فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "
عباس الطرابيلي وجمال البدوي .. وفن القوادة الصحفية


معادلة (النجومية) في صحافة الامارات كانت مقلوبة بشكل مضحك وطريف فالكثير من الصحفيين النجوم في اقطارهم الاصلية لم يكونوا كذلك في صحف الامارات ومنهم من عاش على الهامش ورضي ان يعمل بوظيفة "بواب" في مكتب صحافي مواطن ... ولكن -في المقابل- وصل الى الامارات اشخاص لم يعملوا في الصحافة من قبل وتحولوا الى نجوم صحافية عربية.
لعل اوضح مثال للنموذج الثاني "بدر عبد الحق" الذي لم يكن يعمل في مهنة الصحافة من قبل في الاردن وان كان على تماس مع الوسط الادبي لكونه يكتب القصة القصيرة ... ولكنه اصبح في الامارات نجما صحفيا ساهم في تأسيس جريدتي الوحدة والوثبة قبل ان يغادر الى الاردن ليصبح مديرا لتحرير جريدة الرأي اليومية شبه الحكومية وواحدا من اهم كتاب الاعمدة فيها.
اما نماذج (النجوم) الذين تحولوا الى "طراطير" في صحافة الامارات فقد اشرت من قبل الى " محمد الماغوط " في جريدة الخليج .... وشوقي رافع في مجلة الازمنة العربية واحمد نافع في الوحدة ثم في الفجر... ولكن انصع  مثال لهذه الظاهرة تمثل في (جمال بدوي) و (عباس الطرابيلي) اللذين وصلا الى ابوظبي من (اخبار اليوم) للعمل في الاتحاد في مطلع السبعينات فطمست ملامحهما تمام ولم يتداركا الامر الا بعد عودتهما الى القاهرة للعمل في جريدة (الوفد) التي تولى رئاسة تحريرها مصطفى شردي وتعاقب عليها بعد وفاته جمال بدوي وعباس الطرابيلي.
لم التق من قبل وخلال عملي في الامارات بالمدعو عباس الطرابيلي رئيس تحرير جريدة (الوفد) الحالي الا مرة واحدةعام 1976 ... يومها توجهت الى مبنى جريدة الاتحاد لزيارة (علي النجار) بناء على دعوة منه ... وعلي النجار مواطن فلسطيني الاصل عمل كمدرس للشيخ خليفة بن زايد ولي العهد وحصل بعد ذلك على جنسية الامارات وعمل في جريدة الاتحاد وكان يلبس الدشداشة ويصعب تمييزه عن المواطنين سواء على صعيد اللهجة او على صعيد الشكل وكنت قد التقيت بعلي في منزل بدر عبد الحق ودعاني الى زيارته في مكتبه في جريدة الاتحاد لاطلاعي على بعض الكتابات الادبية بخاصة واني امارس النقد الادبي باحتراف.
ذهبت الى جريدة الاتحاد في اليوم التالي حسب الموعد....استقبلني في الريسبشن رجل سمين يضع نظارات كثيفة وكان من الواضح انه يعمل بوظيفة (مرمطون) في المكتب حيث دخل وخرج اكثر من مرة الى مكتب "علي النجار" وهو يحمل صواني الشاي كما كان يرد على الهاتف ولانه تأخر في اعلام "علي النجار" بوصولي واصر ان يعرف السبب من الزيارة - لعله ظن اني كنت ابحث عن وظيفة مرمطون مثله- فقد عنفتّه بصوت مرتفع وصل الى مسامع "علي النجار" الذي خرج الى الصالة وعرف بالامر فادخلني الى المكتب وهو يعتذر واسمع عباس الطرابيلي موالا من الشتائم لو كانت لديه ذرة كرامة لاستقال من فوره!!... كانت تلك هي المرة الاولى والاخيرة التي ارى فيها عباس الطرابيلي الذي لم اكن اعرفه ولم اسمع باسمه من قبل .... ومع اني تصادقت مع معظم الصحفيين لاحقا حتى الذين دخلت معهم في معارك صحافية الا اني لم اجد في نفسي الرغبة في اقامة اية علاقة مع هذا الرجل الذي سقط من نظري وفقد احترامي لان مهنة الصحافة لا تتوافق مع مهنة المرمطون .
عباس الطرابيلي اصبح فيما بعد رئيسا لتحرير (الوفد) يكتب - مثله مثل جمال بدوي- عن الديمقراطية المفقودة في مصر وعن التعددية الحزبية المشكوك فيها ولا يصدر عدد الا ويوجه الاثنان سهامهما الى الحكومة المصرية ووزرائها حتى ليظن القارئ المصري انه حيال خليفة العقاد او عبد القدوس او هيكل ولن يعرف طبعا ان الثاني( عباس الطرابيلي ) عمل في الامارات بوظيفة (مرمطون) في مكتب (علي النجار) وان الواحد منهما كان يصبغ على "خالد محمد احمد" القابا لم يحلم بها خالد من قبل بدءا بسيادتك وسموك وفخامتك وسعادتك ... وانتهاء بالشيخ خالد ... فقد شيخوه ايضا!!
الطريف انك تقرأ لعباس طرابيلي في عدد واحد من الوفد مقالين الاول يندد فيه بغياب التعددية الحزبية في مصر (بلده) ... والثاني يتغزل فيه بمشيخة الامارات فيعدد مناقبها التي ليس من ضمنها (التعددية الحزبية) لان حكامها يسوسون البلاد والعباد وكأنها مزرعة للابقار فهم يمتلكون الارض وما تحتها وما فوقها ويصمت طرابيلي عن هذا لانه يعود من زياراته المكوكية الى المشيخة محملا بالكثير مما يسد بوزه ويعمي بصره ويحوله الى بوق يزور التاريخ ويجمل صورة مشيخة ابوظبي في نظر القراء المصريين فيرتكب بذلك خيانة ليس فقط لشرف المهنة التي يعمل فيها وانما ايضا لوطنه وامته وشعبه..... والاطرف من هذا انك لن تجد سطرا واحدا في جريدة الوفد ضد اي مسئول او وزير او شيخ اماراتي ليس حرصا من الطرابيلي على " حسن الجوار " وانما حرصا على علاقاته ومصالحه الخاصة بدليل انه لا يوفر الوزراء والمسئولين المصريين من هجومه لانه لا يتوسم فيهم خيرا و" مصلحة " له ولاولاده .


كتبت في مطلع عام 1993 مقالا في عرب تايمز عن فضائح الشيخ الفاسي واولاده في لندن وامريكا وقام محرر في جريدة (الوفد) باعادة نشر المقال في صفحة كاملة بالوفد فاذا بمدير التحرير انذاك " جمال بدوي" يقيم الدنيا ولا يقعدها على رأس الصحافي المذكور بل ويعمل على فصله من العمل ويسارع الى كتابة افتتاحية يتهجم فيها علي ارضاء للشيخ الفاسي وابنته الاميرة هند وزوجها الامير تركي وهو قطعا لم يفعل هذا حبا بالفاسي وفضائحه وانما لان جمال بدوي يعرف من اين تؤكل الكتف بخاصة وان جريدة الوفد في عهده لم تنشر كلمة واحدة عن فضائح الفاسي واولاده ومنها تهجمه على صحفيين كبار زملاء له عدا عن فضائحهم في المحاكم المصرية .... لذا لم اعجب من الصورة التي نشرتها جريدة الاتحاد للصحفيين المكرمين .... فجمال بدوي كان الوحيد بين اصحاب الدشاديش ليس لانه من اعمدة الصحافة في الامارات وانما فقط لانه يعمل في جريدة الوفد و" يراعي " الاماراتيين واخبارهم " حبتين ".
هذه الظاهرة - ظاهرة التكسب من شيوخ الخليج- تجدها من الظواهر المنتشرة بين عدد من الكتاب الصحفيين المصريين الذين عملوا في الخليج ويقوم هؤلاء في الغالب بالانتفاع من شيوخ الخليج وامراء النفط من وراء ظهور المؤسسة الصحافية التي يعملون فيها والتي تكون صحفها ومجلاتها مسرحا لارتكاب الجريمة.
من ذلك ما فعلته مجلة الكواكب المصرية في العدد 2638 الصادر في 19 فبراير 2002 ... فعلى الرغم من صدور حكم على الاميرة هند الفاسي بتهمة السرقة وعلى الرغم من نشر فضائح هذه الاميرة في الصحف المصرية وآخرها الاعتداء بالضرب على ضابط شرطة مصري فان مجلة الكواكب لم تجد حرجا في نشر ملف ملون عن الاميرة هند من تسع صفحات كاملة بل وجعلت ابن الاميرة المدعو (عبد الرحمن) صورة غلاف مع ان هذا الولد تحديدا منع من السفر ومغادرة القاهرة لانه اتهم بالاعتداء على ضابط الشرطة المصري وكان من الواضح ان (الملف) هو اعلان مدفوع الثمن ولكن الطريقة التي نشر بها تشير الى ان الصحافي الذي قام بهذا العمل قد قبض الثمن وحده من وراء ظهر المؤسسة التي تصدر (الكواكب).( انقر على غلاف الكواكب لتكبيره ).
لعل هذا الفساد والتسيب الفضائحي في المؤسسات الاعلامية المصرية بشكل عام والصحافية بشكل خاص والذي يرتكبه صحفيون من طراز جمال بدوي وعباس طرابيلي ومحد المراغي يكون قد توج على يدي ممدوح الليثي الذي ادانته المحكمة المصرية بالعمل كقواد للشيخ عبد العزيز آل براهيم الذي برطل الليثي وآخرين بسيارات مرسيدس وبي ام دبليو في مقابل ان يقضي اياما حمراء مع الممثلة شيرين سيف النصر ابنة خالة الاميرة هيا ابنة الملك حسين.
جمال بدوي والطرابيلي والمراغي لعبوا الدور نفسه اي دور "القوادة" ولكن باساليب مختلفة تقوم على الترويج لشيوخ الامارات والحيلولة دون نشر اية اخبار تسيء اليهم وبعضها هام جدا ويتعلق بمواطنين مصريين ... ففي الوقت الذي نشرت فيه روزاليوسف -مثلا- نقدها لشيوخ الامارات لانهم يقومون بشراء اطفال من صعيد مصر لربطهم على ظهور الجمال في سباقات الهجن التي يتسلون بها والتي ينتهي بعضها بمقتل الاطفال الذين يسقطون عن ظهور الجمال فان جمال بدوي -مثلا- لم يتجاهل نشر خبر ال
فضيحة بل وزاد ان كتب يتغزل بالشيخ زايد حاكم المشيخة مغلفا الغزل بشعارات عربية وقومية ... ولعل هذا يفسر ان الوحيد الذي ظهر في صورة التكريم مع لابسي الدشاديش من غير الخليجيين هو جمال بدوي الذي يقال ان اسمه كان مدرجا على رأس الذين يقبضون من دائرة الاعلام الخارجي في الامارات.( انقر على الصورة لتكبيرها).
لا اريد ان يفهم من كلامي اني اعمم الحكم على جميع (الاعلام) الذين جاءوا الى الامارات من مصر فمحمود السعدني -مثلا- جاء الى الامارات علما وغادر علما ولم يصمد في الامارات اكثر من ستة اشهر لانه رفض ان يطأطأ الرأس للشيوخ وان يعمل بوظيفة (مرمطون) كما فعل جمال بدوي الذي - يا للمهزلة- قرأت له مقالا في الوفد يتهجم فيه على محمود السعدني .... ابراهيم المطيري مدير عام جريدة الوحدة كان - في مكتب محمود السعدني - هو المرمطون .... كان يقعد على الارض ويعد الشاي للسعدني .... فأين هذا من " عباس الطرابيلي " مرمطون " علي النجار "!!
محمد العكش وكمال الجويلي واحمد الجمال وسيد شحم وعشرات غيرهم من الصحفيين المصريين عملوا في الامارات بشرف وخدموا المهنة بشرف وتركوا الامارات عائدين الى بلدهم بشرف واغلبهم رجع مفلسا اللهم الا من عمله ومن الاثر الطيب الذي تركه في نفوس الاخرين لذا لم نجدهم في الصورة مع جمال بدوي..... فهي صورة جمعت بين لابسي الدشاديش ... ومن قوّد لهم " فكريا " ومرمط .... فأصبح " مرمطونا ".