د. محمد توفيق المنصوري
al-mansourimt@hotmail.com
Blog Contributor since:
08 November 2007

كاتب كندي من اصل عربي من اليمن حاصل على درجة الدكتوراه في مجال الاقتصاد والعلوم الزراعية له ابحاث عديدة متخصصة في مجاله نشرت في مجلات عربية وعالمية باللغة العربية والانجليزية والبولندية

 More articles 


Arab Times Blogs
من شعراء الحجرية(1-2). الدكتور سلطان الصريمي

قالوا في د. سلطان الصريمي:  صادق الهبوب: قليلون من يجعلون للكلمة دوراً وأثراً في واقعنا المعاش تتلمس كلماتهم طرقها بروية، ترصد وتختزل لتخرج بلسان المجموع لا بلسان قائلها لِما نلمسه من صدى في أنفسنا، وما تحدثه من انزعاج وغضب عند من لا يحبون أن ينظروا إلى المرآة لأنها تعكس صورهم البشعة وتعري كل الأكاذيب. شاعر اليوم والأمس، لم يكتب القصيدة ليشار إليه بالبنان بل كان وما زال يحمل قضية، ويحلم بواقع متغير إلى الأفضل، فالتطور المتسارع في الحياة يفرض على المبدع الكثير من الأسئلة، لماذا ما زلنا ندور حول حلقة مفرغة... سلطان الصريمي عالج في شعره كثيراً من القضايا .. قضايا الاغتراب سواء كان الاغتراب داخلياً أو خارجياً وأثره على الحياة الاجتماعية: وما يحيله هذا الاغتراب من ضرر على الأراضي الزراعية، وكذا ما تحمله المرأة من آلام الحرمان العاطفي وتعب، تحمل مسئولية تربية الأبناء والقيام بالأعمال الزراعية الشاقة. - نبذ وندد بالعادات السيئة التي كانت سبباً من أسباب الهجرة وكان لها دورها وأثرها في التغيير الاجتماعي - سلطان شاعر قريب من أفراد مجتمعه يعيش معهم كل معاناتهم وترجم تلك المعاناة بلغته السلسة ذات المغزى المتعدد المقاصد، فوجدت تلك القصائد من يتلقفها، ويقوم بتلحينها والتغني بها ،وقد كان لها دور في تصحيح بعض المفاهيم وتغيير بعض العادات السيئة. شاعر تحمّل نتائج قصائده التي حاول من خلالها أن يجسد الواقع الأليم والمعاناة التي يمر بها أفراد المجتمع، والذي أريد أن أصل إليه إن هذا القامات الأدبية لم تكن تتشدق بما تقول أو تحاول ابتزاز ما لم تملكه "من ملكة القول" لذا نجد تلك القامات بإنسانيتها تواضعاً وعطفاً على الآخرين نابذة التعالي والغرور.

هدى أبلان: سلطان الصريمي- هذا الشاعر المتفرد بقربه من الناس ومن أحلامهم ومن تفاصيل حياتهم عبر لغته الشعرية والغنائية القريبة من هموم وتطلعات الإنسان اليمني في جغرافيته المتعددة الضاجة بالجمال مكاناً وإنساناً..

ابن المكان والنقابي العريق الذي رافق مسيرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين منذ التأسيس وحتى الآن متنقلاً بين مهام مختلفة كان في طليعتها الأمين العام ونائب الأمين العام في عدة مراحل..
اليوم يحتفي به الاتحاد وهو المؤسس المخضرم الذي يجمع بين شعر أبيض وقلب أكثر إشراقاً وشباباً وبهاء المساحة من قلب الوطن فهو الحاضر بيننا يملؤه حباً وقداسة ومهابة... يكفي أنه داعٍ نبيل لوحدة الاتحاد وتماسكه وأكثر اشتغالا على خياراته الحضارية المتقدمة المتمثلة في دعم تجربة المرأة وحضور الاتحاد كقلعة للثقافة والحرية والجمال. 


 سلطان عزعزي :الصريمي.. القصيدة التي أرهقت الخوف أن تكون شاعرأً يعني أن تحاكي العالم من شكله المتفجر في الحروب. تجربة الشاعر الدكتور/ سلطان الصريمي – ملمحاً متمايزاً في المشهد الشعري اليمني- شكلاً ومضموناً، وتظهرذلك في اشتغالاته الأولى مطلع السبعينات من القرن المنصرم، فعلي صعيد الشكل الكتابي اختط الصريمي لنفسه ممراً خاصاً تمثل في القبض على اللغة العادية واللهجة العامية واستثمار طاقتها الدلالية لتفتح روح الشعر في جسدها وتحولها إلى لغة راقصة حافلة بالعذوبة والاشعاع والتوهج والإيحاء، لينتزع ركودها ويجعلها تتحرك داخل بنية حديثة تمثلها قصيدة التفعيلة، كما تميز المضمون في شعر الصريمي – في ذلك الحفر الجريء والاقتحام الحاد للمناطق الساخنة والملتهبة من خلال الوقوف على القضايا والهموم الاجتماعية والوطنية والسياسية التي تضخ أوجاعها وجراحاتها في جسم المجتمع وتخلف النزيف يسترسل في أوردة شرائحه المهمشة والمسكوت عنها من البسطاء.
وتنفتح عوالم الصريمي الشعري على تنوع ابعاد مضامينها –حيث يتواشج العاطفي بالاجتماعي ويتعانق السياسي بالوطني، والغنائي بالملحمي.. ليتناغم ذلك في لوحة شعرية بانورامية حافلة بالجمال استطاع من خلالها الشاعر أن يقدم بصمته الخاصة ونكهته المميزة في الشعر اليمني حيث استقدم الصريمي عناصر بيئته المحلية ومفردات أحاديث الناس اليومية واعاد خلقها من جديد ليفسح لها جود خاص داخل قاموس الشعر اليمني والذائقة الجمالية.
- اختطفت قصائد الصريمي حضوراً لافتاً جذبت إليه الأنظار كنموذج للشاعر الرسالي الملتزم بهموم وقضايا المجتمع فالشاعر ليس ترفاً ذهنياً أو فيضاً وجدانياً آنياً أو واحة تنفس عابرة لدى الصريمي، والحرف في داخله بقدر ما هو تفجير وخلخة وتثوير لبنى الواقع الراكدة،يغدو صرخة مدوية وحث واستنهاض للوجدان والذاكرة واستنفار ملتهب لمواجهة الظلم والقمع والإكراه وتعرية لاختلال القيم والهدم الذي يطال المجتمع، ويهدد توازنه كما أنها عراك لا يكف وخصومة لا تنتهي من القبح والخوف والإرهاب، حيث تتماهى الكلمة والحرف في قصائد الصريمي مع قيم الشرف والنبل والسمو والمثال: - يذهب في قصيدة نقوش على جدار الحب القادم :
ما ناش ذليل وعمر الخوف ما حصَّل إلى قلبي طريق
أنا اللي حبيت... اتشردت.. اتعذبت
ومن دمي روت كل الكلاب
وراسي في يد الحب المعذب ألف مرة
وكل ما ميتوني كنت أخلق من جديد
أو في مقاطع أبجدية البحر والثورة إذ يقول:
والحرف من داخلي يخرج مغسل بدمه
مش حرف يالله طلبناك

ويقول في قصيدة:
يا هاجسي كم أنا شصبر
والزيف خلفي وقدامي
الصبر لا يشبع الجائع
ولا يبرد عطش ظامي
يمين لاسمع الدنيا
أنين جرحي وآلامي
وارسم على كل يوم تأتي
خيوط حبي وأحلامي

إن تجربة الصريمي الشعرية لا يمكن الإمساك بتنوع ملامحها وسماتها في عجالة كهذه.. فهي بحاجة إلى مساحات أكبر من هذا الفضاء الزمني –لهذه الندوة- وحيز أوسع من البياض وقدر أوسع من مخزون الذاكرة للتحليق في رحابها، وسأختصر الحديث هنا بالتركيز على أهم الملامح التي استوقفتني في هذه التجربة، وأوجزها كالتالي:
* بساطة اللغة المستخدمة والتراكيب الشعرية : والتي تأتي محملة على تدفق شعوري ساخن ملتهب قادرة الوصول إلى القارئ واستيطانيه وترك الأثر.. فهي قصيدة قابلة التلقي بامتياز.. وهي تجمع بين سهولة التلقي وشعرية وعذوبة النص، ولا تضحي بالمباشرة على حساب الفن، ولا تترك الثاني أسيراً في قبضة الأول فوضوح الجملة الشعرية يقابله موقف دلالي البعد الفلسفي والحكمة حيث يقول الجملة الشعرية.

*البعد الغنائي والملحمي:
وهنا يجد النص الشعري فضاء تحققه الغنائي في استيحاء ايقاعاته من أنماط المحيط الاجتماعي والحياة وهو ما يجعل القصائد المغناة انبثاقاً حياً لهذا الايقاع الذي نطالعه في أهازيج المرآة في قصيدة "مسعود هجر "ونلمحه في التنهيدات والأنات المسحوبة والشجون المبتاعة في أغاني "متى وراعية شمطر –يا هاجسي- تليم الحب في قلبي" الأولى والثانية بصوت الفنان عبد الباسط عبسي والثالثة بصوت الفنان أيوب طارش.. إضافة إلى أغان أخرى غناها المرشدي وأيوب وعبد الباسط عبسي وجابر علي أحمد ونجيب سعيد ثابت.
وفي البعد تنوع المضامين الشعرية حيث نجد البعد الاجتماعي والعاطفي والمضمون الوطني والسياسي يسيطر عليها بشكل كبيرويشكل الوطني بؤرته.

*الصدق الفني وحضور التجربة في الشعر:
الصريمي لا يكتب القصيدة بالقلم فحسب بل يكتبها بحياته إذ يندمج الموقف الشعري بالموقف العام للحياة، ومثلما قادته القصيدة "الأغنية" إلى قلوب الآلاف من البسطاء قادتهم أيضاً إلى المعتقل وهناك واجه صنوف شتى من المخاوف والعزلة والتقى مع أطياف من المعاناة وتقييد الحرية والألم النفسي، لكن ذلك لم يجعله يصطحب السجن في داخله عقب الخروج بل توسعت مساحة الحرية في أعماقه، وتحول السجن إلى تجربة ضاعفت إيمانه بحرية الشعر وانتصار القصيدة على القيد ليسجل حضوراً آخراً للقصيدة الشعرية التي تنتصر في سباقها إلى الحرية مع الخوف.

الصريمي ببساطة وجمال قصيدته هو انعكاس لشخصيته البسيطة وتواضع إنسانه على صعيد الحياة اليومية .. إن قصائد الصريمي هي سفر لا ينتهي إلى مواطن القوة والحب والجمال والحرية ومغادرة لمواطن القبح والزيف والقهر وجسر للحنين إلى لآتي.. والقصيدة إذ لم تفعل ذلك ستغدو بقعاً من الحبر الأسود على بياض الورقة.
 
الصريمي في هموم إيقاعية
الصورة انزياحات لغوية وفنية "قراءة أولى"
محمد الشيباني : تضيف تجربة الشاعر سلطان الصريمي الشيء الكثير لكتابة الشعر العامي في اليمن، والتجديدات التي اقترحتها تجاوزت حضور النص المكتوب خصيصاً ليغنى إلى تلك النصوص التي قدمها الشاعر كخلاصة وتجربة ورؤية وموقف -وإن وجدت طريقها إلى أجندة الملحنيين والفنانين- واعني هنا نص أبجدية البحر والثورة الذي أدته فرقة "الطريق" بعدن في ثمانينيات القرن الماضي.
وهذه التجربة باقتراحاتها الفنية تشكل إلى جانب تجربتي الراحل الكبير عبد الله سلام ناجي، والشاعر محمد عبد الباري الفتيح "الصوت الخاص" في كتابة الشعر العامي في اليمن.

ولمقاربة الجزء اليسير من تجربة الصريمي الشعرية سنحاول "قراءة" بناء الصورة الشجية في بعض من نصوص مجموعة هموم إيقاعية –صادرة بطبعتها الأولى بعدن عن طريق دار الهمداني عام 1985- وهي المجموعة التي تضمنت معظم النصوص المغناة للشاعر بأصوات فنانين يمنيين معرفين.

واختياري لموضوع بناء الصورة لاعتقادي الدائم بأن الصورة في نص الصريمي صورة تلقائية تتوالد من أحشاء النص ولا تقسر عليه ومثل هذا الاعتقاد سيتيح لى وبكل مرونة الكتابة بدون اثقال ومصدات كون الشاعر لم يكن هو الآخر مهموماً بالبحث عن سياقات لفظية "جزلة" مسبوقة بوعي قاصد.. وإنما اعتمدت على حيوية النص، وغوصه في روح الملفوظ لإنتاج مثل هذه الصورة والتي عادت ما تكون توليداً لحضور النص في لحظته .
في النص المعنون –عروق الورد- وهو النص الأول في المجموعة سنقرأ مثلاً :
وكم دمعك رقص داخل عيونك
وخالط طول رقصهن حنينك
أو
من يوم حبيتك وقلبي
يشرب الراحة قهد
ما نسى همسه عيونك
هاتان الصورتان بنيتا بانزياحات لفظية ومجازية اعتمدتا في ذات الوقت على تماسك البنية اللغوية للنص ولم تعتمد على اقسارات بنائية من خارجه.

فالصورة الأولى جزء من كتلة صوتية واحدة تتشكل على النحو الأتي:
حنين القلب يا سلمى تغنيه العيون
بصوت البن والكاذي وهزات الشجون
وكم دمعك رقص داخل عيونك
وخالط طول رقصهن حنينك
وتصوير الدمع في لحظة رقص ومخالطة في العيون جاء مكملاً لأشياء عديدة

أولاً :لحنين القلب الذي تفضحه العيون بالغناء
-العيون تغني بطريقتها-
ثانياً: للصوت الخاص الذي يقوله في آن واحد البن والكاذي ينتجان صوتهما الخاص ولم ينتجا رائحة هنا.
وثالثاً: لهزات الشجون
الرقص هنا نتاج لأغنية ما - المعادل الآخر-
الرقص تجل من تجليات الهز الباطني والرقص من هذا كله هو التعبير الحركي لإيقاع ينتجه الصوت.
أما الصورة الثانية في السياق هي مبتدأ لكتلةٍ صوتية جديدة تتركب على النحو التالي:
من يوم حبيتك وقلبي يشرب الراحة قهدَ
ما نسى همسة عيونك
حين دق الحب أبواب النفوس
ذاب شوقي في شجونك
كتلة مرتبطة بما قبلها وليس منفصلة عنها فالدق مثلاً محفز من محفزات الرقص أما العيون بهمسها فقد كانت قبل ذلك حاضنة للدمع في لحظة رقصها.
أما العودة إلى تركيب الصورة المعنية في السياق من يوم حبيتك وقلبي يشرب الراحة قهد ما نسي همسة عيونك
فيمكن القول أن الشائع هو ارتباط الحب بالقلب في التصوير الشعري العربي غير أن القلب حين يتحول إلى كائن بيلوجي من ضمن أفعاله أن يشرب ليروي عطشه غير أن ماهية المشروب هي التي ستجنح بالشائع والاعتيادي إلى مساحة أخرى للقول فالمشروب هو الراحة والراحة في السياق هي الطمأنينة والسكينة وليس في بعدها "تأنيث للراح" مثلاً والذي قد يتبدى للقارئ ليس على صلة بالملفوظ العامي خصوصاً أو نتيجة للعلاقة "الملتبسة" بين ملفوظ الشرب والراحة كمسمى من مسميات الخمر ماذا لو أن الراحة تشرب فقط من أجل القهد والذي هو بالعامية الأرق وطوله.. ويجيء القهد من أصل أن القلب لم ينس همس عيون المخاطبة التي احتضنت قبل ذلك رقص الدموع.

*في النص المعنون –باكر ذري-
هناك مقطع شعري واحد –كتلة واحد- معزولة عن بقية النص بفواصل ثلاثية –ثلاث نجمات- قبلية وبعدية
للحب عمري فرش
قطيفة من شبته
وفي طريقة نفش
زهور من سُهمته
هذا المقطع بحدوده وتعيناته النصية صورة شعرية منغلقة على ذاتها أو هكذا أراد لها الشاعر أن تحيا في ثنايا النص لأنها جاءت بعد لازمة واحدة تتكرر مرتين حضورها يبرز صوت وإيقاع أنتج للغناء أكثر من للقراءة
باكر ذري تأزري
أين اشترُح وماكري
وعودة إلى ذات المقطع سنرى أن اشتغالات الشاعر على بناء الصورة تتكرر في حضورها من الاشباع الرومانسي الباحث عن ابدالات الحياة فقط في مساحة الحب الوجداني –الغالب في الأمر أن التأثير الغنائي وايقاعاته العالية هو الذي وضع الشاعر في هذه المساحة.. بمعنى لا طرب عالٍ دون ذكر الحب ومع ذلك سنجد الصورة هنا تتخلق بتلقائية شديدة فالعمر كائن باستطاعته أن يفرش قطيفة ثمينة من أجل الحب وهذه القطيفة غُزلت ونسجت من وبر وشعر ونسيج الشباب في هذا العمر، ولهذا فالعمر هو بستانه الناظر الذي يزرع نهور كثيرة بمقدوره رشها في طريق الحب –الكائن القادر على ولادة العالم أو تدميره- صورة تكامل بين ثلاثة أشياء هي:
*الحب والذي لا يعبر سوى عن اتقاد الشباب، والحياة بانعكاسها على الطبيعة والتي من إحدى تجلياتها تنتج الزهر رمز الخصب والتجدد.
مثل هذا التكامل أو التلازم الصوري سنجده في النص التالي من المجموعة والمعنون "الإبحار في النفس" والذي يبدأ على نحو:
يا نفس أبحرتي في بحر المحبة كثير
وفي طريقك شربتي كأس حبي المُرير
فرشتي للحب من بز الأماني حرير
تبادل النفس موقعها بالقلب –حسب الثقافة الشعبية القلب والنفس تهدفان إلى معنى واحد خصوصاً إذا وردا في سياق طربي القلب شرب قبلاً الراحة أرق طويل
"من يوم حبيتك وقلبي يشرب الراحة قهد
أما النفس في طريقها شربت الراحة قهد وأيضاً فرشت للحب من بز الأماني تماماً مثلما فعل العمر حين فرش للحب قطيفة شبابه
النفس تساوي العمر خصوصاً إذا ما اعتبرنا النفس هي الروح والتي تعبر عن سيرورتها بعمر صاحبها في الحياة
*في النص المعنون عهد يقول المقطع الثاني منه
شوقت لكل شوق الظمأ لماءك
عين المحبة تنتظر لقاءك
والقلب فارش مهجته دجاهك
والعقل سابح غاب في سماءك
ستكرر الكثير من الألفاظ التي تنتج ثيمات متعددة استفاد منها الشاعر في إنتاج مقتربات لصورة واحدة متعددة.
السطر الأول يشير تلقائياً إلى علاقة التلازم الأزلية بين الظمأ والماء... والظمأ في حضوره غير البيلوجي لدى الإنسان يتحول إلى قوالب لمجازات متعددة يحث عليها الشرب الذي يروي عطش مجازي أيضاً وفي طريقك شربتي كأس حبي المرير –كما ورد آنفاً_ عن القلب والنفس.
أو من يوم حبيتك وقلبي يشرب الراحة قهد...ورد سابقاً.
والقلب فارش مهجته دجاهك... سبق وأن فرش العمر للحب قطيفة من شبابه، وللنفس سبق وأن فرشت للحب هي الأخرى من بز الأماني حرير.
 
د/ سلطان الصريمي.. مواهب متعددة عبد الباري طاهر : كثيرون هم أولئك الذي يعرفون سلطان الصريمي شاعراً وشاعراً كبيراً والقليلون هم الذين يعرفون أن هذا الشاعر الكبير متعدد القدرات والمواهب حد الإدهاش فهو إداري كفؤ ومحاسب حقيقي ومثقف وذا تجربة صحفية لم يتح لها فرصة الإستمرارية والإعلان كما أنه مناضل ثوري يساري وقائد حزبي عتيد.. وهو فوق ذلك باحث مهم، وأستاذ أكاديمي مرموق.
ما يميز هذا المبدع الكبير حسن الإنساني الرفيع، ومقدرته الفائقة على التقاط اللحظة، بحس وشفافية، وعمق التجربة الإنسانية لإستقرأ اللحظة العابرة فحسب وإنما يستقرئ منها وفيها اتجاه الآتي.
كتب لي مرافقته منذ المراحل الباكرة في تجربته الشعرية والكفاحية منذ منتصف الستينيات فقد عملنا معاً في فرع التجارة والخارجية بتعز ونشأت بيننا أواصر قربى معرفية وأدبية وسياسية يسارية.
في الحديدة تولى هو والعزيز عبد الله مقبل شمسان إصدار منشور شبه دوري لمشروع مجلة بأسم الطريق وكنا ثلاثتنا من يحررها من الغلاف إلى الغلاف، وربما كان لإصدار الزميل الدكتور /محمد عبد الجبار لمجلة الحكمة تأثيراً كبيراً على توجهنا نحوها، فقد كانت الكلمة والحكمة والثقافة الجديدة واليمن الجديد بداية تحول نوعي ومهم في التأسيس لمرحلة السبعينات فمن خلال هذه المجلات ظهرت مواهب في الشعر قصة والرواية والنقد والبحث كان لها شان أي شان في الحياة الفكرية والأدبية.
وربما يندهش الكثيرون عندما يقرؤون في هذه المجلات شعراً وشاعراً مكتملاً كسلطان الصريمي إذا لم يكونوا معايشين تجربته ذات العمق الإنساني.
أتذكر كاليوم عندما نشر أولى قصائده في الكلمة التي سرعان ما تتحول إلى أغان يهزج بها القراء قبل أن تغنى فلأغانيه الشعبية عمق إنسانياً وغنائياً زاخراً بالعذوبة والصدق والفنية الرفيعة.
قبل أن يتلقفها فنانون كبار أمثال: محمد مرشد ناجي، أيوب طارش، جابر علي أحمد، عبد الباسط العبسي، محمد صالح شوقي، وفرقة الطريق العراقية وغيرهم.. كانت كلمات الصريمي تولد مكتملة كأغنية، ذلكم أنه ينتزع مفرداتها وصورها وأخيلتها وتراكيبها من وجدان الناس وضمائرهم الحية والزاكية
يا ليت أحبابي قريب
شاقولهم
عشقي لهم
عشق المشوق للطلوع
مش للنزول
نشوان وأحزان الراعية
سلطان بسيط كزهو الفقراء شامخ كابتسامة الأطفال.. وصادق كوعد النبؤة الثورية
الأولى
ما ناش ذليل
وعمر الخوف ما حصَّل إلى قلبي طريق
نشوان وأحزان الشمس
يهندس أغانيه من مهد الفاعلين، وفرح القادمين من الفجر، وأشواق الفقراء وومضات قلوب
الناس
كيف أفرقك
وأنا الذي عشقك ذري
كحيف سبول
وعشت نفسي قطع بين الثلاث
وكل قطعة لها في القلب أكثر من طريق
وكم تهديت لك من جمر أحشائي وساوس تستضي
وأعطيت لك من سورة الآتي مباسم
هذا المنحاز للضمير للحق للفقراء للآتي الأجمل أنتمنى باكراً للانتماء القومي اليساري: و طلاب العدالة والفجر، إلتحق بالحرس الوطني، وتخرج من مدرسة الحياة وراح يبني فكره ومعارفه وثقافته كان يعمل نهاراً ويعول أسرته الفقيرة ويتعلم بشغف ودأب ومثابرة، وليس الإبداع الدأب والمثابرة كما يقول الجاحظ، والذين عرفوا سلطان يدركون كيف نما وزكى وأثمر وكان الحب والصدق والصبر سلاحه في مواجهة الحنشان وطاهش الحوبان
نشوان سامح من جنن وحشر
ومن ردع عرض الجدار وفسر
أو الذي من عومته تكسر
من نشوان وأحزان الشمس
ولعل من أهم سمات هذا الرائع حد العفاف والزهد ربط بين الحياة العملية الواقعية والالتزام الثوري، فهو مثال للثوري.. الذي يجسد التزامه بالعمل والنضال فهو كما يقول غرامشي مثقف عضوي التحق باكراً بصفوف حزب البعث العربي الاشتراكي شاقاً دربه إلى "الوحدة الشعبية" فالحزب الاشتراكي الذي كان من مؤسسه وقادته، ومنذ البناة الأولى لبناء صرح اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.. فقد كان من مؤسسين مؤتمره العام الأول، وظل في قيادته وصولاً إلى الأمين العام ورئيس تحرير مجلة الحكمة.
ابن الصريمي من قلائل صنعوا التحول في حزب الطليعة الشعبية الذي أصبح ثالث أهم فصيل في بناء الحزب الاشتراكي أحد أهم صناع الوحدة، وقد تعرض سلطات للاعتقال والمطاردات والاختفاء والتشرد ولكنه ظل في "رحلة العذاب والقمع شامخاً وواثقاً من يوم النصر:
زادت غربتي زادت
وزاد الشوق للغائب
وفي الغيبة تحملت
على ظهري صخور
وشوك الغزو
تبحث بين أجفاني على الطاعة
وظهري ماشكى
ولا جفني غفى
تحت الوجع
من ديوانه أبجدية البحر والثورة
عايشته وصادقته ورافقته قرابة الأربعين عاماً، بل تزيد قليلاً لم أراه برما أو يائساً أو منكسراً، فسلطان أنموذج رائع من الرجال المبدعين المناضلين، الأوفياء أفنى زهرة شبابه في الارتباط بالهم العام، وفي كل مراحل القمع والكبت والإرهاب كان صوته المدوي يزمجر دفاعاً عن القضية والكادحين:
الثانية
ما ناش ذليل
لكن ركنت
ومن يركن على غيره أكل عاسه خسيم
لو كنت أدري ما ركنت
نشوان وأحزان الشمس صـ43
لا يعرف اليأس ولا تجد الهزيمة إلى نفسه سبيلاً ، فهو يدرك "أن تشاؤم العقل لا يهزمه إلا تفاؤل الإرادة" كما يقول غراشي.
فهو المتفائل، ولكن تفاؤله ليس فرحاً زائفاً وإنما قراءة عميقة وواقعية تنبع من قراءة ضمائر الوقائع والحياة والناس أصحاب القضية.
وبعد ما ضاع من يدي السراج
قاتلت والدنيا غدر
ما هل حجر ولا شجر
إلا ودمي تحتها يهدر هدير
نشوان وأحزان الشمس صـ43
والصريمي خبير بأسرار الإبداع خبرته بالناس والحياة فهو ماهر في اختيار الكلمات وتحديد مواقعها في النظم فهو يبدع الأغنية ويبدع معها لحنها الضارب في أعماق الإنسان العامل والفلاح والراعي والمسافر.
حملتك حب
بين الدور
تحت النخل
داخل كل حبة قطن فوق المستحيل
وفي كل المخالف
وخبيتك بعيني –في فؤادي- داخل القلب
المعذب
نشوان وأحزان الشمس صـ61
في عضويته لمجلس النواب، أو في المكتب السياسي والأمانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني الذي كان واحداً من بناة صرحه أو قيادته لاتحاد الأدباء لأعوام متطاولة ظل سلطان أبن الفلاحين البسطاء الوفي لمنبته الاجتماعي وولائه للحرية الإنسان والقضية.
سلطان الصريمي من أهم مبدعي ومهندسي الوجدان الشعبي العام فهو يغوص بمهارة في أعماق الناس البسطاء ويستخرج كنوز من المشاعر والإرث العظيم ويصوغها بصورة لا أجمل ولا أزهى ولا أروع.
هذا المغني العظيم غنى ملاحم أبجدية البحر والثورة، وغنى أحزان الشمس، ورددت معه السهول والجبال والوهاد والبحار أهازيج الانتصار والانكسار الأفراح والأتراح، وقد لعبت بعض أناشيده الثائرة دوراً لا يقل أهمية وخطورة عن دور الكتائب وجيوش المقاتلين، "نشوان على سبيل المثال".
وقد احتفى الشاعر الكبير أيما احتفاء بمسار الحركة الوطنية والثورة سبتمبر وأكتوبر، وحمل حدبتها أو صخرتها أو صليبها سيان.
المهم أن ابن الصريمي قد غنى الانتصارات وبكى ورثى الهزائم والانكسارات وكان صادقاً وأمينا في الحالتين، كما كان وظل وفياً مع الأحرار ومع رفاقه الذين اغتالتهم يدر الغدر، ومن يقرأ دواوينه يجد الكثير العميق لرحيل هؤلاء الرفاق. ملمح السيرة في «أبجدية البحر والثورة» للشاعر سلطان الصريمي 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز