الفنان محمد العكش
لماذا لقبه الصحفي الكبير محمد محفوظ ... بالملك ؟
فصل من كتاب : عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان
للدكتور : أسامة فوزي



 لقب الملك اطلقه الصحفي المصري الكبير محمد محفوظ على الفنان والرسام المصري محمد العكش .. وكان محفوظ لا ينادي العكش الا ب (الملك)

وصل الملك محمد العكش الى ابوظبي في اغسطس عام 1973 لزيارة اخته  ... وعلم العكش - مثل غيره - بوصول الصحفي المصري الكبير محمد محفوظ الى (ابوظبي) قادما من الكويت لاصدار جريدة  في الامارات اختار لها اسم ( الوحدة )  واكتشف العكش بعد ان زار محفوظ في مكتبه ان الاثنين من بلدة واحدة من الشرقية وان بينهما قواسم مشتركة كثيرة مثل هواية الرسم والكتابة والكاريكاتير والاخراج الصحفي

 كان محفوظ مصحوبا بزوجته (صفية الشامي ) وهي ايضاً من نفس البلدة وقد عملت كمديرة مالية وادارية لمؤسسة زوجها  وكانت من عوامل نجاح وشهرة المؤسسة وسرعان ما اصبح محمد العكش فرداً من افراد الاسرة الصحفية الصغيرة التي اسسها محمد محفوظ واطلق عليها اسم (الوحدة) ... وخصص محفوظ للعكش انذاك مرتباً شهرياً يعادل ثلاثة اضعاف مرتبات المهندسين العاملين في الدولة مما دفع العكش الى الموافقة على البقاء في ابو ظبي لمدة سنة على الاقل بناء على طلب محفوظ ... وحدث له ما حدث لنا .. فالعكش الذي وصل الى ابو ظبي شابا يانعا في اغسطس اب عام 1973 غادرها عجوزا في اغسطس عام 2007

كان الملك ينقذ الجريدة من ورطاتها الفنية والتحريرية ببراعة ... كان بدر عبد الحق - مثلا - يكتب زاويتين الاولى بعنوان ( حكاية ) وهي قصة قصيرة هادفة كان يرسمها العكش .. الى جانب زاوية صباح الخير خلافا لتحقيقات واخبار كانت تحتل الصفحة الاولى .. ولما كان بدر يمتنع عن الكتابة بسبب السفر كان يكتبها ويرسمها العكش ويوقعها باسمه

كانت الوحدة تحتل مبنى صغيراً في شارع الكترا خصصه محفوظ للمطبعة التي اشتراها مستعملة من لبنان وفوقها دكة خشبية من غرفتين تحولت الى مكاتب للمحررين وكانت اسرة التحرير الوليدة تتكون - بالاضافة الى محفوظ وزوجته -  من اسماعيل داوود بعد ان كان مراسلاً لمجلة كان محفوظ يصدرها في الكويت كما كان اسامة عجاج قد لحق بمحفوظ الى ابوظبي بعد ان عمل معه في الكويت ومصطفى حامد شقيق محمد محفوظ الذي سيصبح شخصية عالمية فيما بعد بعد ان اتهم بأنه منظر المجاهدين في افغانستان ...  ومن اوائل الذين انضموا الى الوحدة  الصحفي الفلسطيني شاكر الجوهري وكان ايضاً من السابقين في العمل في الكويت اما محمد العكش وبدر عبد الحق وزهير وادي فقد انضموا الى الوحدة في الاسبوع الاول من صدورها ولحق بهم بعد عام تاج الدين عبد الحق ووليد غزالة ومحمد الرمحي ( ابو طعجة ) ويوسف صلاح وحسن سلامة واحمد محسن وشوكت كتانة والصحفي البحريني محمد علي مسئول الرياضة والصحفية المصرية منى غباش ثم لاحقا الصحفية التونسية خيرة الشيباني وسبقهم طبعا الصحفي الفلسطيني محمد مصباح حمدان الذي عمل كمدقق ثم اصبح لاحقا مديرا للتحرير


كانت جريدة الوحدة تصدر في حجم التابلويد وكانت الجريدة الوحيدة الخاصة التي تصدر في ابوظبي سبقتها جريدة الاتحاد التي تصدر عن وزارة الاعلام ويديرها صحفي من اخبار اليوم هو مصطفى شردي و كانت صحيفة الوحدة في اصدارها الاول تتضمن زاوية لبدر عبد الحق يكتبها في شكل خاطرة او اقصوصة بعنوان ( حكاية ) وهي افضل ما كتب بدر ولا ادري ان كانت هذه الزاوية  بطرف اسرته واتمنى على زوجته السيدة سلامة  ان تعتني بجمعها وطبعها لانها من الزوايا الرائدة انذاك  و( القص )  فن ادبي برع فيه بدر عبدالحق حتى اثناء وجوده في الاردن ولا زلت اذكر اني اقترحت على بدر جمع ( الحكايات ) في كتاب عندما التقيته اخر مرة في الجزائر على هامش اجتماعات الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين عام 1986

كانت زاوية (القول الفصل) التي يكتبها (ابو مصعب) اكثر الزوايا اثارة لشكاوى السفارت... كانت زاوية (مرمزة ) تنشر على عمودين  يتناول فيها الكاتب قصة تاريخية يسقطها بشكل ذكي على الواقع وغالبا على مانشيت الجريدة  ولم تكن شخصية (ابو مصعب) معروفة للقراء وحتى لبعض المحررين وقد علمت لاحقاً ان كاتب الزاوية فلسطيني من حزب التحرير

اما اول كاتب مواطن يدخل جريدة الوحدة ويكتب فيها كان محمد ماجد السويدي ومع ان كتاباته كانت متواضعة الا ان محفوظ
كان ينشرها بالبنط العريض في الصفحة الاولى اولاً لان السويدي اول صحفي مواطن يدخل المهنة كاتباً (وليس ادارياً) وثانياً لان السويدي ينتمى لعائلة معروفة في ايوظبي ابرز افرادها وزير الخارجية انذاك احمد محمد السويدي.

محمد ماجد السويدي سيصبح لاحقاً (مشكلة) صحفية لال نهيان بعد ان اشترى جريدة الوثبة واصبح رئيساً لتحريرها وسلمها لبدر عبد الحق ... كانت الوثبة اول من كشف عن فضيحة (الناقلات) التي تورط في صفقتها الشيخ طحنون ابن عم الشيخ زايد وحاكم منطقة العين .... كان الصحفي الفلسطيني ( نظمي سلسع ) قد كتب الموضوع بعد ان حصل على وثائق تؤكده لكن حكم العشيرة هو الذي ساد وانتهى الامر بسجن صاحب الجريدة مع الصحفي الفلسطيني الذي انهى علاقته لاحقاً بصحافة الامارات وطار الى مدريد لاصدار مجلته الخاصة هناك ومواصلة عمله في التجارة (تجارة الجلود على ما اذكر) ... كان نظمي من اعمدة جريدة الوثبة وكان صاحب كريزما محببة الى القلب ... وجريئة

الاطرف من كل هذا ان محمد ماجد السويدي - بعد ان قفلوا له الوثبة - اصبح سفيراً للامارت في اسبانيا وتم اغلاق السفارة لاحقاً بعد ان نشرت الصحف الاسبانية صوراً لمظاهرة نسائية نظمتها امام سفارة الامارارت (مومسات) زعمن انهن عملن بالقطعة في السفارة ولم يقبضن اجورهن واستدعي محمد ماجد السويدي الى ابوظبي وفصلوه من الخارجية وشغلوه في شركة الكهرباء

قبل سفر نظمي سلسع الى مدريد اخبرني عن رغبته بالحصول على صور لسكة الخيل في مدينة العين لنشرها لاحقاً وكانت سكة الخيل عبارة عن (براكيات) للمومسات اقامها الشيخ طحنون في منطقة (الصناعية) في العين قرب جبل حفيت لارضاء العزاب (الباتان) و (البلوش) الذين كانوا يسكنون المنطقة... ولا اكشف سراً حين اقول اني عملت مع زميلي في السكن قاسم الزعبي - وكنا مدرسين في كلية زايد الاول في العين وسكنا معا في غرفة واحدة لمدة عامين - في اول عملية احصاء اجرتها الامارت للسكان عام 1977 وجاءت منطقة سكة الخيل من نصيبنا ... وقاسم الزعبي هو الان الدكتور قاسم الزعبي مدير دائرة الاحصاء في الاردن

حكاية سكة الخيل كانت اول موضوع انشره في مجلة سوراقيا اللندية عام 1985 ونشر المقال انذاك كموضوع غلاف.

كانت جريدة الوحدة - كما ذكرت - تصدر بحجم التابلويد وكان زهير وادي الذي عمل ايضاً في وزارة الصحة ( يخط )  المانشيتات للجريدة الى ان تعذر ذهابه في احدى اللياليً لوجوده في المستشفى قرب زوجته التي كانت في حالة وضع مما ادى الى تورط الفنان محمد العكش بالموقف لانه لا يوجد خطاط بديل  وصاحب الجريدة محمد محفوظ لم يكن (صاحياً) ورد على العكش عندما اتصل به شاكياً من عدم وجود خطاط (تصرف يا ملك) وتصرف (الملك) ..... واخذت لاحقاً كل الصحف العربية وليس الاماراتية فقط بفكرته ....  الى يومنا هذا

كانت الصحف العربية كلها تعتمد في كتابة مانشيتات الصفحة الاولى على خطاطين بما في ذلك الصحف المصرية الشهيرة مثل الاهرام .... وكانت مجلة الحوادث اللبنانية التي يدير القسم الفني فيها الرسام اللبناني (شنبور) تنفرد باعتماد حروف لاصقة  رسمها (شنبور) لاستخدامها فقط في تصميم الاعلانات وليس في كتابة المانشيتات

كان الرسام (شنبور) قد زار ابوظبي والتقى بمحمد العكش واهداه مجموعة صفحات من هذه الحروف اللاصقة فقام العكش - تخلصاً من ورطته - بتصوير احجام مختلفة من هذه الحروف وتكبيرها .... وكتابة المانشيت بالصاق الحروف المكبرة بطريقة مبتكرة ... وصدرت الوحدة لاول مرة بمانشيت مصفوف غريب الشكل ولكنه مثير وجديد وكان اول اتصال هاتفي يتلقاه العكش في صباح اليوم التالي من صاحب الجريدة (محمد محفوظ) الذي سأله مندهشاً (عملتها ازاي يا ملك؟)

في الاسبوع نفسه زار وفد من شركة ليوناتيب المتخصصة ببيع الطابعات ابو ظبي وتوقف وفدها في جريدة الوحدة وادهشتهم طريقة المانشيت المبتكرة وطلبواالالتقاء بالفنان محمد العكش الذي شرح لهم الفكرة ولم تمر اشهر الا وصدرت طابعات ليوناتب بحروف الكمبيوتر العربي وحتى اللحظة لم اقرأ في اي مكان اشارة الى فضل محمد العكش في اعتماد هذا الاسلوب وريادته له

لقد ترك العكش بصماته الفنية والانسانية في الوسط الصحفي في الامارات وبين ابناء الجالية المصرية في ابوظبي التي اقام فيها اكثر من اربعين سنة وكان - كما ذكرت من قبل  - عمدة المصريين في الامارة وفي مكتبه كان يلتقي الوزراء والشيوخ والفنانون تماماً كما كان مكتبه قبلة يحج اليها طالبو العون والمساعدة... كان الرجل فلسطيني الهوى حتى انه تصدى لتيار كامب ديفيد الذي حمله الى الفجر الصحفي الساداتي احمد نافع ومع ذلك تاّمر على العكش فلسطينيان هما عمر عدس وراجح الطل الذي كان يعمل في سفارة فلسطين في ابوظبي وكان هدفهما الاطاحة بالعكش وايصال صحفي محسوب على ربحي عوض الى منصب ادارة التحرير .. وربحي كان مديرا لمكتب المنظمة في ابو ظبي


لا زلت اذكر ان العكش هو الذي بادر الى الوقوف بجانبي بعد طردي من عملي بسبب مقالاتي التي كتبتها عن المناهج والكتب المدرسية التي الفتها جماعة الاخوان المسلمين التي كانت - اّنذاك - تسيطر على وزارة التربية من خلال الوزير الاخونجي سعيد سليمان ووكيل وزارته الاخونجي راشد طه ومدير مكتبه الاخونجي عبداللطيف صالح (فلسطيني).حتى جريدة الخليج  التي نشرت فيها مقالاتي التي اثارت ضجة كبرى وشهرة للجريدة تنكرت لي لاجد نفسي عاطلاً عن العمل في الشارقة التي كنت اقيم فيها هرباً من مخابرات الاخوان المسلمين وشرطة ضاحي خلفان (الاخونجي) الذي كان يدير مع نائبة ( النقيب عبد العزيز )  جمعية الاصلاح وهي واجهة الاخوان في الامارات

يومها اقترح محمد العكش على صاحب جريدة الفجر عبيد المزروعي  تكليفي بتولي ادارة مكتب الجريدة في عجمان ( بعد ان كنت كاتبا غير متفرغ في الجريدة )  ودفعت الفجر بوساطة العكش الايجار السنوي للشقة التي كنت اقيم فيها وخصصت لي مرتباً شهرياً اعانني على العيش والصمود في الشارقة لمدة سنة ... قبل ان احمل حقائبي عام 1985 واهاجر ا
لى امريكا. وهذا ليس غريبا على العكش فللرجل افضال كثيرة على صحفيين وفنانيين مصريين من الكبار جداً ولا زلت اذكر اتصاله الهاتفي بي لمساعدة شاب كان يعمل في احد مسلسلات تلفزيون دبي اسمه احمد راتب حيث اعطيته ثلاث حلقات من برنامج كنت اعده  - في رمضان - لتلفزيون دبي ودخلت يومها في (خناقة) مع المخرج عبداللطيف القرقاوي الذي كان يفضل اعطاء الادوار لعمر الحريري وصلاح قابيل وغيرهما من كبار الفنانين الموجودين في دبي .. احمد راتب اصبح الان نجما كبيرا .. ولا ادري ان كان - لا يزال - يذكر فضل العكش ... وفضلي

العكش هو الذي طلب مني استقبال الابنودي خلال زيارته لدبي واجراء حوار معه وكان العكش اول من يتصل به عبدالمطلب (المطرب المشهور) ومعالي زايد ومحمد رضا وتوفيق الدقن وصلاح السعدني وغيرهم كلما حطوا الرحال في الامارات وكلهم مروا من مكتبه او شربوا القهوة في بيته او على شرفه في مقهى ( ابو طافش ) على كورنيش ابو ظبي وهو اقدم مقاهي الامارة ...

 محمد العكش هو اول من ادخل وكالات الانباء الى الصحف يوم تسلم جريدة الفجر وكانت وكالات الانباء قبل ذلك تبعث باخبارها عبر جهاز ستكرز الى اذاعة ابوظبي التي تقوم بتوزيع نسخ منها على الصحف. وبصمات العكش تجدها في الوحدة والفجر ومجلة الايام والوثبة ومجلة الشرطة وعشرات الصحف والمجلات التي كانت تصدر بشكل دوري او في المناسبات كما ان العكش ساهم في اصدار الملحق الثقافي لجريدة السياسة الكويتية الذي تولى اصداره محمود السعدني بعد ان ترك العمل في ابوظبي ... وكانت لي في هذا الملحق زاوية اسبوعية بعنوان (ادب وقلة ادب) كان السعدني ينشرها موقعة باسم" الناقد العجوز" جنبا الى جنب مع زاوية (ادب) التي كان يكتبها آنذاك الدكتور علي الراعي.

بصمات محمد العكش لم تقتصر على الجانب الفني فقد اثر العكش من خلال عمله في جريدة الفجر وعلاقته الخاصة بصاحب الجريدة عبيد المزروعي في الحياة الثقافية ليس في الامارات وحدها بل وفي العالم العربي فقد كان العكش هو عرّاب الملحق الثقافي لجريدة الفجر ولولاه لما صدر الملحق وكانت لوحاته التعبيرية التي تنشر مع القصائد تدفع كبار الشعراء الى نشر قصائدهم في ملحق الفجر من اجل ان يرسم لها العكش اللوحات التعبيرية.

وكشف العكش في اواخر الثمانينات من عمله في جريدة الفجر جانبا آخر من مواهبه حين نشر زوايا يومية بعنوان (حتى نلتقي) تضمنت قدرا كبيرا من السخرية المكتوبة بلغة السهل الممتنع التي ذكرتنا باسلوب محمود السعدني في الستينات والسبعينات و العجيب انك لن تجد اي ذكر لمحمد العكش في كتب وزارة الاعلام الاماراتية التي تؤرخ للصحافة ... كما ان عبدالله النويس لم يشر اليه لا في محاضرته ولا في كتابه مع ان الجميع يذكرون كيف كان النويس لا يستطعم القهوة الا في مكتب العكش يوم كان النويس مجرد نفر في دائرة الاعلام والسياحة واذاعة ابو ظبي.

لعل محمود السعدني يكون الوحيد الذي انصف محمد العكش فقد اشار اليه في كتاب (الولد الشقي في المنفى) في موقعين احدهما جاء فيه (الفنان محمد العكش الذي لا بد ان يذكر يوما ما في تاريخ صحافة الامارات) ويبدو ان توقعات محمود السعدني لم تكن صائبة فكتب التاريخ التي وضعتها دولة الامارات عن تاريخ الصحافة فيها لم تشر الى العكش ... ولا الى محمود السعدني نفسه واكتشفنا ان الصحافة في الامارات وفقا لهذه الكتب ومحاضرات عبدالله النويس لم تبدأ الا مع عبدالله النويس وزوجته عبلة ... وانقرضت الصحافة بخروج عبدالله النويس مطرودا من منصبه وطلاقه من عبلة ... حيث يصدر الاثنان مجلتين منفصلتين تافهتين خاويتين من اية قيمة اللهم الا قيمة الاعلانات التي يجمعها النويسان من الشيوخ الذين تطرز صورهم في المجلتين بالالوان الكاملة وببوزات مثيرة للدهشة والضحك ... والسخرية ايضا!!

لقراءة بقية فصول الكتاب ... انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/osama/doc95.html