الملاحق الثقافية في الصحف الاماراتية
ملحق الفجر الثقافي .. حكايته الكاملة


فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "



لم تلتفت الصحافة في الامارات الى الجانب الثقافي بالمفهوم العلمي وان كانت تكثر من نشر موضوعات فنية كانت تصل اليها من وكالات صحفية او يكتبها صحفيون يعملون فيها ولديهم اهتمامات ادبية كما كان يفعل بدر عبد الحق الذي كان ينشر قصصه القصيرة في جريدة الوحدة عام 1975 ... الاهتمام المركز والمتخصص بالهم الثقافي والادبي بدأته جريدة الفجر التي اصدرت اول ملحق ثقافي اسبوعي متخصص في مطلع عام 1979 وقد اشرف على اصداره محمد العكش  الذي شاركته في العمل مع محمود السعدني في ملحق جريدة السياسة الكويتية الاسبوعي .. كان ملحق السعدني مميزا ويتيح مجالا لنشر الابداعات الادبية .. كان الدكتور علي الراعي ينشر زاوية بعنوان ادب .. وفي ذيل الصفحة كانت زاويتي بعنوان قلة ادب والسعدني هو الذي اختار لها هذا العنوان ونشر الزاوية اولا بتوقيع الناقد العجوز ( كنت يومها في الرابعة والعشرين من العمر ) ثم اصبح ينشرها موقعة باسمي الصريح .. ولعب محمد العكش دورات بارزا في تصميم وتنفيذ صفحات الملحق التي اثارت الانتباه

بعد توقف ملحق السياسة عن الصدور وانتقال السعدني الى لندن لاصدار محلة 23 يوليو تولى محمد العكش ادارة القسم الفني في جريدة الفجر وتوسعت مهامه فأصبح لاحقا هو الكل بالكل في الجريدة فنيا وتحريريا واداريا حتى لو تم تعيين بعض الاشخاص كمدراء تحرير لزوم الوجاهة كما حدث بالنسبة لحبيب الصايغ الذي كان مؤهله الوحيد لشغل الوظيفة انه مواطن اماراتي وشقيق مدير مكتب الشيخ سرور

عرضنا فكرة  اصدار ملحق ثقافي مشابه لملحق السياسة الكويتية المتوقف على صاحب الجريدة عبيد المزروعي فوافق وقام العكش بتسليم شئون ادارة الملحق ومتابعته  ( تنفيذيا ) مع المطبعة لصحفية تونسية كانت تعمل في الفجر بعد ان انتقلت اليها من جريدة الوحدة ... وتوليت انا مهمة كتابة معظم الصفحات الاولى للملحق وقمت بتقديم الملحق لروابط الكتاب العربية وللادباء العرب وقمت ايضا وعلى نفقتي الخاصة بارسال طرود بريدية اسبوعية تتضمن مئات النسخ من الملحق للاردن وسوريا والعراق وبيروت وغيرها وكان امل دنقل يوزع النسخ على الكتاب المصريين في مقهى ريش وذاعت شهرة الملحق بين الكتاب الفلسطييين في بيروت بعد ان نشرنا انتاجهم واجريت مع العشرات منهم لقاءات مطولة نشرناها كموضوعات غلاف .. كما اصبح الملحق يوزع كالمناشير في رابطة الكتاب الاردنيين بعد ان اثرنا فيه الكثير من الاسرار التي تتعلق بالرابطة والشلل فيها وفي حلب اصبح الملحق يعرف بين الكتاب هناك بملحق اسامة فوزي الثقافي لاني كنت حلقة الوصل بينهم وبين الملحق

قبل ايام قرأ مقالا للصحفية التونسية عن الملحق لم تذكر فيه اسمي ولا حتى اسم الاديب السوري الكبير حسيب كيالي الذي كان يكتب زاوية مطولة في الصفحة الاولى ولم تعرج على ذكر الاديب الاردني فايز محمود الذي عمل في الفجر وفي الملحق ايضا .. واكتفت بالاشارة الى ( فضل ) كتاب اماراتيين مبتدئين مثل ظبية خميس ونجوم الغانم وحبيب الصايغ وراشد ثاني مع ان اسهامات هؤلاء في الملحق لم تزد عن نشر مواد لا يزيد مجموعها عن اصابع يد واحدة وكانت في مجملها اسهامات متواضعة لا ترقى الى مستوى ما ننشره لكبار الكتاب والادباء العرب

وشكلت الرسوم التعبيرية ( التجريدية ) التي كان يرسمها الفنان محمد العكش عراب الملحق  وينشرها مصاحبة للقصائد والقصص علامة مميزة للملحق حتى ان كتابا كثيرين كانوا يبعثون الينا بانتاجهم من العواصم العربية ويطلبون نشرها مع رسومات تعبيرة للعكش ولم اكن اساهم فقط في الملحق بل وكانت لي زاوية يومية في الفجر بعنوان ( ع الهامش ) قال الصحفي والمفكر المصري احمد الجمال يومها وكان يترأس قسما في جريدة الخليج التي تصدر في الشارقة  ( انا بأجيب الفجر علشان اقرأ زاوية ع الهامش بس ) .. ومع هذا لم يرد اسمي في اللقاء الذي اجرته جريدة البيان قبل ايام مع عبيد المزروعي صاحب الفجر .. الذي اشاد باحمد امين المدني - كاتب من دبي - مع ان المدني عمل في الفجر لمدة اسبوعين .. ونشر مقالا ونصف فقط

كان الملحق يصدر في اربع صفحات من القطع الكبير واحيانا في ثماني صفحات ومرات كثيرة صدر في 12 صفحة ... كان يحمل اسم الملحق الثقافي وكانت الصفحة الاولى تخصص لنشر الحوارات ... بينما تنشر في الصفحة الاخيرة قصيدة يعتنى كثيرا باخراجها وتزين في الغالب برسوم وتعبيرات من وحي القصيدة يرسمها محمد العكش.

كانت تجربة الملحق الثقافي لجريدة الفجر تجربة رائدة بكل المعايير وظل الملحق متميزا حتى بعد ان دخلت جريدة الاتحاد هذا الميدان باصدار ملحق ادبي لم يتمكن من تجاوز الحدود (الرسمية) التي اطرت العمل في الجريدة نفسها ... وتطور ملحق الاتحاد لاحقا على يد المشرف الثقافي علي ابو الريش الذي اصبح لاحقا رئيسا لتحرير جريدة الاتحاد.

بصدور جريدة البيان والخليج تبلورت ظاهرة الملاحق ومنها الملاحق الثقافية وارادت جريدة الخليج ان تكون مميزة في ملحقها فتعاقدت مع الشاعر السوري محمد الماغوط وزوجته سنية صالح واسست الجريدة قسما ادبيا عمل فيه الدكتور يوسف عايدابي (سوداني) ... وبالقدر الذي سعى فيه يوسف عايدابي الى تطوير الملحق ... كانت جهود محمد الماغوط تعمل على تسطيح الفكرة وتحويل الملحق الى وسيلة لممارسة القوادة الفكرية حيث بدانا نقرأ عن كتاب مواطنين مبتدئين مقالات وحوارات اجرى بعضها على سبيل التسلق محمد الماغوط نفسه.
لم يكن الصراع بين الملاحق الثقافية التي بدأت تصدر عن الصحف اليومية بكثافة يقوم على اسس منهجية او يعبر عن احتياجات المجتمع في الامارات ولم تكن الملاحق تعكس حقيقة الحياة الثقافية في الدولة الوليدة التي مارس ابناؤها الكتابة الادبية والثقافية على استحياء شديد ولما تأسس اول اتحاد للادباء في الامارات وقعت خلافات كثيرة بين رموز السلطة ورموز المعارضة وحاول حبيب الصايغ تخريب الاتحاد بايعاز من عبدالله النويس وكان يفتعل المعارك مع القائمين عليه بمناسبة ودون مناسبة مشككا بقدراتهم بل وبعملهم الابداعي.


كانت الملاحق الثقافية في الصحف اليومية تسير جنبا الى جنب مع الصفحات الادبية التي كانت تهتم بنشر القصائد والقصص والخواطر ومراجعات الكتب ... وظل ملحق الفجر هو الاكثر تميزا بين الملاحق الثقافية رغم انه لم يكن يتمتع بالدعم المالي او الدعائي الذي تتمتع به الملاحق المنافسة.
لقد حاولت المجلات الاسبوعية التي صدرت في الامارات واكثرها صدر عن الصحف اليومية ان تعطي للجانب الثقافي بعض الاهتمام ليس عن ادراك لاهمية الثقافة وانما لان الموضوعات الثقافية من ادب وفن وسينما ومسرح وحوارات مع الفنانين كانت تسد النقص في المادة التحريرية ويجري الاستعانة بها لسد ثغرة هنا وثغرة هناك وكانت هذه المواضيع صالحة للنشر في كل زمان وتخصصت في اعداد هذه الموضوعات مكاتب صحافية تعمل من بيروت ويديرها صحفيون مصريون وذلك بناء على تعاقدات شهرية مع الصحف اليومية.


هذه المكاتب لعبت دورا بارزا في تغطية اكثر من تسعين بالمائة من بعض المجلات الصادرة في الامارات والتي كانت تحمل اسم شخص واحد فقط هو صاحبها مثل مجلة (الايام).


مجلة الايام هذه اصدرها مواطن من رأس الخيمة اسمه (يوسف العمران) كان يضع في جيبة دشداشته سبعة اقلام ليوحي بانه كاتب خطير مع ان حاله لم يكن باحسن من حال راشد عويضة صاحب جريدة الوحدة.


ومع ذلك لا يمكن الكتابة عن الصحافة في الامارات دون التطرق الى مجلة (الايام) وصاحبها يوسف العمران لان هذه المجلة هي صاحبة اقدم ترخيص بين مثيلاتها ولان يوسف العمران هو اول من ارتزق من سفارات الدول الاجنبية وكان سببا في صدور مرسوم اميري بتخصيص دعم سنوي للصحف الاماراتية الخاصة حتى لا تلجأ هذه الصحف الى التكسب من السفارات.


بدأت الحكاية بصدور عدد من (الايام) في بيروت ... كانت المجلة تحمل اسم دولة الامارات ومع ذلك كان العدد من اوله الى اخره عن العراق ونظام حزب البعث الامر الذي ادى الى غضب الشيخ زايد ووزير خارجيته آنذاك احمد خليفة السويدي ... وعقد الشيخ زايد اجتماعا في قصره لمناقشة هذه المسألة ولوضع ضوابط تمنع الصحف الاماراتية من الارتزاق على هذا النحو من دول اجنبية وجرى -يومها- الاخذ باقتراح قدمه محمد العكش لاحمد خليفة السويدي وهو ضرورة ان تخصص الحكومة دعما سنويا للصحف والمجلات الصادرة في الامارات حتى لا تضطر هذه المطبوعات الى طلب العون من الدول الاجنبية وتم اعتماد هذا الاقتراح فعلا ومن يومها والصحف اليومية تقبض دعما سنويا من وزارة الاعلام ظل قائما الى حين وصول عبدالله بن زايد الى منصب وزير الاعلام حيث وضعت ضوابط جديدة على هذا الدعم تمر عبر مصالح شخصية غالبا ما يكون ابراهيم العابد طرفا فيها.


يوسف العمران صاحب (الايام) لم يكن يحتاج الى اكثر من غرفة وكرسي وطاولة لاصدار مجلته لذا باع المبنى المعطى له على طريق المطار واكتفى باصدار عدد شهري من المجلة التي صدرت بترخيص يومي وكان محمد العكش هو الذي يحرر العدد ويكتبه ويخرجه من الغلاف الى الغلاف.


واذا كانت جميع التجارب الصحفية في الامارات مغامرات تجارية خاسرة حتى بالدعم الحكومي الا ان يوسف العمران هو الوحيد الذي كان يربح من مجلته التي لم يكن يبيع منها نسخة واحدة ... وكانت مرتجعاتها بنسبة مائة بالمائة ويمكن القول ان المجلات (الخاصة) التي صدرت بعد ذلك في الامارات ومنها (الديوان) التي اصدرها عبدالله النويس قد اختارت السير على نهج مجلة يوسف العمران مع فارق واحد وهو انها اصبحت تطبع على ورق فاخر مصقول ... واصبحت تكثر من نشر صور البنات ... وصور شيوخ الامارات بهدف التكسب

 منهم.

ادناه  بعض الصفحات الاولى للملحق ... انقر عليها لتكبيرها


للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا