رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
أخي العزيز عبد الله

تحية طيبة وبعد

 فأنا أشكرك كثيرا على رسالتك الأخيرة التي أسعدني ما جاء فيها , بعد طول صبر وإنتظار , تعرف أنك إن لم تكن عزيزا على العبد الفقير فعلا, فهناك معزة عائلتك الغالية عندي , والتي تجعلني لا أعتب عليك كثيرا, فأمورك الأدارية حتما كفيلة بأن تشغلك عني كما حصل مؤخرا. آخر مرة زرت مزرعتك الأثيرة فيها , أفرحني كم تغيرت واجهتها وكم تغيرت معالمها, يبدو أنك لا تطيق صبرا على الروتين, أنا قارنت حال مزرعة أبي بحال مزرعتك فور دخولي إليها آنذاك,

 وبقدر ما أعجبتني تطويراتك العمرانيّة و"الفيكات" التي نثرتها في كل مكان , فقد خالط فرحتي تلك كآبة لحظية , وأنا أتذكر سياج مزرعتنا المهدم , وقبح الصبغ واللبخ, ونتانة رائحة المرافق الصحية المخصصة للحارس قرب البوابة الرئيسية, وأكوام التراب والأنقاض في كل زاوية .. بعض الأمور يصعب تغييرها, ربما لأننا بشر, أو لأننا متقاعسون عما يلزم من جد ومجهود , أو ربما لأن حياتنا قصيرة الأمد, من يعلم !! هل تذكر أخي جلعوط ذاك ؟ ذاك الذي كان لا يُحسن إستقبالك كل مرة ويرمقك شزرا وخزرا, ويسألك دوما من أين لك كل هذا المال الذي تعمر به ما حولك ؟ حسنا , لقد توفي قبل سنة ونصف السنة ,

أردتُ أن أبلغك بذلك لأريح قلبك من مشاعر النفرة منه , ونحن لم ننصب له خيمة عزاء, ولا دفنّاه أصلا, فجثته لم نعرف لها طريقا, وزوجته الأخرى تصرّ على أنه لم يمت وأنه سيلج الباب يوما ليفاجيء الكلّ بعودته سليما معافى , لا بل إنها قد أقسمت أن تطلق إسم " أكيد" على طفلهما الذي تتصور أنها تحمله في أحشائها .. أنا تذكرته اليوم مع رسالتك الكريمة فقط لأنني أردتُ أن أعلمك أنني لا زلتُ على سابق ودّي لك ومشاعري تجاه نحوك, ( هكذا, كما كان يتندر ممثلنا العراقي قبلا ويقولها هكذا) , أنا لا زلتُ , وكما كنت دوما , أفرح لفرحك وأحسب كل بناية أخرى تضيفها لمزرعتك صرحا آخر للحياة , ينبغي أن لا يحسدك عليه حاسد, فأنت ممن يحسنون إستخدام الرساميل , بعكس جلعوط وملعوط وبلوط, بقية إخواني المكَاميع كما يسمونهم ...أضاعوا حصصهم من ورث جدتنا المرحومة في كل شيء لا ينفع ... ومن بين فقرات رسالتك هذه, لم يسترع إنتباهي شيء كتلك الفقرة التي تعرض فيها عليّ أن أعاود زيارتك وأنّ " البيت بيتي" وأنني " نورت مصر ومدينة نصر,وصولا لأمّ قصر"!! ...

 فقد أعادتني هذه العبارة للوراء سنة كاملة , من يوم آخر خناقة حصلت بيننا , يوم طرَدْتَني أنا وزوجتي وأبنائي ومنعتنا من أن نجتاز بوابة مزرعتك ... ذكرتني بموظفي سفارة جمهورية مصر العربية وقتها , مجموعة باونسريّة ممتلئين بالشحم الأسمر , يشبهون القبضايات الملازمين لأبواب الملاهي , لم يكونوا يشبهون المصريين الطيبين الذين نعرفهم , تبين لي بعد أن قدّمتُ أوراقي لدخول بلد العروبة المزمن وقتها , تبيّن لي أن من يقصدونه بعبارة (نوّرت مصر), هو الخليجي الفاعل , أبو الفياكَرا ...شكَد عيب وشكَد خزي ....حرامات والله على مصر .. مع هذا ,

 أنا لا بدّ لي من ان أشكرك على مبادرتكَ لإصلاحك لذات البين بهذه الألتفاتة, وبالمناسبة ,( أتعلم أنّ إسم" لفته" لصديقنا العراقي ذاك, يعني " إلتفاته" ؟؟) .... لكن أنا لا أكتمك اليوم, أنّ هناك طرفة أثيمة حضرت ببالي فور قراءتي سطورك, عن ذاك الشاب الذي كان والدا خطيبته يمنعانه من لمس يدها أو الإفراط بزيارتها طيلة فترة خطوبتهما الطويلة , ويوم تزوجا, تعمّد ألا يتقرب منها طيلة 3 ليال متواصلة, حتى وصل خبر سلوكه الغير حضاري هذا لأهل العروسة, فجاء والدها ووالدتها , يتوسلون به..أن يفعل.. أحسبك أنت الآخر تريدنا اليوم أن...نفعل !!!

تحياتي لك ولمكة مول وكَارفور , تحياتي لليادودي خارج عمان ولجرش , تحياتي لل( لو رويال) ولجبل الهاشمي الشمالي, تحياتي للسعدون العمّاني , الكَاردنز الجميل, لمطاعمه وملامحه الجميلة , للسيفوَي في طرفه الأخير , تحياتي لمدينتكم الرياضية ومتعتها الصباحية, للشميساني ولصويفيتكم المترفة, تحياتي لكل بقعة أحسنتم عمارتها وتحديتم الجاذبية وصلادة الصيوان الجبلي وأنتم تقيمون الصروح الجميلة فيها, صروحا تلي الصروح, بهندسة معمارية تمنيتها لو زارت بلدي يوما وأقامت , من يُنكر أنكم جعلتم عمّان عروسا جدّ جميلة فهو ينكر جدول الضرب و يناقض نفسه... لكن أنا جرحني جدا أنك أيّها الأخ الكريم قرّبت اللص الأثيم والخائن الزنيم , وأوصدت بابك بوجهي أنا الوحيد المتورط بلا حق بالوضع الأليم... لقد غنتها قبل ثلاث وعشرين سنة من اليوم مغنية بريطانية دبدوبة, ما كان إسمها؟؟ أليسن موييه, الحمد لله على نعمة الإفلات من الألزهايمر والأوبنهايمر .. لا زال الرام والروم بخير .. لقد تماهلتَ كثيرا في مشوار عودتك هذه المرّة والعشب نما من تحت أقدامك خلالها في فترة غيابك , غيرت أنا بدوري نوازعي و ها هو شخص آخر يشغل مقعدك

 You took your time, to come back, this time The grass has grown under your feet In your absence, I changed my mind And someone else is sitting in your seat

.... جلعوط مات, كما قرأت قبل قليل, مصابا بالأسقربوط , وزوجته ترتدي قميصا أبيض بأذرع مقلوبة وكل من كمّيه وراء ظهرها بأخيه مربوط , في بناية بيضاء لا أحب ذكر إسمها.. وملعوط إعتبر طردتك تلك لي , مهينة بحق العشيرة كلها, فجعل إسطنبول الجميلة وجهته الجديدة, لا أحسبه مهتما بمزرعتك ثانية .. وبلوط الآخر, إجتهد لتحويل مزرعته الجبلية إلى مجموعة مصائف سياحية , يقال لي أنه سحب المجندين الأمريكان من زبائنك إلى مصايفه.. " أما أنا, ... وحدي أنا..." ... على كَولة المرحوم عبد الحليم , فقد أطلت لحيتي وهجرت ثقافة السفر والتسفار , فقد إقتنعتُ أخيرا أنه لا ينفع أمثالي , إنه ليس أكثر من علاج آنيّ لتسكين الألم, يُقال أنه يستقر في الكبد في نهاية المطاف وأنه يساهم بإضعاف إفراز الهورمونات الوطنية ... ما معناه أنه لا يعالج المشكلة بل يساهم في عملية دفن الرأس بالمزيد من الرمال..

 لقد ساهمتَ من حيث لا تقصد , كما أحسب , بفطمي , كثرة الحرمان من شيء تجعلك مع الوقت تحتقر شهوتك القديمة له , كم إشتهينا الموز والمنكَا والأناناس طيلة سنين عمرنا , ويوم هجمت الدنيا علينا , كم يا ترى تحسَبُ أنّنا أكلنا منها ؟؟ أذكر قبل سنتين أنني رأيتُ إمرأة في خمسينياتها في سوق شعبي بالموصل يسمونه "سوق النبي يونس " , وقفت قربي و أمسكت بيدها بثمرة منكَا خضراء ذات وجنات حمر, وقالت للبائع بلهفة طفلة صغيرة تسأل عن سعر "غزل البنات" في مهرجان ما لمدينة ألعاب : "إوَل أبوي هيّه هاي المنكَه ؟؟" هزّ البائع رأسه مومِئا بالإيجاب, فرفعتها قرب أنفها تتشمشمها , ونظرة فرح غامر غريب اللهجة تملأ وجهها , وهتفت به: وَلْ أبويي مَيخالف أشتمّا ؟؟ ... كم هي غريبة هذه الحياة, أناس تكتئبُ و تنتحر من فرط البَطر , من غروب معاني الشوق واللهفة كشمس أضربت عن الإشراق في سماء يومها, وأناس..... تنتحر عقليا من تعاقب نوبات الحرمان و الجوع !! شكرا لك وسلام لمدينتك الجميلة بكل مزارعها الخضراء , ألله الكبير العظيم هو من يصنع جمال مدننا وبلداننا يا أخي , وهو من يحرم غيرنا منه , نحن فقط نفعل ما بوسعنا فعله, فقط مع ما يمكن أن نتدخل فيه ....

الأرض كلها له هو , ونحن ضيوف طارئين عليها.. والحديقة الوحيدة التي يمكننا أن ننشئها ولا نخشى زوالها, هي الحديقة التي تلوّن دواخل قبورنا , لكن ..أنا أتخاطب مع من ؟؟ كل المدن جميلة, ما دام موظف الإستقبال عند حدودها لا يزجرني ولا ينهرني كل النساء جميلات ما دُمْنَ لا يُشِحْنَ بوجوههنّ بعيدا عني كل الوظائف رائعة ما دام أصدقاء إبني لا يعيّروه بها كل جيراني كأخواني , ما داموا لا يشفطون دمي ولا يهدمون أسواري والسلام عليكم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز