سهيل القصص ... لماذا انكروه
 

فصل  من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "


ترتبط شهرة الصحف والمجلات دائما باسماء افراد عملوا فيها وتركوا بصمات قوية على هويتها لكن هذه الصحف توظف نجاحها الذي يعود لانجاز فرد واحد فيها ليصبح في ذاكرة القارئ نجاحا للمؤسسة وليس للفرد بحيث لا يؤدي خروج الفرد صانع هذا النجاح من المؤسسة الى انهيارها وهذا ما فعلته الواشنطون بوست مثلا فمدير تحريرها "بوب ودوورد" الذي تسبب بسقوط نيكسون حين كشف ملابسات فضيحة ووترجيت وفضح علاقة الملك حسين بالمخابرات المركزية الامريكية حين كشف النقاب عن ان الملك كان يتقاضى مرتبا شهريا من الوكالة وكان اسمه الكودي فيها " مستر بيف " وضع جريدته في الصف الاول وظلت الجريدة محافظة على هذا المستوى في ذاكرة القارئ حتى بعد تراجع بوب ودوورد وتولى القيادة اخرون .
في عالمنا العربي نجد هذه الظاهرة ايضا في الاهرام التي صنع مجدها في الستينات محمد حسنين هيكل لكن الاهرام ظلت الجريدة الاولى في مصر - ولا زالت- رغم ابعاد هيكل عن ادارتها لان النجاح الذي حققته الاهرام في زمن هيكل انتفع منه احمد بهاء الدين ليبني عليه نجاحا آخر يحسب في المحصلة للمؤسسة وليس للافراد .
هذا هو بالضبط الذي لم يتوفر للصحف الصادرة في الامارات وعلى وجه التحديد لجريدة الاتحاد فالشخص الذي كانت توكل اليه مهمة الاشراف على الجريدة كان يضع نصب عينه نسف القواعد والاسس التي ارساها من سبقوه لذا ضاعت الذاكرة التراكمية للانجازات والنجاحات التي حققها (الافراد) .
من هنا يصعب الحديث عن جريدة الاتحاد وانجازاتها كمؤسسة دون التوقف عند (الافراد) الذين صنعوا هذه الانجازات والتي تلاشت واختفت بخروج هؤلاء الافراد من المؤسسة.
لقد اشرت من قبل الى الصحافي الفلسطيني "سهيل القصص" الذي لا تجد له ذكرا في اي منشور او كتاب يؤرخ لجريدة الاتحاد مع ان سهيل القصص هو الذي اصدر العدد الاول من الاتحاد

 كان "سهيل القصص" يعمل في دائرة الاعلام المحلية التابعة لمشيخة ابوظبي يوم كان السوداني "علي شمو" يشغل منصب وكيل وزارة ... كان عدد الذين يعملون في دائرة الاعلام آنذاك يعد على الاصابع اشهرهم الشاعر العماني "عبد الله محمد الطائي" الذي كان يشغل منصب مدير عام وزارة الاعلام والسياحة وهو الذي اختار سهيل القصص ليتولى اصدار العدد الاول من جريدة الاتحاد.
كان عدد العاملين في دائرة الاعلام التابعة آنذاك لمشيخة ابوظبي محدودا ومعدودا على الاصابع بينهم اثنان من الامارات لم تكن لديهم خبرة في العمل الصحافي لانهما خريجان جديدان عادا للتو من القاهرة وكانا يشغلان وظائف ادارية في مكتب عبدالله الطائي واعني بهما "عبدالله النويس" و"احمد سالم آل جمعة" كما كان في المكتب ثلاثة فلسطينيين ولبناني واحد ... الفلسطينيون الثلاثة هم سهيل القصص وزكي نسيبة واحمد الجمالي اما اللبناني فهو ادمون اسطى ... كان زكي نسيبة شبه متفرغ لاعمال الترجمة في ديوان الحاكم الشيخ زايد واصبح بعد ذلك المترجم والمرافق الشخصي للشيخ وكان "احمد الجمالي" مسئولا عن قسم الاخبار في الاذاعة لذا اعتمد عبدالله الطائي على المتفرغين الوحيدين في دائرته لاصدار الجريدة وهما سهيل القصص وادمون اسطى ... كان ادمون مختصا بالمسائل الفنية وعلى دراية بالامكانات الصحافية في لبنان وتم تكليف سهيل القصص بالاشراف على اصدار وتحرير العدد الاول من الجريدة يساعده ادمون اسطى حيث سافر الاثنان الى بيروت وقاما بطباعة العدد الاول وشحنه الى ابوظبي.
لم يكن اختيار عبدالله الطائي لسهيل القصص عفو الخاطر فقد ارتبط الاثنان بصداقة طويلة وكان عبدالله الطائي هو الذي وظف سهيل القصص في الوزارة وكان الاثنان قد التقيا في بغداد ... الاول جاء اليها هاربا من السلطان والثاني هاربا من الظروف السيئة المحيطة بالفلسطينيين في الاردن.
كان عبدالله الطائي من ذوي الثقافة العالية عمل مدرسا لمادة اللغة العربية في بغداد وباكستان ولعب دورا بارزا في ترجمة العديد من المخطوطات العربية الى اللغة الاوردية التي كان يتقنها وكانت لعبدالله الطائي بصمات حتى على مناهج التعليم في البحرين وعمان قبل ان يلقي عصا الرحال في الكويت فيصبح من اهم رجال الاعلام فيها فيستدعيه الشيخ زايد ليتولى ادارة الاعلام في ابوظبي وظل فيها الى ان سلم السلطان قابوس الحكم في عمان فاستدعاه الى مسقط وسلمه وزارة الاعلام والعمل والشؤون الاجتماعية وظل فيها الى يوم وفاته في مطلع السبعينات تاركا عدة مؤلفات اهمها رواية (ملائكة الجبل الاخضر) التي أرّخ فيها لعمان كما ترك مخطوطة بعنوان (الشراع الكبير) روى فيها صراع دولة اليعاربة مع المحتل البرتغالي ... فضلا عن مخطوطة ديوان (وداعا ايها الليل الطويل) الذي نشر بعد وفاته في بيروت عام 1974.
قيل لي ان عبد الله الطائي هو الذي كتب افتتاحية الاتحاد في اصدارها الاول والتي ظهرت موقعة باسم الشيخ احمد بن حامد رئيس دائرة الاعلام والسياحة الذي اصبح فيما بعد وزيرا للاعلام وهو مواطن من اصل قطري كان يعمل سائق سيارة في الدوحة وجاءت هجرته -مع قبيلته- الى ابو ظبي احتجاجا على استئثار حكام قطر بخيرات الامارة وقد منحوا الجنسية الاماراتية فيما بعد.( علمت فيما بعد ان سهيل القصص هو كاتب الافتتاحية وليس عبدالله الطائي ).
كان سهيل القصص الوجه الصحافي الوحيد الذي عرفته الدوائر الحكومية في مشيخة ابوظبي آنذاك وظل سهيل يدير العمل في الجريدة وحده لمدة عامين حيث تقرر اعادة تشكيل هيئة التحرير مع وصول اربعة صحفيين من مصر هم مصطفى شردي وحمدي تمام وجلال عارف ووجيه ابو ذكري ... وتم توظيف صحافية مصرية شابة كانت زوجة لعبدالله النويس الذي نقل الى اذاعة ابوظبي ليعمل كمدير لها ... ولم يكن في هذا التشكيل الا مواطن واحد وهو درويش المنصوري الذي انتقل الى وزارة الخارجية واصبح بدرجة وزير مفوض.
بوفاة عبدالله الطائي انفرط عقد المجموعة التي شكلها لادارة الاتحاد بخاصة المجموعة الفلسطينية وتم نقل سهيل القصص الى مدينة العين للاشراف على مكتب دائرة الاعلام فيها وتم الاعتماد عليه كمراسل للجريدة في ديوان الشيخ طحنون ممثل الشيخ زايد فيها وفي العين التقيت بسهيل القصص وتصادقنا وتزاورنا واطلعت من خلاله على الكثير من اسرار القصور .... والصورة اعلاه التي جمعتني به وبمحمد صالح بن بدوة تؤكد عمق صداقتي وعلاقتي بسهيل الذي تولى بعد ذلك الاشراف على تأسيس اول مكتب لجريدة الخليج في العين .
كنت يومها قد فرغت من تأليف كتاب عن التراث الشعبي في الامارات وقد اقترح علي سهيل القصص ان اطبع الكتاب على نفقة ديوان الشيخ طحنون حاكم العين ورتب لي لقاء مع مدير الديوان المدعو" محمد صالح بن بدوة" الذي هو في الوقت نفسه شقيق الزوجة الثالثة للشيخ زايد رئيس الدولة وقد اصبح لاحقا عضوا في المجلس التنفيذي للمشيخة وورد اسمه في قائمة الذين كرموا وتسلموا دروعا وقلائد في الاحتفال المشار اليه سابقا والخاص بجريدة الاتحاد ..... المهم .... التقيت بالمذكور والذي ابدى استعداده ان يطبع الكتاب سواء على نفقة الديوان او على نفقته الشخصية ولكنه وضع شرطا غريبا جعلني ارفضه واحتقر صاحبه .... وكان الشرط ان اضع اسمه على الغلاف كمؤلف الى جانب اسمي !!... هكذا يسرق شيوخ الخليج جهود الاخرين وهكذا يؤلفون كتبهم ومعظم الشيوخ الذين يحملون الان شهادات دكتوراه لم يكتبوا سطرا واحدا في هذه الشهادة .... والكتب التي تحمل توقيعاتهم ليست من تأليفهم وهذا ينسحب على مؤلفات عبدالله النويس التي وضعها له شريكه في المدارس الاستثمارية ابراهيم العابد.

لقائي الاول بسهيل القصص تم في مكتب الاستاذ "محفوظ شديد" مدير المنطقة التعليمية في العين (وهو فلسطيني من علار وكان يحمل جنسية الامارات لانه عاش فيها وخدم ابنائها اربعين عاما وخلال حرب الخليج سحبوا منه الجنسية وطردوه) ثم تكررت اللقاءات وتوطدت علاقتي بسهيل واصبحنا نلتقي بشكل يومي اما في مكتب جريدة الاتحاد قرب (المربعة) او في مكتب جريدة الفجر الذي كنت اشرف عليه الى جانب عملي كرئيس لقسم الدراسات والمتابعة في جامعة الامارات.
في العين عرّفني سهيل القصص على مدير مكتب الاتحاد الزميل محمد يوسف الذي اصبح لاحقا صديقي والذي تولى منصب مدير تحرير الاتحاد في مطلع الثمانينات كما عرفني سهيل بالشيخ نهيان الذي التقيته في فندق الهيلتون وكان يومها (صايع) بلا عمل او وظيفة اللهم الا التردد على بار الفندق قبل ان يقوم الشيخ زايد بتعيينه رئيسا لجامعة الامارات ثم وزيرا للتعليم العالي .... ولما قرر الدكتور محمد نوري شفيق مدير الجامعة تعيني مستشارا اعلاميا له بعد حملتي الصحفية المعروفة على مناهج وزارة التربية وخلافي معها اعترض الشيخ نهيان على التعيين وطلب من الدكتور شفيق ان يبعث بي الى قصره في ابو ظبي وقد رفضت .... وشكرت الدكتور شفيق على عرضه وتركت العين وجامعتها للشيخ الجاهل نهيان ورحلت الى الشارقة .... كان الشيخ نهيان يعلم اني اعرفه منذ مرحلة الصياعة في خمارة فندق الهليتون بل ويذكر الشيخ اني نصحته يومها ان يزن تصرفاته وعلاقاته مع العاملات في الفندق حتى لا يسيء الى ابيه وزير الداخلية والى اقاربه من شيوخ الامارة ولكن دون جدوى ويبدو انه خاف ان احدث الاخرين عن تاريخه الهامل فاعترض على قرار مدير الدامعة وكان هذا اول قرار يتم رفضه لمدير الجامعة الذي تسلم عمله بناء على ترشيح من الملك حسين وبعدها بأشهر استقال نوري شفيق وعاد الى الاردن غير نادم .
لقد توقفت طويلا امام اسم محمد بن صالح بن بدوة الذي ورد اسمه كأحد المكرمين في حفل جريدة الاتحاد وعجبت من ايراد اسم هذا الشخص شبه الامي في معرض تكريم الروّاد وتجاهل اسم سهيل القصص
توفي سهيل القصص - رحمه الله- في 21 مارس آذار عام 1984 في مدينة لندن حين كان يعد نفسه للعودة مع اطفاله من اجازة الصيف وحصلت احدى بناته - بعد ذلك بسنوات- على اعلى درجات في امتحانات الثانوية العامة في الامارات.
ان تنكر عبدالله النويس - في محاضراته وكتاباته- للدور الذي اداه زميله سهيل القصص في اصدار جريدة الاتحاد عام 1969 بل والاستمرار في اصدارها لمدة عامين كاملين يعكس جانبا من الازمة الاخلاقية التي عانى منها - ولا زال يعاني- المواطنون الذين عملوا في المجال الصحافي بل والمجال التربوي وتكاد هذه الازمة تكون ظاهرة تنسحب على معظم مجالات العمل في الامارات حيث يلاحظ ان اول عمل يقوم به المواطن الاماراتي الذي يرقى في منصبه ويصبح رئيسا على زملائه العرب الوافدين هو محاولة البطش بهم وفصلهم او استبدالهم بموظفين جددا لا يعرفون (تاريخه) وحقيقة مؤهلاته ومواهبه وخبراته ليصنع من هؤلاء الموظفين الجدد مادة يمارس عليها احساسه بعقدة النقص وقلة الكفاءة ... وهذا هو بالضبط ما فعله عبدالله النويس مع الذين عملوا معه او عرفوه قبل ان يصبح وكيلا لوزارة الاعلام ... وهذا هو بالضبط ما لمسته في ميدان آخر غير الاعلام وهو الميدان التربوي حيث عملت كرئيس لقسم الاعلام والعلاقات العامة في دائرة المناهج بوزارة التربية في دبي حيث عمل معي مواطن اماراتي محدود الموهبة شبه امي واسمه "محمد مراد عبدالله سرعان ما استأسد بمجرد ان تسلم رئاسة قسم اداري في الدائرة واصبح لا يلقي التحية على احد وعلمت مؤخرا انه تدكتر في بريطانيا من جامعة استثمارية مختصة بمنح شهادات الدكتوراة لاهل الخليج اسمها جامهة (اكستر) واصبحت صورة المذكور تنشر كثيرا في صحف دبي باعتباره احد المفكرين في الامارة مع انه كان يقعد في مكتبي على مستوى الحذاء .... وهذا هو مستواه فعلا .... ومثله ولد هامل نجح في جامعة الامارات بصوبة بالغة ولانه " اخونجي " و" ابن الشيخ كايد " احد شيوخ رأس الخيمة فقد عينوه مديرا لدائرة المناهج التي شهدت في عهده عصر الانهيار والتزوير .... هذا الشيخ الجاهل اسمه سلطان بن كايد القاسمي وهو يترأس الان جامعة في رأس الخيمة وعلمت مؤخرا انه كان طرفا في الانقلاب الذي وقع في المشيخة .