صحافة السكسوكة والغليون والاعلام التربوي ... محيي الدين اللاذقاني نموذجا
فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "


* اذا كانت جريدة الوحدة قد فرّخت صحفيين انتفعت بهم لاحقا الصحف اليومية الثلاث الاتحاد والبيان والخليج فان الوحدة فرّخت ايضا
المخرجين الذين تولوا الاشراف الفني على الصحف المذكورة لا حقا وذلك قبل عصر الكمبيوتر وبرامج النشر المكتبي والصحفي التي ادخلتها الى الامارات جريدة (الفجر) وكان الفضل في ذلك يعود لعبيد المزروعي صاحب الجريدة ولشاب مواطن تولى ادارة التحرير هو محمد عبيد غباش المدير السابق لمجلة الازمنة العربية ومعهما طبعا محمد العكش المشرف الفني في الجريدة وأسامة عجاج المحرر فيها .


* ليس عجيبا ان تكون (الوحدة) هي المدرسة التي خرجت هؤلاء فمؤسسها "محمد محفوظ" فنان ورسام قبل ان يكون صحفيا و"لوغو" او " شعار " جريدة الخليج الذي تحمله الى يومنا هذا ( دفة الشراع او السفينة ) هو الذي صممه كما ان "محمد محفوظ" احسن اختيار العاملين معه في هذا الميدان وركز عليهم واعطاهم الفرصة للابتكار واطلق لهم العنان للابداع والتفنن فكان ان اكتشف " محمد العكش" كما ذكرنا من قبل طريقة كتابة مانشيتات الصفحة الاولى باستخدام حروف الملصقات بدلا من الاعتماد على الخطاطين.


* من الوحدة خرج "زهير وادي" الذي ترك بصماته على جريدة الوحدة ومطبوعاتها قبل ان يلتحق بعمل حكومي ويقوم باخراج مجلات ونشرات دورية عديدة كانت تصدر عن الوزارات والدوائر الحكومية ومن الوحدة خرج " محمد مختار " المخرج السوداني ومنها خرج مخرج ومحرر مجلة سلاح الجو .


* ومن الوحدة خرج "محمد الرمحي" الذي عرف في بداياته بلقب (ابو طعجة) ومن يعود الى ارشيف الوحدة - هذا اذا كان راشد بن عويضة يحتفظ بارشيفها- سيجد مئات الرسومات الكاريكاتيرية التي رسمها "محمد العكش" و"محمد محفوظ" والتي تصور فرن ابو طعجة ومخبز ابو طعجة وكراج ابو طعجة حيث تحول اللقب الى رمز يسقط عليه الصحفيون مشكلات " ابو ظبي "  ... وتمكن (ابو طعجة) من الانتفاع من كل هذه التيارات والمدارس والتجارب المحيطة به ليستقل باسلوبه الخاص الذي ابدع فيه بعد انتقاله الى جريدة الخليج ثم عند عودته الى الاردن للعمل في معظم الصحف الاردنية الى ان عاد مرة اخرى الى الامارات  والى دبي تحديدا حيث يعمل - كما علمت - في جريدة البيان .


هؤلاء انتفعوا من الفرص المتاحة التي وفرها لهم فنانون من طراز محمد محفوظ فظهرت ابداعاتهم وتميزت .... لكن " الوحدة " صنعت نجوما عن طريق " الحظ " او " الصدفة " وقد عرجت في مقالي السابق على نموذجين غير موهوبين هما " شوكت كتانة " و " سليمان نمر " .... الاول اصبح اهم شخصية في بلدية ابو ظبي .... والثاني اصبح اهم مستشار اعلامي في قصر الامير سلمان في الرياض ..... اما النموذج الثالث الذي سأتوقف عنده اليوم فقد كان هو الاخر محظوظا .... ولكنه كان ايضا موهوبا وهذا هو ما يفرقه عن شوكت كتانة وسليمان نمر .... واعني بذلك الصحافي الزميل " محي الدين اللاذقاني ".


* اذا اردنا ان نعود الى حكاية (الحظ) المقرون بالصدفة والذكاء بالنسبة لبعض الذين عملوا في جريدة (الوحدة) سنتوقف قطعا عند الكاتب والصحافي السوري محيي الدين اللاذقاني ونضيف على (الحظ) و (الذكاء) صفة اخرى وهي الطموح والمثابرة فمحيي الدين اللاذقاني وظف دائما وبذكاء الظروف السيئة المحيطة به  ليصعد فوقها الى منصب جديد ووظيفة جديدة ....ودعم محيي الدين اللاذقاني قفزاته بالمثابرة حيث وجد ان حرف" الدال " الذي يسبق الاسم يضيف اليه الكثير من" البرستيج" في ظل مجتمعات عربية يصبح فيها " دكتورا " شيخ جاهل لا يحسن القراءة وفك الحرف والنماذج كثيرة وتملأ مدن و مشيخات الساحل المتصالح وقصورها عداك عن مؤسسات صحافية وتربوية وثقافية يصل الى قيادتها الاكثر نصبا وليس الاكثر موهبة... فطار محيي الدين الى الاسكندرية وعاد منها بحرف "الدال" ولا ادري لماذا طار محيي الى الاسكندرية لهذا الغرض ففي بريطانيا جامعة تخصصت في منح شهادات الدكتوراة لشيوخ الخليج وهي جامعة " اكستر ".


* لم يكتف محيي الدين اللاذقاني بتوظيف " مواهبه " في الوصول الى مرتبة " مفكر " و " فيلسوف " وشاعر وناثر ومحاور تلفزيوني ومعارض سياسي ومحلل ومبرمج ومستشار و" تربوي " وانما وظف ايضا " شكله " ليتسق مع وظائفه المتعددة ...  فاطلق لحيته بل هي " سكسوكة " وفي المصطلح السعودي هي " عثنون " ... وحرص ان يتقارب عثنونه مع عثانين اصحاب جريدة الشرق الاوسط ... ومعها اطلق شعره الذي يزنر صلعته فصنع بذلك " كوكتيلا " من اينشتين وادونيس ... واختار اكبر غليون في الكرة الارضية من باب ان " الغلينة " من مواصفات المفكرين والفلاسفة والشعراء الكبار ومن يقارن بين صورتي محيي الدين وبينهما حوالي 25 سنة  يستطيع ان يفهم هذا " التطور " في شخصيته ... كما حفظ محيي "كم اسم"  على" كم عبارة" باللغة الانجليزية التي خرج من سوريا وهو يجهل ابجدياتها بسبب الضعف في المناهج المدرسية السورية والاهتمام اكثر باللغة الفرنسية .

المهم ... اكتملت لمحيي ادوات التفلسف والتنظير .. فأصبح فيلسوفا اراه كثيرا على شاشات التلفزيون في ندوات مخصصة للتنظير السياسي والفكري والايدلوجي والشعري والمطبخي  ففي الامسيات الشعرية  هو شاعر أهله " حرف الدال " - وليس شعره - لأن يجلس الى جانب محمود درويش واحمد عبد المعطي حجازي وادونيس .... وفي كتابة المقال هو" المعلم" ولا تصدر مقالاته هذه الايام الا في كتب فاخرة عن دار منير الريس للنشر ... وفي قعدات الصعلكة والسكر والنسوان هو في الطليعة دائما... ولعل هذا الباب  هو الذي اوصله الى حمارين سعوديين يصدران جريدة الشرق الاوسط في لندن... فاتخذا منه رفيق كاس وطاس وتوسما فيه ثقافة فعينوه رئيسا للقسم الثقافي في الجريدة .


* كثيرون لا يعرفون من هو" محي الدين اللاذقاني"   حتى من بين السوريين في بريطانيا وامريكا ومن يعرفه يناصبه العداء .... ففي عام 1990 طرت الى لندن بدعوة من مجلة سوراقيا - وصاحبها كما هو معروف سوري - لحضور حفل عام دعت اليه المجلة بمناسبة عيدها السنوي ... وعجبت لاني لم أجد محي الدين اللاذقاني بين الحضور كما لم أجد اسمه بين المدعوين فسألت صاحب المجلة عنه فرد علي بسيل من الشتائم صبها على رأس محيي .... الامر الذي جعلني اتصل به هاتفيا وادعوه بالنيابة ليس الى الحفل وانما الى الفندق الذي انزلتنا فيه المجلة على الاقل حتى يشرب " كاسا " على نفقة صاحب المجلة .


* وصل محيي الدين اللاذقاني الى ابوظبي في اواخر عام 1975 هاربا من "مطلقته" في مدينة حلب لعله يجد عملا في وزارة التربية والتعليم وظن محيي ان شهادة ليسانس اللغة العربية التي حصل عليها بصعوبة من جامعة حلب تكفيه للحصول على مهنة مدرس في وزارة التربية والتعليم ونقل محيي معه الى ابو ظبي بعض همومه الادبية والثقافية التي عانى منها في اوساط حلب الثقافية " الشللية التي سيطر عليها " التراشحة " .... كان الوسط الادبي والثقافي في حلب وسطا شلليلا طاردا لا يسهل اختراقه  وكانت ظروف محيي العائلية تزيد في ازمته وغربته وتحد من طموحه وتطلعاته فتخلص من هذا الواقع الحلبي بالهروب الى ابوظبي وتحديدا الى محطة (الوحدة) التي قلت في مستهل هذه المقالات انها كانت بمثابة "محطة انتظار" يتوقف فيها المرء الى ان تحين له فرصة افضل .... فيقتنصها .


* بدايات محيي اللاذقاني في ابوظبي لا تختلف عن بداياتي او بدايات اي من الشباب الذين عرجت على ذكرهم من قبل .... فقد تشاركنا في البدايات وفي الهموم وحتى بسيارة الفولكسفاجن  التي  ورثها عني.... لكن محيي تميز عن غيره بتمرده السريع على " محطة الانتظار " فنط منها الى وزارة التربية والتعليم ليس كمدرس " مثلي " وانما كمسئول عن " الاعلام التربوي " .


* بدأ  محيي عمله في جريدة الوحدة محررا للاخبار ثم انتقل الى مجلة الظفرة ... وسكن في منزل شعبي متهالك في (زعاب) ورش صورا عن شهاداته على عدد من الوزارات ونجح بعد عام واحد من وصوله الى ابوظبي في اقناع مسئول في وزارة التربية باستحداث قسم للاعلام التربوي وتعيينه في هذا القسم كمحرر لمجلة التربية و كمسئول عن القسم.


* لا يوجد في العملية التربوية شيء اسمه (الاعلام تربوي) ... هذه " نصبة " اطلقها بعض التربويين على سبيل الاسترزاق وتمكن محيي من اقناع احد المسئولين في الوزارة بوجود هذ " التخصص " وحتى يجعله امرا واقعا الف كتابا بعنوان (الاعلام التربوي) كله تخبيص في تخبيص حتى ان محيي نفسه لا يشير اليه في معرض التعريف عن نفسه ليس تواضعا وانما لانه يعلم ان هذه الكذبة لا يمكن بيعها وتسويقها الا في الامارات وفي اوساط شيوخها البهائم ورجال التربية فيها (الحمير)!!


* فجأة اصبح محيي الدين اللاذقاني منظرا تربويا يتحدث باسم وزارة التربية ويظهر مع الوزير ووكيل الوزارة في الاجتماعات ويطوف على المدارس ليفتش عليها ... اصبح محيي الدين اللاذقاني مفتشا ولسؤ الحظ اضعت مقالا طريفا كتبه محيي عن هذه الوظيفة " ساخرا " بعد ان طلقها بالثلاث ... او طلقته ... لا فرق .


* افضل من كتب عن مرحلة سيارة الفولكسفاجن ودائرة الاعلام التربوي هو محيي نفسه ... ففي زاوية بعنوان (قارب من ورق) نشرها في جريدة الوحدة تحدث اللاذقاني عن السيارة وبعد ان طلق العمل التربوي او طلقه - لا ادري- كتب مقالا جميلا سخر فيه من المرحلة (التربوية) التي خاضها والتي اوصلته الى وظيفة (مفتش) وهي وظيفة اوجدها النظام التعليمي المصري ومنحها لعواجيز يعطيهم النظام صلاحية ارهاب المدرسين ... واقتحام فصولهم بشكل مفاجئ للتفتيش عليهم ... وكتابة تقارير عنهم قد تؤثر على مستقبل المدرس فتطرده من مهنته ... او ترقيه الى وظيفة مفتش وهكذا دواليك.(انقر على المقال لتكبيره)


* محيي الدين اللاذقاني اصبح اذن مفتشا في وزارة التربية والتعليم وقد ساعدته سكسوكته وصلعته على تقمص برستيج الوظيفة  التي من ضمن مهامها ارهاب المدرسين ولا زلت اذكر يوم جاء محيي الى مدينة العين لزيارتي - وكنت يومها اعمل في كلية زايد الاول- حيث قامت المدرسة ولم تقعد لان مفتشا من الوزارة جاء الى المدرسة كي يفتش عليها - او هكذا فهم ناظر المدرسة - مع ان زيارة محيي لم تكن رسمية ولم يكن مدير المنطقة التعليمة محفوظ شديد يعلم بها وانما كانت زيارة خاصة لها علاقة بالتعريص المنتشر انذاك في مدينة العين وبالتحديد في " سكة الخيل " فقد سمع محيي ان في مدينة العين كرخانة او محل للبغاء يعرف باسم (سكة الخيل) فجاء ليفتش عنها  وتوسم فيّ خيرا ان اكون دليله اليها لاننا اصدقاء والمثل يقول الصديق وقت الضيق ولانه علم اني فرزت يومها لاجراء احصاء في المنطقة التي تقع فيها " سكة الخيل " ولما اعتذرت اليه واخبرته ان معظم طلاب المدرسة من رواد " سكة الخيل " واني شاركت رسميا في احصاء العاملات فيها يوم اجرت الامارات احصاء للسكان عام 1977 وان مكانها في " الصناعية " وهي منطقة مخصصة للكراجات وورش تصليح السيارات ومعظم زبائن السكة من الطلبة ...والهنود والباتان .... غادر محيي المدرسة على عجل الى " الصناعية " وبصحبته الصحفي السوري فوزي المغربي الذي عمل في جريدة الوحدة قبل ان يتولى الاشراف على اصدار مجلة " تراث وفنون " في دبي .... وأخبرني فوزي لاحقا انهما عادا الى ابو ظبي بمرض جنسي التقطاه من مومس ايرانية كانت يومها " مناوبة " في السكة ... وقد دخل عليها الاثنان بعد ان انتظرا " على الدور " لان عشرة من الهنود والباتان كانوا قد سبقوهما الى " السكة " التي تعمل وفقا للنظام الامريكي First come First serve


* قبلها بعام وقبل ان يسطو محيي على مهنة (المفتش) وخلال اجازتي التي كنت اقضيها في القاهرة بعث محيي اليّ برسالة يطلب فيها ان استضيفه في شقتي ريثما يؤمن سكنا في القاهرة فقد قرر هو ايضا ان يصّيف مثلي في قاهرة المعز وكانت تلك اول زيارة لي لعاصمة عمرو بن العاص واكتشفت انها - ايضا- كانت زيارته الاولى.( انقر على صورة الرسالة لتكبيرها).
ذهبت الى المطار وانتظرت وصول طائرته القادمة من ابوظبي لاساعده في حمل حقائبه ولشدة دهشتي رأيت محيي خارجا من الصالة وهو يدفش امامه عربة فيها اربع زجاجات ويسكي وكيس.... ولم تكن معه اية حقائب ... وكان هذا هو كل "عفشه"!!


* كنت قد سبقت محيي الى القاهرة بشهر تقريبا وكنت خلال هذا الشهر قد نجحت في استئجار شقة مفروشه في شارع شامبليون ساعدني على استئجارها الزميل " منير عامر " الذي عمل في جريدة الفجر مع محمود السعدني لمدة شهر واحد فقط قبل ان يهرب بجلده من " ابو ظبي " ويعود الى " صباح الخير "... شقتي هذه التي استأجرتها " مفروشة من اللواء المتقاعد عصام الشلقاني عم زوجة عادل امام" في شارع " شامبليون " قرب " دار القضاء العالي " وسط القاهرة تحولت الى "فندق" نزل فيه العشرات من الكتاب والادباء والصحفيين العرب الذين لم يجدوا مكانا للسكن في القاهرة اذكر منهم  بدر عبد الحق وسليمان نمر وفايز محمود ومحمد ضمرة وسعادة سوداح وفاروق وادي ... وانتهاء بمحيي الدين اللاذقاني وخلال ساعات النهار كان يتوقف في الشقة للمسامرة والمشاجرة كل من امل دنقل واحمد فؤاد نجم وزوجته عزة بلبع وعبدو جبير وباسمة حلاوة وزوجها الشاعر زين العابدين فؤاد والعشرات من الكتاب والصحفيين العرب عداك عن الزملاء الهاربين من حر ابوظبي مثل محيي الدين اللاذقاني.


* وفي القاهرة قدمت محيي الدين اللاذقاني للشاعر احمد فؤاد نجم حين اصطحبته الى " حوش قدم " كما عرفته على عبده جبير وامل دنقل و (فزعت) بين الاثنين - بين محيي وأمل - بعد تلاسن وقع بينهما في الشقة ولم يصل التلاسن الى الدرجة التي وصل اليها حين وقع بين امل دنقل ومحمد ضمرة ... والذي عرجت عليه بالتفصيل الممل في مقال سابق .... كنت انذاك قد شرعت باجراء مقابلات صحفية مع رموز المعارضة المصرية وكان احمد فؤاد نجم قد قدمني الى بعضهم( انقر على صورة رسالة نجم لتكبيرها ).


* بعد لفة تعريفية على معالم القاهرة والصعود معا الى جوف الهرم الاكبر اخبرني محيي انه عثر على سكن مفروش ورخيص عند السيدة" سعدية" في الازبكية وانه سينتقل للاقامة فيه يوم غد ... ودعاني الى زيارته في شقته الجديدة فلبيت الدعوة مع ثلاثة اصدقاء ليسوا من الوسط الصحافي لاكتشف ان السيدة سعدية العجوز الشمطاء البالغة من العمر اكثر من سبعين عاما  لم تكن في حقيقة الامر اكثر من" قوّادة" حولت شقتها الى وكر لاصطياد الزبائن ولم يكن محيي على اي حال زبونا فقد اكتشفت انه (طبق) العجوز وانه كان "يدق" بها في مقابل ان يقيم في شقتها مجانا ... ولما اخذت عليه هذا الامر واعربت له عن "قرفي" من شكل العجوز الشمطاء سعدية التي تجلس الى جانبه على السرير بقميص نوم تظهر من خلاله عظامها التي اكل عليها الدهر وشرب- وكان محي يومها في السادسة والعشرين من العمر - فقع محيي الدين من الضحك وشفط رشفة من زجاجة الويسكي وقبل سعدية من رقبتها قبل ان يقول لي : انت حمار وما بتفهم بالنسوان !!
"كركتر" محيي الدين اللاذقاني فريد من نوعه ويمكن ان اكتب عنه مئات الصفحات لطرافته ولانه يعكس بحق صورة كوميدية عن الوسط الثقافي والصحافي العربي .... بخاصة ذلك الوسط الذي افرزته الفورة " النفطية " سواء في دول الخليج او في صحافة الخليج المهاجرة الى اوروبا ... ومع ان كل الذين التقوا بمحيي الدين خاصموه او عادوه او شتموه حتى انه يندر ان تجد له صديقا من زملاءه القدامى في جريدة الوحدة وفي (الاعلام التربوي) وفي مقاهي حلب " الادبية ".... الا اني الوحيد ممن عرفوه في ايامه الاولى في ابوظبي الذي حرص على ابقاء حبل الود والزمالة به قائما حتى بعد ان انتقل محيي الى لندن ليصبح فيها فيلسوفا.... ولم احرص على هذه العلاقة بمحيي طمعا بوظيفة - فقد كنت يومها اشغل في مكتبي في هيوستون خمسة عشر موظفا منهم قنصل سابق لسوريا في قطر -  وانما لاني احببت فيه هذا التميز في الشخصية والتفرد بالكركتر الذي اختاره لنفسه ....  ولا زلت اموت بالفشخرة الكذابة التي يظهرها محيي للجميع بما فيهم الداعي ناسيا او متناسيا اننا ( دافنينه سوا) .


*
الامر الذي يثير دهشتي ولا اجد له تفسيرا هو ان معظم لقاءاتي بمحيي الدين اللاذقاني بعد ان هاجر هو الى لندن وهاجرت انا الى امريكا تتم عن طريق الصدفة .... فبعد سنوات طويلة من الفراق طرت في مهمة عمل سريعة الى لندن وقررت في ليلة الوصول  ان "اقزدر" في "بيكاديلي سيركس " المزدحم بألوف الناس حول الركن الذي يجمع الرسامين المتجولين فأذا بي اجد محيي اللاذقاني هناك مقرفصا - مع ابنة زوجته - امام احد الرسامين  ... ومرة - بعد سنوات من ذلك التاريخ- اصابني الارق في منتصف الليل خلال احدى زياراتي الى لندن فخرجت من الفندق الذي كنت انزل فيه في شارع اكسفورد لاجد امامي على الجهة المقابلة من الشارع محيي الدين اللاذقاني يقف في البرد القارص منتظرا سيارة في  ولم يكن يقف في الشارع في تلك الساعة من الليل الا انا .... وهو !! فاثرت ان اتركه في حاله بخاصة وانه لم يعرفني لاني كنت ملثما من شدة البرد.
الا ان قمة الصدف وقعت قبل  خمس سنوات ولا  اجد لها تفسيرا .... فقد توقفت في القاهرة " ترانزيت " خلال مهمة عمل صحفية وزرت خلال توقفي صديقا مصريا اخذني معه الى فندق الشيراتون " ليعشيني " ولما لم نجد مكانا نجلس فيه انتقلنا الى "الهيلتون" لنجده مزدحما بالاعراس فاخذني الصديق الى فندق "مريديان" وما كدت اجلس في قاعة الاستقبال واطلب فنجان قهوة حتى وجدت محيي الدين اللاذقاني امامي .... كانت مفاجأة جديدة وغير متوقعة.... فأنا قادم من امريكا " ترانزيت " وهو قادم من بريطانيا .... وقد تنقلت ليلتها بين ثلاثة فنادق لاجد امامي محيي الدين اللاذقاني الذي لم اكن قد رأيته منذ سبع سنوات .


8
مشى محيي باتجاهي مسلما بأطراف اصابعه على غير عادته وكأننا افترقنا منذ يوم امس فقط  وليس منذ سبع سنوات ... وعمل امامي وامام صديقي المصري المرافق لي " حبتين لطافة " - على حد تعبير الاخوة المصريين- فاخبرني بانه مدعو من قبل وزارة الثقافة المصرية لالقاء محاضرة في المهرجان المرافق لمعرض الكتاب واشتكى من الخدمة في فندق المريديان ووصفها بأنها " رابش " ولا تعجبه ولما وجد ان الامر لا يعنيني نظر في ساعته كأي رجل اعمال خطير واشتكى من تأخر سمير الذي وعد ان يحضر الى الفندق ليغير له الغرفة ..... ولما وجد محيي اني تجاهلت الحكاية ولم اسأله عن " سمير " هذا  ....  سارع الى التوضيح بأسلوب استعراضي مسرحي على طريقة الفنان المسرحي الكوميدي محمد نجم قائلا :  ( سمير ) .... سمير يا راجل ..... سمير سرحان يا راجل ... وكرر اسم سمير سرحان على غرار " شفيق يا راجل " لعله يلفت نظر مرافقي - وهو مصري ولم يكن من الوسط الصحافي وبالتالي لا يعرف من هو سمير سرحان - ... وسمير سرحان - لمن لا يعرفه - و الذي يريد محيي ان يوهمني انه يشتغل له " مشهلاتي "  في القاهرة هو اكبر موظف في وزارة الثقافة المصرية وهو رئيس هيئة الكتاب المشرفة على المعرض!


الاطرف من هذا اني قرأت في اليوم التالي وفي جريدة " الميدان " القاهرية  مقالا لمدير التحرير " سعيد عبد الخالق " يهاجم فيه سمير سرحان لانه يدعو على نفقة الدولة شاعرا " ركيكا " ومن انصار " رفعت الاسد " !!  ويضيف " هل تعلمون ما حدث مع الكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني والذي يقيم في المنفى بالعاصمة البريطانية لندن باعتباره من انصار العقيد رفعت الاسد شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ومعارضا للنظام السوري الحالي ؟ تبين ان مولانا سمير سرحان اعتاد استضافة هذا الشاعر او الكاتب السوري خلال انعقاد معرض الكتاب في السنوات الاخيرة وفي هذا العام كافأه سمير سرحان على قصيدته ام على اي شيء اخر  الله اعلم ... ونظم لقاء فكريا للشاعر اللاذقاني في المقهى الثقافي وحضره سمير سرحان بنفسه ... المهم لم يتحدث اللاذقاني عن مسيرته الشعرية لانه حقيقة بدون مسيرة شعرية ولم يؤلف سوى ديوان " اغنية خارج السرب "..... الى ان يقول :" ثم اصطحب سمير سرحان الاخ اللاذقاني في جولة بين اجنحة المعرض بعد انتهاء اللقاء الفكري دعاه الى الجلوس فوق المنصة في امسية شعرية اخرى واصبح اللاذقاني هو المفكر والشاعر والكاتب الوحيد في عزبة مولانا سمير سرحان وتصدرت صورته - اي اللاذقاني - احد اغلفة النشرة اليومية التي يصدرها المركز الاعلامي بالهيئة العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة ".( انقر على صورة المقال لتكبيره ).
مقال " سعيد عبد الخالق " عن محيي الدين اللاذقاني لفت نظري الى حكاية جديدة لم اعهدها بمحيي وهي حكاية انه معارض سوري من انصار رفعت الاسد ... وهذه بحد ذاتها نكتة لان محيي لم يكن يوما معارضا وهروبه من سوريا ارتبط بخلافه مع مطلقته ولا زال ابنه منها في حلب بل وارتبط محيي بعد ذلك بسيدة سورية لحقت به من حلب وهي ابنة مسئول كبير في حزب البعث( فرع حلب ) ... ولا اظن ان محيي من الغباء بحيث يربط اسمه بمجرم مثل رفعت الاسد ارتكب اكثر من مجزرة في حماة وحلب وتدمر وان كنت اظن ان محيي اقتنص فرصة العمل في فضائية سومر ابن رفعت الاسد( الذي ننشر صورته الى يمين هذا الكلام ) واظنه كان سيعمل في اية فضائية حتى لو كان صاحبها مصطفى طلاس نفسه .... الم يعمل محيي مع " احمد صالحين الهوني " المتهم بالقبض من مخابرات القذافي ومن الشيخ الفاسي ؟ ... ثم انتقل الى العمل في جريدة " صوت الكويت " التي صدرت في لندن بعد الاجتياح العراقي للكويت ... ومنها نط الى الشرق الاوسط السعودية ... وهو الان يقدم برنامجا في فضائية سومر رفعت الاسد فاين " التناسق " في هذه الولاءات وكيف يمكن " لمعارض سوري " ان يحمل اربع بطيخات في يد واحدة ومنها بطيخة  عميل المخابرات الليبية" احمد صالحين الهوني " التي تحتاج وحدها الى عشرة اياد ... وكسور !!


* مرحلة (المفتش) في " الاعلام التربوي " اذن انتهت ولا اعرف سببا لها واغلب الظن ان وزارة التربية هي  التي انهت هذه المرحلة لان محيي لا يمكن ان يتخلى عن مركز كهذا بسهولة ... ويبدو ان توقعاتي كانت صحيحة فوزارة التربية آلت انذاك الى وزير جديد اسمه" سعيد سلمان" كان مثل محيي قد تطفل على العمل التربوي وظن انه علاّمة في هذا الميدان فقلب الوزارة رأسا على عقب ويبدو ان ادارة الاعلام التربوي التي كان يترأسها محيي (طاحت) بين الارجل ... فاستقال محيي من عمله او طرد - لا فرق- وانفض السامر.


* كان الوسط الصحافي في الامارات قد تغير ولم يعد بامكان محيي الدين اللاذقاني ان يعود الى جرائد الوحدة او الفجر او الاتحاد بشروط العمل القديمة ولن يكون بامكانه ان يحصل على شروط جديدة افضل ووجد ضالته في مشروع بدأه" حبيب الصايغ" وهو مشروع مجلة (اوراق) التي اصدرها الصايغ في لندن حين دخل الصايغ في اتفاق (رشوة) مع عبدالله النويس وكيل وزارة الاعلام في الامارات وزوج عبلة النويس كما ذكرت من قبل يسمح له بادخال المجلة الى الامارات لاحقا ولم يكن امام محيي اللاذقاني من خيار ومن عرض افضل رغم انه اعلم الناس ان حبيب الصايغ هذا نصاب وحرامي لكن محيي وازن بين معادلات الربح والخسارة فوجد ان اقامته في لندن على المدى البعيد قد تكون افضل له ومجلة " اوراق " هي البداية التي يمكن ان "يعكز" عليها في بريطانيا الى ان " يفرجها ربنا " وكانت مشكلة اللغة الانجليزية بالنسبة له هي المشكلة الرئيسية لانه لم يكن يعرف منها الا " غوود مورنغ " و " غوود نايت " فحلها بسرعة بدخول دورة محو امية انجليزية في احد معاهد ابو ظبي الخاصة وخرج من المعهد بعد اسبوعين وهو يحفظ  بعض الكلمات والعبارات التي يمكن ان تساعده في المطار والفندق ووسائل النقل والمطاعم  قبل ان يطير الى لندن ليصبح فيها " مستر محيو".
وكما هو متوقع اكل محيي خازوقا على يد حبيب الصايغ خلال الاسابيع الاولى من العمل ولم يقبض من هذا اللص مليما واحدا واخبرني" محيو " لاحقا انه حسم خلافه مع الصايغ بلكمة قوية تركت علامة بارزة في " بوز " حبيب الصايغ ... وشاركه في اكل الخازوق الشاعر البحراني "سيف الرحبي "لذي اكتشف هو الاخر انه كان يعمل في مجلة حبيب الصايغ مجانا " سخرة "  في الوقت نفسه الذي بدأ فيه حبيب الصايغ مرحلة كتابة قصائد المديح المطولة في ولي عهد ابو ظبي الشيخ خليفة والتي قبض مقابلها " شوية وشويات".


* كان محيي - كما قلت- يتوقع الخازوق لذا رتب اموره مع بغل ليبي يصدر جريدة يومية في لندن تمولها المخابرات الليبية وهي جريدة" العرب" فدخل اللاذقاني على الجريدة من اوسع ابوابها بصفته مفكرا وفيلسوا وشاعرا (ولم يذكر ايضا انه مفتش وتربوي لان هذه المرحلة كما قلت سقطت بسقوط دائرة الاعلام التربوي) ولان "احمد صالحين الهوني" صاحب جريدة العرب كان من نفس فصيلة محيي-  فهو ضخم الجثة ويظن انه فيلسوف ويطلق على نفسه لقب (عميد الصحفيين العرب في بريطانيا) وهو لقب سطا عليه بالقوة ولا يناديه به الا المنتفعون منه ... فقد استأنس " الهوني " الى الموظف الجديد واطمأن الى سكسوكته وغليونه فمكنه من زاوية يومية وظفها محيي بذكاء للقفز لاحقا الى جريدة " الشرق الاوسط ".


* عن طريق الصدفة ايضا وخلال زيارة لي الى لندن للاتفاق على توزيع " عرب تايمز " فيها مع احدى شركات التوزيع  التقيت بمحيي في شارع " اجوار روود " فدعاني الى زيارته في جريدة العرب حيث يعمل  ولسبب اجهله وعلى غير عادته اخذني محيي معه الى مطعم انجليزي معروف في وسط لندن يتم الدخول اليه بموجب عضوية خاصة و"عشاني" فيه وسمعته يقول للجرسون ... كوم come ... جوgo ... ياسyes  ... اسيكوزميexcuse me ... فادركت السر في هذه " العزومة " اذ يبدو ان محيي اراد ان يقول لي انه اصبح  ضليعا باللغة الانجليزية واصبح من حقه ان يستشهد في مقالاته ومحاضراته وقصائده برموز الادب الانجليزي والامريكي موهما القراء انه يقرأ لهؤلاء بلغتهم الاصلية ( الانجليزية ) ولماذا لا يفعل ذلك وهو يعرف كلمة excuse me ويلفظها بلهجة حلبية فصحى ( واسألوا اسامة ).


* وجاءت حرب الخليج الثانية وكانت تلك فرصة اللاذقاني التي لا تعوض لمغادرة سفينة جريدة المخابرات الليبية الى  سفينة جريدة المخابرات الكويتية بعد ان ادرك محيي بانفه الذي لا يخطئ ان العراق سيخسر المواجهة لان الدنانير الكويتية كانت اكثر اقناعا ... فالتحق - اولا- بجريدة (صوت الكويت) التي ظهرت في لندن خلال الحرب ... ثم غادرها - بعد التحرير- الى جريدة الشرق الاوسط محررا ثم رئيسا للقسم الثقافي ثم منظرا ثم اصبح "عامودا " من اعمدة الجريدة ثم مقدما لبرنامج تلفزيوني معارض في محطة لا يصل بثها الى امريكا ولكن السوريين يقولون ان صاحبها هو "سومر الاسد" ابن مجرم الحرب وبطل مجزرة حماه " رفعت الاسد" وان المحطة انشئت بأموال سرقها رفعت الاسد قبل ان يهرب من سوريا .
وبين هذه المرحلة وتلك حصل محيي على حرف الدال من الاسكندرية فاصبح دكتورا لا يدخل في مواجهات وحوارات الا مع الكبار فيعارض - مثلا- ادونيس لان ادونيس في رأيه " تجاهل في اطروحاته الافق اللازوردي لقصيدة الايحاء الوجودي الذي يتمترس خلف ذاكرة الحاضر ورحم المستقبل وطيز الماضي" ... الى آخر هذا الكلام الذي اسمعه من محيي فاشخ من الضحك واعود اشخ واظل اشخ الى حين .

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا