فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "
انا .. ونصر المجالي

 

ين المكالمة الهاتفية التي اجريتها من لندن مع الزميل " نصر المجالي " قبل شهرين .... وأول مكالمة هاتفية اجريتها معه يوم كان في جريدة الرأي الاردنية عام1973 ثلاثون سنة بالتمام والكمال قضيتها في مهنة المتاعب التي كدت اخرج منها قبل ان ادخلها لولا تلك المكالمة التي اجريتها مع نصر المجالي في حزيران من عام 1973 لذا كنت ولا ازال احمل نصر المجالي مسئولية تورطي في هذه المهنة  .... ولا ادري ان كان نصر المجالي يذكر هذه المكالمة ولكني بالتأكيد لا يمكن ان انساها .... واذا كانت مقالة محمود السعدني عني في جريدة السياسة الكويتية عام 1976 هي التي ثبتت اقدامي في هذه المهنة فان مكالمتي مع نصر المجالي عام 1973 هي التي اقنعتني بمواصلة الولوج في هذا العالم المحفوف بالمخاطر والذي اتعرض فيه الى الرصاص ... والى تهديدات صريحة بالقتل والخطف بسبب ما اكتبه .... أو بسبب ما ينشر في الجريدة حتى لو لم أكن كاتبه .( الصورة : نصر المجالي في عام 1983).

بدأت اتعاطى الكتابة للصحف الاردنية اعتبارا من عام 1971 من خلال اهتماماتي انذاك بالنقد الادبي الذي درسته في الجامعة وتفوقت فيه حتى ان الدكتور محمود السمرة - استاذي في النقد ورئيس الجامعة الاردنية السابق ووزير الثقافة السابق - شهد لي في اكثر من مناسبة بالتفوق في هذا الميدان .... ويعود الفضل في نشر مقالاتي الاولى في جريدة "عمان المساء الاردنية" الاسبوعية يعود للاديب الاردني " الياس خليل جريس " الذي كان يتولى الاشراف على الصفحة الثقافية .... قبل ان انشر مقالاتي في الصحف والمجلات الاردنية اليومية والاسبوعية والفصلية ... والتي توجت بمشاركتي في اصدار مجلة باسم " الرابطة الثقافية " حررها الدكتور فواز طوقان كملحق شهري يصدر عن جريدة عمان المساء وكنت مع عبدالله الشحام ووليم هلسة والدكتور فواز طوقان نشكل هيئة تحرير للمجلة التي صدر منها ستة اعداد فقط لتتوقف بسبب سحب الترخيص من جريدة عمان المساء .

كنت اكتب في مجال النقد الادبي ورغم اني دخلت مع عدد من الادباء في مواجهات وخلافات بسبب مقالاتي عن كتبهم الا ان هذه الخلافات لم تصل الى المحاكم ومخافر الشرطة وبالتالي لم اشعر بخطورة الذي اكتبه على امني الشخصي بخاصة اني لم اكتب في الموضوعات السياسية التي كانت تراقب انذاك من قبل دوئر خاصة في جهاز المخابرات الاردني وان كنت قد صنفت من قبلها كمثقف " غلباوي " يتردد على ندوات ومحاضرات وتجمعات ثقافية " مشبوهة " وقد اكتشفت هذا التصنيف عندما تخرجت من الجامعة وتقدمت للعمل كمدرس في وزارة التربية التي حولت طلبي الى جهاز المخابرات لاخذ الاذن منه .... ففي الجهاز سألوني : ماذا تعرف عن فلان .... ولماذا شربت القهوة في يوم كذا في ساعة كذا مع علان ؟... ولماذا قلت بتاريخ كذا لفلان " هاي " .... وما هي علاقتك بعلان الذي شربت معه شيشة في مقهى كذا في يوم كذا .... الى اخر هذه الاسئلة الهامة التي يراد منها حماية " أمن الدولة " .

ارتياحي بالكتابة في المجال الادبي الذي لا تحف به المخاطر الامنية اهتز قليلا عندما داهمت الشرطة الغرفة التي كان يسكن فيها الشاعر "محمد ابراهيم لافي" وجرجرته الى المخفر لان الشاعر "عبدالله منصور" رفع عليه دعوى قضائية بسبب مقال كتبه لافي عن ديوان شعري جديد لعبدالله منصور .... يومها جاءني محمد ابراهيم لافي - بعد الافراج عنه - وهو في حالة ارتباك ورعب حقيقيين ونقل تجربته في المخفر الي فاصطحبته فورا الى مكتب صديقنا وشيخنا وعميدنا الشاعر "سميح الشريف" الذي عركته الحياة وعرف المحاكم والمخافر قبلنا فجرنا خلفه الى مكتب الاستاذ "طاهر حكمت" .... وكان طاهر حكمت من اشهر المحامين في الاردن وسيكون بعد ذلك من اشهر الوزراء ورجال السياسة ... وهو رجل على قدر كبير من الثقافة والوعي .... شديد الاناقة مفعم الاحساس .... وكنا - اثناء الدراسة في الجامعة - نترصد جلساته في منتزه الزرقاء حتى نقعد معه ونتحاور .

تولى "طاهر حكمت" الدفاع عن الشاعر لافي مجانا .... وفهمنا منه بعد ذلك ان الكتابة في الصحف حتى في المجال الادبي له محاذيره القانونية ... وعلمت بعد ذلك ان جرجرة الشاعر الى المخفر رغم ان القضية المرفوعة ضده مدنية هو جزء من النظام القضائي العجيب في الاردن حيث يتم تبليغ المدعى عليه بهذا الاسلوب الارهابي المتخلف .

ومرت الايام .... وكدت انسى ما حدث لمحمد ابراهيم لافي ... الى ان جاءني الاستاذ "فايز خوري" مدير المدرسة التي كنت اعمل فيها ليبلغني ان قريبا له يعمل كمدير لمركز الشباب في المدينة بصدد رفع دعوى قضائية ضدي وعرفت منه ان مقالي في جريدة الرأي الاردنية ضد المركز المذكور قد ازعج مدير المركز الذي استشار محاميا وقرر مقاضاتي ومقاضاة الجريدة التي نشرت المقال .... ورغبه من فايز خوري - وهو رجل على خلق - ان يحل المشكلة وديا اقترح علي ان اصحبه في زيارة قريبه بخاصة وان المقال كان عن نشاطات المركز وليس عن المدير وتمت الزيارة فاذا بمدير المركز يشترط ان انشر اعتذارا في الجريدة له وللمركز والا .....

بحبشت عن رقم هاتف جريدة الرأي التي كنت اعرف انذاك رئيس تحريرها " سليمان عرار " فحولتني " البدالة " الى الصحافي المسئول عن الصفحة التي نشرت مقالي .... وكان " نصر المجالي " الاشقيق الاصغر لاستاذي ابراهيم المجالي - مدرس اللغة العربية في ثانوية الثورة العربية الكبرى في الزرقاء - .... عرفته بنفسي فعرفني وتذكر المقال .... ولما رويت له ما حصل مع مدير المركز وما يطلبه مني ومن الجريدة انفجر ضاحكا وقال لي:" يا قرابة ولا يهمك ... وقول لهذا الحمار اننا لن ننشر له اية اعتذارات وان المركز ليس مركز ابوه ... واذا اتصل بك مرة ثانية حوله علي " .


نقلت موقف " نصر المجالي " الى الاستاذ فايز الخوري .... ولم اسمع بعدها من مدير المركز .... وعرفت بعدها ان الكتابة في الصحف - وحدها - لا تكفي ان لم يكن الكاتب قادرا على الوقوف وراء ما ينشره ويدافع عنه حتى لو هدد بالمخافر والمحاكم .... ويشاء القدر ان ادخل المحاكم هنا في امريكا بعد شهر واحد فقط من اصداري لجريدة عرب تايمز ... واصبحت نزيلا شبه دائم فيها .... اما مدعيا او مدعى عليه .... ولم اخسر قضية واحدة حتى اني اصبحت خبيرا في القضاء الامريكي بل وربحت دعوى قضائية امام محكمة الاستئناف في ولاية فرجينيا رغم اني لم اوكل محاميا عني .... وجهزت نفسي مؤخرا لدعوى قضائية هددتني برفعها الملكة رانيا .... وبعدها رصد ياسر عرفات خمس ملايين دولار لمقاضاتي واستشار فعلا من خلال نبيل شعث اكبر مكاتب المحاماة في واشنطن دون جدوى .

اكتشفت بعد ذلك ان بيننا - انا ونصر - اكثر من علاقة صداقة ونسب وقربى .... فأخوه " ابراهيم " كان من احب المدرسين الى نفسي في مدرسة النصر التي تحول اسمها بعد ذلك الى " الثورة العربية الكبرى " .... ونصر نفسه متزوج من عائلة كريمة صاهرت " ابو راسم " الذي كان بالنسبة لنا بمثابة الاب والاخ الكبير و" زياد خازر المجالي " كان من افضل الدبلوماسيين العرب في واشنطن وقد ترك اثرا طيبا لدى جميع الذين عرفوه وعلمت بعد ذلك انه اصبح سفيرا لدى السلطة الفلسطينية ويشهد له الفلسطينيون بنبل الاخلاق والاخلاص في العمل .

ينتمي "نصر المجالي" الى عائلة اردنية كبيرة ومعروفة هي عائلة " المجالية " التي يقال انها استوطنت الخليل ثم استقر جدها الكبير في مدينة الكرك جنوب الاردن ... وبرز من المجالية كثيرون .... لعل اشهرهم دليوان المجالي ... وحابس المجالي .... وهزاع المجالي وفي مجال الصحافة والاعلام لمع اسم راكان المجالي ونصر المجالي ونصوح المجالي ... وعرف من المجالية ايضا عبد السلام المجالي وعبد الهادي المجالي وعبد الوهاب المجالي .... وقد يكون هذا " الثالوث " هو الذي بنى ساترا بين الاردنيين وبين المجالية بخاصة وان ممارسات الثلاثة عندما كانوا في الحكم .... ثم شركاتهم التي ابتلعت الاخضر واليابس حشدت الاردنيين ضدهم .... وانعكست ممارسات هؤلاء على حياة سائر المجالية ممن لا ناقة لهم ولا بعير بشركات عبد الهادي وعبد السلام واولادهما .... ويبدو ان هذه اللعنة طاردت المجالية العاملين في مجال الاعلام ايضا .... وما توريط " فراس " في حكاية التجسس ضد قطر من قبل ضابط في المخابرات الاردنية الا محاولة للاساءة الى جميع المجالية وربما الانتقام منهم تصفية لحسابات مع الثالوث المذكور .... ومثل ذلك يقال عن الضربات التي وجهت لراكان المجالي عندما كان في الرأي ... وتعرض " نصر " لطراطيش ايضا رغم ان الرجل عاش منذ سنوات طويلة خارج الاردن واستقر به المقام في بريطانيا حيث اصبح " انجليزيا " او يكاد .

ساهم نصر المجالي في بناء جريدة الخليج التي صدرت في الشارقة وكان من اعمدتها ونقل اليها خبرته الطويلة في جريدة الرأي الاردنية وحرص نصر على ان يستقل بنفسه خلال عمله في الخليج فلم يحسب على التيارات الكثيرة التي كانت تتقاذف الجريدة وكان نصر الاردني الوحيد فيها وتحمل الكثير من المضايقات والحساسيات التي كانت تعصف بالساحة الصحفية في الامارات الى ان قرر - مثلي - ان يهرب بجلده الى عالم اخر يقدر الصحافة والصحفيين .... فطار الى لندن للعمل في جريدة الشرق الاوسط وترقى فيها  حتى اصبح من اهم محرريها قبل ان يتركها ليعمل في مواقع اخرى .... ليعود فيتألق مؤخرا على صفحات موقع " ايلاف " بانفراداته .... ومقالاته المثيرة للجدل .

كنت ولا ازال احرص على الاتصال بنصر كلما توقفت في لندن .... وكانت المرة الاخيرة قبل شهرين ... فاستعدنا معا - عبر الهاتف - ذكريات الماضي في الاردن والامارات ... واكتشفنا - معا - اننا " ختيرنا " وهذا هو بالضبط الذي عنيته بقولي " انا ونصر المجالي ..... والزمن ".