مدينة الشيخ زايد ... قاع المدينة الذي لم يعرفه عبدالله النويس
فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "


الذين يؤرخون للصحافة في " ابوظبي " بتكليف من  وزارة الاعلام او المجمع الثقافي او عبدالله النويس وزوجته لم يعيشوا في "قاع المدينة" وفي "الجحور" التي عاش فيها الصحفيون الذين اسسوا الصحافة الاماراتية لذا لم يكتبوا شيئا عن المعاناة التي عاشها هؤلاء واكتفوا بايراد احصاءات عن ارقام التوزيع والطبع وحجم المداخيل من الاعلانات عدا عن مقدار العطايا والمنح والهبات التي "رشها" الشيوخ على اصحاب الصحف.
الكتب التي ارخت للصحافة المصرية مثلا تناولت "حي الفجّالة" الذي كان شارع الصحافة في العشرينات من القرن الماضي وتوقفت طويلا امام مقاهي الحي التي كانت تستخدم كمكاتب للصحفيين والكتاب وعرّجت على الاحياء والحارات الفقيرة التي عاش فيها الصحفيون الذين وضعوا مداميك الصحافة المصرية واسسوا لها لا بل ان الكتابة عن بيرم التونسي مثلا دون الاشارة الى البراميل التي كان يدحرجها في الموانئ الفرنسية لتأمين لقمة العيش وتوصيل قصائده للصحف المصرية  لا يمكن ان يعتبر تأريخا دقيقا وموضوعيا وعادلا لان معاناة بيرم هي التي جعلته يبدع ويحلق على صفحات الجرائد التي كانت تصدر في باب اللوق والمحكمة المختلطة والفجالة .
في ابوظبي لم يكن كل الصحفيين يعيشون مثل عبدالله النويس وزوجته عبلة في قصر نياف ولم يكونوا كلهم يتمتعون بشقق مفروشة على الكورنيش مثل مصطفى شردي وعباس الطرابيلي وحمدي تمام وعيلبوني وتابعه مفيد مرعي  وليسوا كلهم اصحاب مدارس استثمارية وشركاء لعبدالله النويس فيها مثل ابراهيم العابد.


الصحفيون (العرب) الاوائل الذين اسسوا صحافة الشيخ زايد عاشوا في "عشش" لا تعيش فيها الجراذين في مناطق شعبية في زعاب والمناصير وغيرها وصحفيو جريدة الوحدة تحديدا "زربهم" راشد بن عويضة صاحب الجريدة في غرفة وصالة سبق ان وصفتها من قبل كانت في (خرابة) شعبية تقع قبالة قصر" المشرف" اسمها" مدينة زايد" الفئران فيها اكبر من الشيخ زايد نفسه.
في هذه الزريبة التي ندمت لاني لم اصورها عاش العشرات من الصحفيين وعلى ارضها تراكم الكبير والصغير ولم يكن فيها ماء ولا حمام لقضاء الحاجة ومطبخها حوّله سليمان نمر الى مشخة حيث ضبطه تاج الدين عبد الحق وهو يرتكب فعلته ... كان الشباب يضطرون الى قضاء الحاجة في "حمام الجريدة" في شارع الكترا وفي ايام الخميس والجمعة يتزاحم الشباب امام الحمام من اجل اخذ دوش بماء بارد او ساخن.
عندما تسلم "احمد نافع "العمل انزلوه في الايام الاولى في (مضيف) يتبع لشركات راشد بن عويضة اوجدوه لتوفير نفقات الفنادق
وبعد اسبوع من اقامة احمد نافع في هذا المضيف حلقوا له ونقلوه الى شقة لا ماء فيها ولا كهرباء شديدة الشبة بالزريبة التي يسكن فيها الصحفيون ولكنها تقع في " خرابة " ثانية تحمل ايضا اسم الشيخ زايد .
في الاسبوع الاول- وكان احمد نافع لا زال يتنعم فيه بالماء الساخن في المضيف الذي انزلوه فيه- ضبطنا نافع ونحن نستحم في الجريدة فاقام الدنيا واقعدها ونقل الخبر الى راشد بن عويضة بل وعلق مرسوما في صالة التحرير يحظر فيه على العاملين في الجريدة ان يستحموا او يشخوا في حمامتها وذهبت شكاوانا حول الظروف السيئة التي نعيش في زريبة الشيخ زايد ادراج الرياح فلا نافع قرأها واقتنع بها ولا راشد بن عويضة عرف بها .
ولكن بعد الاسبوع الاول لنافع في الزريبة التي نقلوه اليها وعندما دخل الحمام فلم يجد فيه ماء بدأ نافع يشعر بمأساتنا وان كان لم يجاهر بها فهو - على الاقل- يسكن في شقة.... أينعم لا ماء فيها ولكنها على الاقل بعيدة عن الجراذين ومعسكرات الفئران التي تزاحمنا السكن في الزريبة التي اقطعها لنا ابن الكلب راشد بن عويضة.
صحيح اننا التزمنا ظاهريا بالتعميم وصبرنا عليه يومين فقط لكن الصحيح ايضا اننا وضعنا خطة وجدولا وبرنامجا للاستحمام والتبول في مكاتب الجريدة بعد مراقبة الحركة حول العمارة لمنع اية (كبسة) قد يقوم بها احمد نافع او راشد بن عويضة.
قسمنا يوم الجمعة - وهو يوم العطلة الاسبوعية- الى فترات زمنية توزعناها بالتساوي وجاءت فترة الصباح البكير من نصيبي ونصيب وليد غزالة وتاج الدين عبد الحق ... وكانت هذه الفترة المبكرة من صباح الجمعة هي الانسب لنا لاننا على الاقل لن نفاجأ بكبسات راشد بن عويضة واحمد نافع فالاول يقضي ليله في السكر والعربدة وينام في النهار ... والثاني شرحه لذا توجهنا في الثامنة صباحا الى مقر الجريدة ونحن نحمل البشاكير والصابون والكلاسين لزوم الحموم ... ودخلنا مكاتب الجريدة دون ان نأخذ حذرنا لان احدا لن يحضر الى المكاتب في هذا الوقت حتى لو كان بائع الحليب.
ولكن.... لما دلفنا عبر الممر الى المكاتب وقبل ان نصل الى الحمام فتح الباب - باب الحمام- ليخرج منه احمد نافع وهو بالكلسون فقد كان - حضرته- يستحم تماما كما كنا نفعل نحن قبل ان يصدر حضرته فرمانا بالمنع وكانت دهشة احمد نافع من وجودنا تعادل دهشتنا من رؤيته بالكلسون( الحفر ) ... وكانت تلك الواقعة بداية لتفاهم اكبر بيننا وبين احمد نافع وزعنا خلالها الادوار والاوقات ليستحم الجميع بما فيهم احمد نافع وليشخوا في اي وقت يريدونه دون اذن من راشد بن عويضة.


كثيرا ما اقرأ هنا في امريكا عن حقوق الانسان ... وحقوق العمال ... وحق الموظف في ان يعيش بكرامة ... وان يتحمم بكرامة ... وان يشخ بكرامة ... ولم اكن يومها اعلم ان ما يرتكبه راشد بن عويضة بحقنا هو جريمة ... واستغلال ... وابتزاز ... وسطو على حقنا الشرعي في ان نعيش ونأكل وننام في اماكن خاصة بالبشر لا تزاحمهم فيها الجراذين ومع ذلك كنا نخرج الى العمل باخلاص فنصنع من (الوحدة) جريدة ومن الحمار الجاهل راشد بن عويضة عميدا لها نكتب مقالات وافتتاحيات نوقعها باسمه فينال هو الثناء من القراء الذين انطلت عليهم الحيلة وظنوا ان هذا الجاهل يحسن فك الخط ... وتركيبه وينال هو عطايا الشيوخ والسفارات واجهزة المخابرات .
كلنا عشنا هذه الظروف ومن استقل منا في سكن خاص - مثل محيي الدين اللاذقاني- لم يكن سكنه بأحسن حال فالتراب في الغرفة التي استأجرها اللاذقاني كان ينهال عليه من السقف وهو نائم وكنت ترى بالعين المجردة جراذين تركض تحت السرير او فوقه وتتلحف بالشراشف حتى تكاد لا تميزها عن محيي ولا تكاد تعرف من  الذي ينام في السرير ...  أهو محيي ام الجرذون الذي يسكن معه  ومثل ذلك نقوله عن الشقة التي سكنها "محمد مصباح حمدان" مع زوجته واولاده فعلى الرغم من انها كانت في الطابق الثاني من احدى العمارات المتهالكة الا اننا فوجئنا - في احدى الليالي- بوجود كتيبة من الجراذين تعسكر امام باب شقته الامر الذي وضعنا امام خيارين لا ثالث لهما .... فاما الغاء الزيارة .... او الدخول في معركة مع جراذين الشيخ زايد التي كان يصل وزن الواحد منها كذا رطل.


لم تكن هناك اية امتيازات على اي صعيد وفي اي مجال ولم تكن معنا عقود مكتوبة ولا ينص العقد الشفوي للعمل في مؤسسات راشد بن عويضة على اي نوع من انواع العلاج في حالة المرض او التعويض في حالة الاصابة خلال العمل او السفر خلال الاجازة بل لم يكن في عملنا اجازات ... وبدل ان نعمل عشر ساعات في اليوم - مثلا- كنا نعمل عشرين ساعة ليس حبا بالعمل ولكن لان البقاء في مكاتب الجريدة المكيفة والمزودة بحمام ومشخة هو قطعا افضل من قضاء الوقت في شقة (مدينة زايد)ولعل هذا الوضع الوظيفي هو الذي كان يشجع راشد بن عويضة على التعيين والتفنيش دون انذار مسبق وحسب المزاج وكانت نسبة " التفنيش " بين العاملين ترتفع عندما يأكل راشد بن عويضة علقة من احدى نسوانه او عندما يطب عليه شيخ في احدى السهرات الحمراء التي كانت تقام في قصر ولي العهد خليفة .
لم يقتصر هذا الوضع المأساوي على العاملين في جريدة الوحدة فالذين عملوا في جرائد الوثبة وصوت الامة عانوا الشيء ذاته وكانت الحالة تتفاوت بين جريدة وجريدة ... ولكن الظرف العام كان واحدا ... حياة قاسية في ظروف معيشية يشيب لها الجرذان وبمرتبات لا تكفي لشراء كلاسين( حفر ) لاحمد نافع..... اما " حسن قايد " الذي كان يومها يعمل في جريدة " صوت الامة " فقد رأيته متمددا فوق " المجلى " وبسبب قصر قامته كان ينام واقفا وفي مرات كثيرة كنا نبحث عنه في المكتب فنراه جالسا في سلة المهملات وقال لي "شاكر الجوهري" انه اضطر في احد الايام الى مطاردة قطة الجيران حتى نهاية الشارع ليسترد منها " حسن قايد " الذي خطفته القطة " الهبلة " ظنا منها انه من فصيلة الفئران .... وعلمت يوم امس من استاذ في جامعة الامارات ان " حسن قايد " اختفى منذ اسبوع ويظن انه سقط في" بالوعة" اثناء توجهه الى الكلية .
بصدور صحيفتي الخليج والبيان عام 1979 تغير الوضع المعاشي للصحفيين بسبب تنافس الصحف اليومية الثلاث الكبيرة على استقطاب موظفي جريدة الوحدة وكان السكن الملائم او التعويض المالي المناسب والكافي لاستئجار سكن مناسب هو اول شرط يضعه الشباب على المؤسسات التي ترغب باستخدامهم ... وهذا يفسر اقبال الشباب بعد عام 1979 وبشكل جماعي تقريبا على الزواج وتكوين اسر سعيدة تسكن في شقق مزودة بحمامات ومشخات مناسبة ... ويبدو ان الشباب خافوا من زوال هذه النعمة وسحب الشقق منهم لذا عملوا على الانجاب بالجملة .... ولا زلت اذكر اذكر اني وقبل ان اهاجر الى امريكا ذهبت مع اولادي لزيارة مدينة العين وتوديع الاصدقاء فيها وتوقفنا في حديقة الحيوان بعض الوقت وفيها رأيت " احمد محسن " وهو يتجول في الحديقة وفوق رأسه كمشة من الاولاد المتقاربين في السن علمت فيما بعد انهم اولاده .
مرحلة الزواج فرقت شملنا ولم نعد نلتقي الا بالصدفة ... او في الحدائق العامة ... لا بل ان "تاج الدين عبد الحق" قد تزوج سرا واخفى عنوان بيته عن باقي الشبة  حتى لا يزور ولا يزار ... ولم التق به وبزوجته الا قبل يومين من سفري الى امريكا مهاجرا عام 1985 وتم ذلك عن طريق الصدفة ايضا ... وفي منزل صديق ثالث سمعت انه - هو الاخر - خلف طابورا من الاولاد قبل ان يستقيل من العمل في ابو ظبي ويعود - غير آسف- الى بلده ولسان حاله يقول: لا كرامة لنبي الا في وطنه.
 

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا