مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
حـُــكــّـامـُــنـــا ومـُجْـتـمـعـاتـُنـا

 

منذ عقود وسنين، منذ شهور وأسابيع، ولفترات قادمة، سيستمر نقد مواقف بعض حكام أمتنا العربية، من قبل مجتمعات، لا تنزل إلى الشارع سوى بمناسبات مأساوية كـ اجتياح غزة مؤخّرا، ثم تعود أو تـُعاد لانشغالاتها العاداتية. من قبل معنيّين، مُحلـّلين ومُتابعين، يُشاهدون ويُسمعون ويُقرأون بنفس هذه المُناسبات، وفجأة يصمتون، ويعودون لمشاغلهم، هم الآخرون. علما أنه في كل قطر عربي، هناك ما يدعو المجتمع ليتمرّد بلا توقـّف، والمُثقـّف ليسلـّط لسانه وقلمه، باستمرار، ضد سادة بلدانه المُتحكّمين، لكن لا فحوى من تمرد يُقمع ببطش، ولا من صرخات تشبه صياحا أمام "صُمّ " لا يسمعون إلاّ شعارات تـبجيل وتقديس. وسؤال يُطرح : أين يكمن العيب ؟ في حُكامنا أم في مُجتمعاتنا ؟ أم في الاثنين ؟

 

ملوك وأمراء دولنا العربية

 

يتعاملون مع البلاد والعباد كملـْكية شخصية، يتحكمون بالمواطن والأرض والثروة والمصير، يتصدّرون سدّة الملكيّة كخلفاء لـ مُلاّك قبلهم، من نفس التربة وذات البيئة القبليّة، بلا أيّ ثقافة سوى " كيفية تسيير من يملكون "، بمعنى أن هؤلاء المالكين يعتبرون " مجتمعهم " ملاذا ورثوه، يتصرفون بأموره كما يشاءون، دون استشارته مُسبقا، ولا منحه حرية اختيار مُمثـّلين ينطقون باسمه ويُعبّرون عن آرائه.

 

انجازاتهم، برغم الثروات الضخمة، محصورة على بناء جزر وقصور وفنادق وجسور وشوارع بديعة المنظر للسائح أو للمُتفرّج، وكذلك شراء أسلحة لا تـُستعمل، بمبالغ ضخمة، تكفي لإنشاء مصانع سيارات ومحركات ومعامل مواد غذائية ونسيجية، وكذلك استثمار مُنتج في دول الجوار الفقيرة. لكن هذا ليس من تراثهم ولا يدخل ضمن قناعاتهم، فهم فضلوا ويُفضلون إيداع أموالهم في مصارف الغرب، ويقضون عطلهم في قصور، اشتروها أو بنوها، قبالة شواطئ أوربا وأمريكا.

 

تـُعمّم هذه الحقيقة المؤلمة على كل ملكيات وإمارات بلادنا في الخليج، برغم الظاهرة البرلمانية القديمة في إمارة الكويت، التي تشبه أخْـتيْها في الأردن والمغرب، حيث يـُلاحظ شكليّا : تعدّدية حزبية وتمثيل انتخابي واقتراع شعبي، مصحوبة بشرط مفروض على من يترشـّح، وهو [ عدم التـّشكيك والتـّنديد بسياسة تسيير المالك، فـ بيد هذا الأخير تبقى بالنهاية كل السلطات ]، أما التنفيذ فيتمّ، وفق هواياته ورغباته ونزواته الشخصية، من قبل من عُـيّـنوا، ليراقبوا ويتجسّسوا على من انـتـُخبوا.

 

أما المجتمع فتعوّد على قبول الأمر الواقع، مُقتنعا بتفسير خاطئ من " فقهاء مُتورّطين مُرتبطين بمن يُنصّبهم ويدفع لهم "، للآية الكريمة : وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم { أولو الأمر = الوالدان والناصحون وخيرة الحُكام، بتفسير مُتفهّم غير مُنتفع }، تفسيرهم يتخطـّي أو يتجاهل قول الرسول الكريم : إنّ من أفضل الجهاد عند الله، كلمة حق أمام سُلطان جائر.

 

رؤساء دولنا العربية

 

يصلون للحكم بانقلاب أو بحركة أو بانتفاضة أو بثورة، وقريبا بـ توريث أو مُبايعة، كل ما يعلنونه من أهداف مبدئية مُغر : [ نشر الحرية وتعميم الديمقراطية وتحقيق العدالة والمُساواة بين المُواطنين، والعمل على وحدة عربية من أجل تحرير فلسطين ]. بات الشعب مُلقـّحا ضد هذه الكلمات البرّاقة التي لا تعدو عن كونها شعارات بلا مضمون، تـُفتتح بمدح القائد المنقذ الذي وصل بالقوة أو بالخبث، وتـُختتم ببقائه [ للأبد ] بنفس القوة.

 

إلقاء نظرة سريعة على حال رؤسائنا، أمر مُفيد :

* من استقلال بلادنا لنهاية الستينيات، كانت الإطاحة بالحاكم عن طريق انقلاب عسكري دوري، لا يسمح ببقاء الضابط لمدة طويلة (باستثناء جمال عبد الناصر)، بفضل نزاهته الشخصية وإنجازاته الداخلية والخارجية الخالدة وجهده الجاهد لقيام وحدة عربية مُتماسكة.

* مع تكرار عمليات الانقلاب، حصل العسكريون على خبرة تـُبيح لهم البقاء لمدد تفوق مدد بقاء بعض الملوك على عروشهم، باستثناء موريتانيا التي مازالت تـُعاني من مرض الإنقلابات. أمّا نوعية الرؤساء فأصبحت متعددة :

رئيس للأبد، رئيس بلا مُدّة مُحدّدة، رئيس سيُنتخب من جديد، شاء من شاء وأبى من أبى، رئيس مريض يُغيّر الدّستور ليستمر، رئيس يعلن عدم نيته بالترشح ليضمن نجاحه، الخ.

يُلاحظ منذ أكثر من شهر، أنّ رئيس سلطة بشرعية منتهية، مازال يتربع على أرض محتلة. أصابته العدوى، فمدّد لنفسه بدعم أزلامه، وموافقة حلفائه في إسرائيل وأمريكا وأوربا والدول العربية المُتخاذلة، ويتزكية من الأمم المتحدة والجامعة العربية وحتّى من تركيا، وما من أحد تحرك... البعض تكلم أو كتب، ولكن لا حول ولا قوة لأحد منهم.

 

يصل رئيس بلادنا للحكم دون أن يُفكّر لحظة بإمكانية التـّخلّي عنه، قبل موت أو انقلاب أو حركة تـُطيح به، ومواطنونا قبلوا بهذا المصير ويتعاملون معه على أنه قدرهم، فلا يحركون ساكنا من أجل تغييره، وإن قالوا كلمة حق أمام سلطان جائر، سُجنوا وحُرموا من كل حقوقهم، وهُدّدت أسرهم وعائلاتهم، فقد أُفـْهم مواطننا أن قدره، هو مسح جوخ الحاكم وأتباعه، ليحصل على حد أقل من أدنى ليعيش، لكن كيف ؟

 

ليعيش، مُستهلكا ما استطاع ابتياعه أو إنتاجه، مشغولا بعمل يدوي أو خدماتي أو مهني حرّ أو بوظيفة ما، تبعده عن الفاقة، باحثا عن عمل يمنعه عن الانحراف والحاجة، ناظرا بحسد لمحتكرين مقربين من الحكم، ينعمون بأموال لا طائل لها وحياة بذخ لا يحلمون بها، مُتسلـّيا بالذهاب للاقتراع، حيث يوجد، لينتخب مُرشحا بـ فوز مُعدّ له مُسبقا، مُتبادلا ضمن عائلته آراء تعلمها من حكامه بالتكرار، مليئة بكذب ونفاق ونميمة وغيبة، مُشاهدا فضائيات تشغله بمسلسلات متنوعة وأخبار مُنمقة، مُتوجّها للقاء ربه يوم الجمعة ولقاء الأصحاب لتبادل ما حدث خلال الأسبوع، مُردّدا، بوعي أو بدونه، آية هنا وحديثا هناك سمعه من مُفسر مُشترى من الحاكم. فهم مُواطننا أن لا حول ولا قوة له، سوى الانصياع والخنوع، وها هو فاعل. أيستحق هذا ؟

 

حكامنا، ملوكا كانوا، أمراء أم رؤساء، يُجيدون البذخ على أنفسهم وعلى أفراد عائلاتهم وأتباعهم، أمّا عون البلد الغني للبلد الفقير، فأمر نشتم من خلاله رائحة صدقة أو رفق "بالحيوان"، أكثر من واجب إنساني معتقدي قومي وطني، وهذا ما يجعل معظمهم تابعين، وبالتالي، مُنقسمين.

 

مثال : قام اتحاد الإمارات العربية وأفلح، فلماذا لم ولا يتم تعميمه على كل دول الجزيرة العربية، لتحصل اليمن على نصيب من الرخاء النسبي، داخل اتحاد دول شقيقة، انتماءا وجغرافيا ؟ متى ستـُستثمر ودائع دول الخليج في دول شقيقة كالصومال وجزر القمر وموريتانيا وغيرها ؟ أم أنّ مالكي ثرواتنا قانعون أن على الفقير أن يبقي فقيرا، وعلى المحروم أن يبقى محروما، وعلى المظلوم أن يبقى مظلوما، وعلى المُحتل أن يبقى مُحتلا ؟

 

أبإمكان حكامنا وفصائلنا وأحزابنا أن يتوحّدوا مع اختلاف رُؤاهم ؟

أبإمكانهم مُؤازرة بعضهم البعض اعتمادا على معتقداتهم وإنسانيتهم؟

أسيستمر دعمهم، كفعل مُخبـّـئ لأوقات المآسي، كما جرى في غــزة ؟

ومُجتمعاتنا، هل ستتحرك يوما، لترفض الخنوع والذل والمهانة ؟

أسئلة مُباحة فكريا وثقافيا... أجوبة منتظرة عمليا وفعليا.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز