثروة رهيبة تقدر بحوالي 20 مليار دولار كان قد تخرج في جامعة كالتك ولذا فهو ممتن لها وقد قرر أن يعطي كالتك (رئيسها هو ديفيد بلتيمور) 600 مليون دولار بشرط أن يقدموا بحثا غير عادي. ذلك أن الأبحاث العادية تضمن الجامعة والجهات الرسمية تمويلها ولذا فهو يريد بحثا ذا طابع يحمل المغامرة العلمية الإبداعية في كالتك وبالطبع لن تقبل الحكومة أن تقوم بتمويلها بصورة كبيرة. يذكر د. زويل أن مور قال له: كم من المال تعتقد أنه سيتكلف مشروعك ؟ أجاب: 20 مليون دولار. قال له اكتب لي صفحتين فقط (سبحان الله فقط صفحتين!) بأفكارك والميزانية وبالفعل حصل د. زويل والجامعة على المبلغ لإجراء البحث حيث يقول د. زويل نفسه : لولا هذا المبلغ الذي تبرع به جوردون مور ما كان باستطاعتنا أن نحقق القفزة التي أنجزناها في ثلاث سنوات فقط.

وسؤالي الأخير: مرت أكثر من عشر سنوات على فوزك بنوبل، وسمعنا منك الكثير، ورأينا من حماسك ما هو أكثر، فلم لا تقدم أنت جهدا ذاتيا وتجعل هناك جوائز باسمك أنت تنفق عليها ولو من مالك هنا في مصر على غرار الغرب الذي أنشأ ثلاث جوائز باسمك؟ لا تنتظر قرارات من الحكومة، وأوقد شمعة، ولن يخذلك الناس أبداً، فالشعب المصري شعب عظيم وواحدة من مئات الآيات على كرمه مستشفى سرطان الأطفال. وتقبل تحياتي أيها العالم الجليل







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز