فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "
الصحافة الرياضية .. وليد غزالة نموذجا


اذا كانت الكفاءة في الصحف الامريكية والاوروبية هي التي توصل الصحافي المبتدئ الى مراتب عليا قيادية في المؤسسة التي يعمل فيها فان الكفاءة هي آخر ما ينظر اليه في عملية توظيف اي صحافي او ترقيته في المؤسسات الصحافية العاملة في الامارات.
لقد اشرت من قبل الى نماذج واسماء دخلت مهنة الصحافة عن طريق الصدفة او الخطأ وتمت ترقيتها الى مناصب قيادية سواء في المؤسسات الصحافية او في مؤسسات الدولة وبعض هذه الحالات تصلح لان تكون مادة لمسرحية كوميدية عن الكيانات العاملة في مشيخات الخليج.
لقد اشرت مثلا الى نموذج (سليمان نمر) الذي اصبح الآن مستشارا للامير سلمان بن عبد العزيز ... واشرت الى نموذج" شوكت كتانة" الذي اصبح الرجل الثاني في بلدية ابوظبي بعد الشيخ محمد بن بطي آل حامد ... واشرت الى نموذج "حبيب الصايغ" الذي خلقنا منه شاعرا ومثقفا سياسيا واشرت الى المخبر اليمني "حسن قايد" الذي اصبح - بفضل زوجته- بروفيسورا في جامعة الامارات  واشرت الى "عبدالله النويس" نفسه الولد الاماراتي المحدود الموهبة الذي عاد من القاهرة ليصبح خلال اعوام قليلة اهم من الشيخ زايد نفسه.
ارجو ان لا يفهم من كلامي اني اتعمد الكتابة عن النماذج السلبية فقط فقد ذكرت في المقالات السابقة نماذج مختلفة بدأت من الصفر ونجحت في ان تصبح شيئا هاما ومحوريا في المجال الذي تعمل فيه.


لا يمكن الكتابة عن الصحفيين في الامارات دون التوقف عند نماذج ايجابية مبدعة لم تأخذ  حظها الدعائي او الاعلامي لسبب واحد وهو انها انها ليست (مواطنة) اي لا تحمل جنسية الدولة وبعضها خدم الاعلام والصحافة اكثر من "عبدالله النويس" نفسه الذي ظهرت امكاناته الحقيقية بعد طرده من الوزارة حيث اصدر مجلة هزيلة لا لون ولا طعم ولا رائحة لها.
الصحافي "وليد غزالة" -على سبيل المثال- ترك بصماته القوية على الصحافة الرياضية في جريدة الاتحاد واصبحت تغطياته الصحافية للمباريات من اهم العوامل التي ساعدت في توزيع الجريدة بخاصة في الامارات الشمالية.
كانت الصحافة الرياضية قاصرة على المجلات والنشرات التي تصدر عن النوادي الرياضية في الامارات قبل ان تهتم الصحافة اليومية بها فتخصص لها صفحات كاملة تحولت الى ملاحق اسبوعية قبل ان تتحول الى مجلات فاخرة الطباعة.


فنادي الشعب في دبي الذي عرف باسم الوصل وكان يعرف سابقا باسم الزمالك اصدر العدد الاول من مجلته الرياضية (الزمالك) في فبراير عام 1973 في 36 صفحة وقد تغير اسم المجلة الشهرية فيما بعد الى (الوصل) كما اصدر نادي النصر في دبي مجلة باسم (النصر) تحولت فيما بعد الى جريدة اسبوعية رياضية ترأس تحريرها عبدالله ابراهيم واوكلت مهمة ادارة التحرير لكمال طه (سوداني الجنسية).
اما النادي الاهلي في دبي فاصدر هو الاخر مجلة شهرية باسمه تحولت في عام 1980 الى جريدة اسبوعية متخصصة بالاخبار الرياضية وقد تعاقب على تحريرها عبدالله العويسي ومحمد الجوكر وعبدالله ميران.
في ابوظبي اصدر نادي ابوظبي مجلة شهرية باللغتين العربية والانجليزية كانت تطبع في مؤسسة الظواهر للطباعة والنشر كما صدرت مجلة (الفريد) عن نادي ابوظبي السياحي كما صدرت مجلة (الجزيرة) عن نادي الجزيرة الرياضي اما مجلة (الرمس) فقد صدرت عن نادي الرمس في راس الخيمة ومجلة (دبي) عن نادي دبي الرياضي وهكذا.
هذه المجلات والصحف الرياضية لم تكن كافية ولا تعكس النشاط الرياضي الحقيقي في الدولة كما انها لم تعكس المستوى الحقيقي للعمل الصحافي الرياضي الذي يتميز بلغته واسلوبه فالذين حرروا هذه المجلات كانوا موظفين في النوادي التي اصدرتها ولم يكن (التحرير) الصحافي الرياضي تخصصهم لذا لجأوا الى القص واللصق في اكثر الاحيان ... فضلا عن ان الرأي النقدي الرياضي غاب تماما عن صفحات المجلات المذكورة بسبب الحساسية البالغة التي صبغت العلاقات (الرياضية) بين النوادي المختلفة.
ظهور الصفحات والملاحق الرياضية في الصحف اليومية طغى على مجلات النوادي تماما ولعب دورا محايدا الى حد ما ساهم في زيادة توزيع الصحف.
لم يكن" وليد غزالة" الذي عمل في جريدة الوحدة منذ عام 1974 كمسئول للارشيف قد احترف مهنة النقد الرياضي بل ولم يكن يولي الرياضة في (الوحدة) ادنى اهتمام بخاصة وان الصحافي البحراني "محمد علي" كان يحرر صفحة الرياضة فيها لكن انتقال وليد غزالة الى جريدة الاتحاد للعمل فيها كمحرر رياضي شكّل نقلة هامة ليست في حياة الرجل فحسب بل وفي مستوى الخبر الرياضي في الاتحاد.
وليد غزالة فلسطيني الاصل ( من بيت ساحور) اردني الجنسية درس برمجة الكمبيوتر عام 1971 في وقت كان فيه الكمبيوتر في الاردن مجرد فكرة لا يعرف كثيرون معناها والغرض منها لكن وليد لم يعمل في مجال تخصصه حين انتقل الى ابوظبي عام 1974 للعمل في جريدة الوحدة التي كلف فيها بتنظيم ارشيف للمعلومات والصور وهي مهمة صعبة بخاصة وان الوحدة كانت تصدر بشكل يومي ولم تكن هناك امكانية للارشفة الالكترونية عدا عن ضعف المصادر وشحتها ومع ذلك نجح وليد غزالة في خلق ارشيف متواضع للصور والمعلومات يمد الجريدة والمجلات الصادرة عنها باحتياجاتها ويعتبر وليد غزالة بالتالي من اهم مؤسسي جريدة الوحدة التي كانت تعتمد آنذاك وبشكل كبير على الارشيف.
لا زلت اذكر ان اهم موضوع كتبته لمجلة (الظفرة) بعد اسبوع من وصولي الى ابوظبي ونشر كموضوع غلاف وكان سببا في ترقيتي الى منصب مدير تحرير للظفرة كان يعتمد بشكل رئيسي على ارشيف وليد غزالة..... كان الموضوع بعنوان (ابوظبي في الليل) ولولا الصور التي زودني بها وليد غزالة لما امكن انجاز الموضوع خلال 24 ساعة كما طلب رئيس التحرير آنذاك بخاصة وان نشر موضوع عن (ابوظبي في الليل) دون نشر صور تدعم الموضوع كان غير ممكن.
جدية وليد غزالة التي ابداها في عمله في الوحدة والتي لم تكن تنسجم مع روحه المرحة  -خارج اوقات العمل الرسمي- نقلها معه الى جريدة الاتحاد عام 1978 ورغم عدم تخصصه في الرياضة وفنونها وقوانينها الاّ ان حبه لعمله وحرصه على اتقانه جعله خلال فترة قصيرة يحيط بجميع الرياضات بخاصة لعبة كرة القدم واصبح وليد غزالة من اهم محررّي الصفحة الرياضية ومن اهم نقادها.... وقد احاط بقوانين جميع الالعاب الرياضية ودرس جميع الفرق والنوادي وحفظ اسماء لاعبيها وعرفهم وعشق المهنة الى درجة صرفته عن اهتمامات اخرى عرفناه بها من قبل .
لا ادري لماذا ترك "وليد غزالة" العمل في الامارات وماذا يفعل الآن في الاردن لكن الذي كنت اعرفه خلال اقامتي في الامارات حتى عام 1984 ان وليد غزالة هو الرقم الصعب في قسم الرياضة في جريدة الاتحاد وان مقالاته كانت الاندية في ابوظبي ودبي والشارقة وراس الخيمة تنتظرها بفارغ الصبر وقد تكون مقالاته تلك وردود الفعل عليها هي التي تسببت بتركه العمل في الامارات وان كنت لست متأكدا من هذا على وجه التحديد..... لكن الذي اعرفه جيدا ان عدة صحف اماراتية عرضت على وليد غزالة ترك جريدة الاتحاد والانضمام اليها كما عرضت عليه عدة مجلات رياضية تصدر عن النوادي وكان وليد يرفض هذه العروض وفاء للمؤسسة التي يعمل فيها .
نجومية "وليد غزالة" في مجاله كانت تعادل نجومية "تاج الدين عبد الحق" و"محمد الرمحي" و"احمد محسن" واربعتهم بدأوا عملهم الصحافي اوّل مرة في جريدة الوحدة وتزاملوا ليس في العمل فحسب وانما ايضا في السكن حيث كانوا اربعتهم اعمدة الشقة اياها سيئة الذكر في مدينة زايد.( انقر هنا واقرأ عن هذه الشقة ).
هناك اسماء برزت في صحافة الامارات وتكرر ذكرها في مناسبات مختلفة دون ان تترك اثرا يذكر في المؤسسات التي عملت فيها من بينها مثلا كريم الشيباني (سوري) العضو الحالي في مجلس الشعب فهذا الصحافي عمل في جريدة الوثبة قبل اغلاقها ولم يترك اية بصمة على الصحيفة التي عمل فيها ولا يكاد يذكره احد ... ومثله محمد منصور (سوري) الذي عمل في احدى المراحل كمدير تحرير في جريدة الوحدة ... كما ان (عثمان عثمان) لا يكاد يذكره الصحفيون الذين عملوا معه في الوحدة الا بمقدار ما ارتبط اسمه برسمة كاريكاتير للفنان "علي فرزات" سخر فيها من عثمان عثمان وكانت سببا في فصل علي فرزات من العمل.
( انقر هنا واقرأ عن هذه الحكاية ).
الصحافي الفلسطيني يوسف صلاح انتفع من علاقته باخيه (صلاح صلاح) احد قادة الجبهة الشعبية وقد اختاره راشد بن عويضة لمرافقته في اول زيارة يقوم بها راشد بن عويضة الى بغداد عام 1976 فقط بسبب هذه العلاقة ولا زلت اذكر ان راشد بن عويضة لم يكن يعرف اسم يوسف وعندما اراد ان يستدعيه الى مكتبه اتصل هاتفيا بالوحدة وطلب ان نبعث اليه بالصحافي "الذي اخوه يعمل في الجبهة الشعبية" وكنت انا الذي تلقى المكالمة تلك وكان من الواضح ان رئيس التحرير يعني باتصاله يوسف صلاح.
كان يوسف صلاح "ينظّر" كثيرا خلال عمله في الوحدة ولكنه مع ذلك لم يكن متميزا الا بمقدار ما يثير حوله من حساسيات ودسائس ووشوشات وكان يوظف كل شيء لمصلحته الشخصية لذا خرج يوسف صلاح من الوحدة دون ان يترك بصمة واحدة في الجريدة او في نفوس العاملين فيها.... والتحق بالازمنة العربية ولكنه ظل على هامشها .... كان يوسف يفتعل مع الاخرين معارك دون ان يكون على معرفة بهم وكنا دائما نبحث عن الغرض من هذه المعارك فنجدها وسيلة فقط لتحقيق مكسب شخصي غالبا ما يكون الطرف الثاني في المعركة غير معني به .
الحكاية - مثلا- مع كمال الجويلي او اسامة عجاج او هندي غيث او سيد شحم او وفاء الطوخي تختلف فهؤلاء نجحوا في التأسيس لعلاقات شخصية وانسانية مع المحيطين بهم وانعكس هذا بشكل او بآخر على العاملين معهم.
لعل هذا ينسحب على العاملين في جريدة الخليج ايضا فرجل مثل "محمد الماغوط" الذي تولى الاشراف على القسم الثقافي في جريدة الخليج عاش في الشارقة على الهامش وكان يعزل نفسه في غرفة حقيرة داخل جريدة الخليج ليوهم الاخرين انه شخص خطير ومع ذلك كانت ابواب غرفته تفتح على مصراعيها عندما يزوره (مواطن) من الامارات يتوسم فيه الماغوط خيرا او مصلحة.... كان الماغوط تافها وفاشلا في علاقاته الاجتماعية ... كان مكروها في اوساط العاملين في الجريدة .... وحتى في اوساط الكتاب السوريين وقد سمعت الرأي نفسه في الماغوط من حسيب كيالي وغسان زكريا .... كان الماغوط مصابا بعقدة نفسية جعلته يحقد على الجميع وقد دخلت معه في مواجهة يوم جاء يعاتبني لاني كتبت عن مسرحية لدريد لحام ولم اتطرق الى الماغوط بصفته كاتب المسرحية .... وقد سمعت في الماغوط الرأي نفسه من دريد لحام يوم زارنا في هيوستون .
في المقابل كنت تجد مكتب احمد الجمال (مصري) يتحول الى منتدى سياسي وفكري وكان للجمال الفضل في تبني المعركة التي خضتها على صفحات الخليج مع وزارة الترية بخصوص المناهج المدرسية ... صحيح ان احمد الجمال كان ناصريا وكان يحرص ان يظهر انيابه الى خصومه  لكنه في حقيقته كان طيبا يفيض بالصدق والطهارة الصحافية.