شوكت كتانة وسليمان نمر
فصل من كتاب د. أسامة فوزي " عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان "


* لا يمكن الحديث عن جريدة (الوحدة ) دون التوقف عند المجلات التي صدرت عنها مثل (الظفرة) و (هي) ودون التوقف ايضا عند بعض الاسماء التي عملت في هذه الجريدة لمدة قصيرة لكنها كانت كافية حتى ينطلق منها هؤلاء ويحققوا نجاحا في المجالات التي اختاروها مستفيدين من (الحظ) و (المصادفة) و القليل من الذكاء ... والكثير الكثير من الدهاء.


* من المؤكد اني عنيت "سليمان نمر" و" محمد الرمحي" و"محيي الدين اللاذقاني" و"احمد محسن" و"شوكت كتانة" الذين دخلوا الى المهنة عن طريق الصدفة وبالكثير من (الحظ) اصبحوا اعلاما في الوظائف التي يشغلونها الان.
الصحفيون الخمسة عملوا في جريدة الوحدة في فترة واحدة تقريبا وهي مرحلة ما بين الصدور عام 1973 والى عام 1978 والحديث عنهم وحده لا يكفي لان الحديث عن الوضع السكني والمعاشي لهم ايضا في تلك الفترة او المرحلة هو جزأ لا يتجزأ من تراث جريدة الوحدة ومخلفاتها وهو تراث لم يعرفه حيوان مثل "عبدالله النويس" وشلة التافهين الذين يزورون هذه الايام في تاريخ الصحافة الاماراتية وجغرافيتها ايضا.


* اصدار "الظفرة" كمجلة اسبوعية و "هي" كمجلة نسائية لم يكن الا استكمالا للشكل او طلبا للبريستيج الذي حاول "راشد بن عويضة" ان يصنعه لنفسه وقد صدر العدد الاول من "الظفرة" في 26 يناير كانون ثاني عام 1974 ولا زالت تصدر الى اليوم وتناوب على تحريرها العشرات كنت واحدا منهم وسلمت في عام 1977 (الراية) لشاب فلسطيني فلاح جاء الى ابوظبي للعمل في اية وظيفة متوفرة حتى ولو كانت وظيفة سائق باص وقاده حظه(اللي بيفلق الصخر) الى جريدة الوحدة ومنها الى (الظفرة) ومنها الى بلدية ابوظبي ليصبح الرجل الثاني في البلدية بعد رئيسها الشيخ محمد بن بطي حيث لا تنشر البلدية اعلانا او تصدرا رخصة  الا اذا قبض "شوكت كتانة" - وهذا هو اسمه - عمولته..... وقبل ان اغادر الامارات عام 1986 التقيته مصادفة في مكتب جريدة البيان في ابوظبي.... كان يحمل الى المكتب اعلانات حصل عليها من احدى الشركات التي لها مصلحة مع البلدية وكانت العمولة على هذه الاعلانات كبيرة جدا ولما سالته عن احواله المادية اخبرني انه بنى عدة عمارات وفيلل في مدينة طولكرم وان الحال عال العال.


* كيف لعب الحظ مع الصحافي الذي لا علاقة له بالصحافة" شوكت كتانة" فحوله الى " شيخ " والى مليونير والى صاحب كلمة لا ترد في مشيخة ابو ظبي ؟
كانت وزارة الاوقاف ترسل كل عام بعثة الى الحج تشرك فيها مندوبا عن كل جريدة حتى يكتب عن عمل البعثة وينشر صور المسئولين فيها وكنا في جريدة الوحدة نتهرب من بعثات الحج والعمرة لان العائد المادي منها قليل عدا عن العائد الترفيهي ونتسابق على الرحلات المرافقة للشيخ  زايد ورحلات الوزراء لان العائد المادي (محرز) ولان رحلات الشيخ الى اوروبا والدول العربية وايران والهند والباكستان وتركيا كلها رحلات ونس ونسوان وتعريص مع انها كانت تخرج من ابوظبي تحت شعار (زيارة رسمية) هدفها دائما (توطيد اواصر المودة والتعاون بين شعب الامارات والشعب الذي نزوره) ووفقا للزملاء الذين رافقوا  الشيخ زايد في رحلاته الرسمية الى باكستان مثلا فان الشيخ كان يفتض بالليلة الواحدة عدة بكارات لبنات تقل اعمارهن عن 14 سنة يحضرهن اليه شخص باكستاني اسمه (عابدي) اصبح فيما بعد مديرا لبنك الاعتماد والتجارة بطل فضيحة النصب والاحتيال المعروفة وكانت الشيخة فاطمة وخالها يشرفان على حكاية النسوان هذه ( انقر هنا لقراة المزيد عن دور الشيخة فاطمة وخالها الايراني ).

بعثة الحج لعام 1976 كانت برئاسة الشيخ محمد بن بطي رئيس البلدية وشوكت كتانة هو الذي (لبّسه) الشباب هذه الزيارة حتى يخرج من قائمة الانتظار و (الدور) لتكون الزيارة القادمة من حظ زميل اخر وغالبا ما ستكون مرافقة للشيخ زايد في احدى رحلاته (الرسمية) التي يقوم بها (لتوطيد اواصر المحبة والتعاون بين شعب الامارات و.....الخ)  .
في عز دين الطواف حول الكعبة التقى "شوكت كتانة" الذي كان يطوف خلف "الشيخ محمد بن بطي" بامه وابيه اللذين كانا يحجان ايضا ... شوكت زعم ان اللقاء تم مصادفة ... وسائر الزملاء اكدوا انها خطة ذكية وضعها شوكت كتانة ونفذها ابواه باقتدار .
احتضنت الام ابنها شوكت بين الحجيج وهات يا بوس و دعاء..... فتوقفت بعثة الامارات عن الطواف وهي مصابة بالذهول من هذه (الصدفة) بخاصة وان عدد الذين يطوفون يومها زاد عن المليون  ... ونطت ام شوكت على اكتاف الشيخ محمد بن بطي فقرأت عليها سورة الكرسي وسورة الوسواس الخناس وسورة العاديات وبوست الرجل واخبرته ان الله سبحانه وتعالى اراد لها ان تلتقي به(صدفة) حول الكعبة المشرفة بين هذه الملايين لتوصيه على ابنها وفلذة كبدها شوكت وان هذا يؤكد ان شوكت (مبروك) و(مرفوع عنه الحجاب).... واكمل شوكت السيناريو فانهمرت دموعه الحارة على وجنتيه الجميلتين وركع على ركبتيه شاكرا الله و ومحمد بن بطي .... ونادى امه بصوت جهوري :" اماه ... ماما ... يمه .... أمي ... ماي ماذر .... قبل ان يتحول الى الشيخ محمد بن بطي فيتعلق بدشداشته وهو يقول : انت بابا وانت ماما وانت انور وجدي ....) وتحول طواف البعثة الاماراتية حول الكعبة الى فصل درامي من فصول مسرحية (رزق الهبل على المجانين).
عادت البعثة من الحج وصدر قرار بتعيين "شوكت كتانة" مديرا عاما للعلاقات العامة والاعلام في بلدية ابوظبي ... ومن يومها تحول هذا الولد القروي الساذج الى شيخ ومليونير وشرب الشيخ الجاهل محمد بن بطي المقلب ... وبسبب جهله وتياسته وسذاجته صدق الحكاية التي خطط لها "شوكت كتانة" بذكاء كبير وقامت امه الفلاحة البسيطة بدور" أمينة رزق " على اكمل وجه بل وقيل لي ان الشيخ محمد بن بطي اوصى بان لا يغسله بعد موته وان لا يحشو القطن في طيزه قبل دفنه الا" شوكت كتانة".
حكاية مجلة (هي) النسائية الاسبوعية التي صدرت عن جريدة الوحدة عام 1975 تختلف عن حكاية مجلة (الظفرة) ولا تقل عنها طرافة فالمجلة تعتبر ثاني مجلة نسائية تصدر في تاريخ دولة الامارات اذ لم يسبقها الا مجلة (العهد الجديد) التي صدرت عن الجمعية النسائية في ام القيوين اما مجلة (زهرة الخليج) التي صدرت عن جريدة الاتحاد وترأستها عبلة النويس والتي تعتبر الان اهم المجلات النسائية العربية فقد صدرت بعد مجلة " هي " باربع سنوات كاملة حيث صدر عددها الاول في 31 مارس آذار عام 1979 .
صدرت (هي) اولا باسم (سمراء) واشرفت على اصدارها الصحافية المصرية "منى غباشي" التي كانت تعمل في جريدة الوحدة وهي اول صحفية عربية تعمل في الامارات ... ولم يصدر من مجلة "هي " باسم (سمراء) الا عددا واحدا قدمه "راشد بن عويضة" الى الشيخة فاطمة ليشحد عليه لعل وعسى ولما لم ترد الشيخة عليه امر راشد بن عويضة بايقاف المجلة عن الصدور توفيرا للتكاليف.... لكنه عاد فأصدرها بعد ان علم ان جريدة الاتحاد بصدد اصدار مجلة نسائية فتعاقد راشد بن عويضة مع صحافية مصرية اسمها "سوزان عبدالله" كانت تعمل في "اخبار اليوم" واصدرت سوزان في منتصف عام 1978 العدد الاول من المجلة بعد ان اقنعت راشد بن عويضة باستبدال الاسم الى (هي) بدلا من (سمراء) وظلت هي تصدر متقطعة كالعادة وبمستوى تحريري وفني متواضع يتناسب مع الامكانات الهزيلة التي خصصها راشد بن عويضة لها والذي كان ولا يزال يعتقد ان موظفا واحدا يكفي لاصدار المجلة لذا طرد "سوزان" واستبدلها بفتاة اماراتية مبتدئة لا علاقة لها بالعمل الصحافي اسمها "مريم الكراني" ثم تعاقد مع الصحافية الفلسطينية "انشراح الجرجاوي" بعد ان اكتشف ان (مريم) لا تحسن فك الخط ولم يتمكن يومها من اقناع الصحافية التونسية "خيرة الشيباني" من العمل فيها مع ان خيرة التحقت في ايامها الاولى في ابوظبي بجريدة الوحدة وكانت خيرة هي الصحافية الثانية - بعد منى غباشي- التي تعمل في الصحافة الاماراتية وكانت الثالثة الصحافية المصرية "عزة علي عزت" التي عملت كسكرتير تحرير في جريدة الوثبة قبل ان تنتقل الى الاتحاد لتصدر العدد الاول من (زهرة الخليج) في 31 مارس آذار عام 1979 ويمكن القول ان (عزة) هي التي رسمت ملامح (زهرة الخليج) التي حافظت المجلة عليها حتى اليوم وعرفت بها.


*
في هذه الفترة التحق (سليمان نمر) بالعمل في جريدة الوحدة ووفقا لما علمته فان تشغيله في الوحدة كان بهدف فرزه لاحقا للعمل في
(الظفرة) او (هي) وحكاية سليمان نمر لا تقل طرافة عن حكاية شوكت كتانة وتثبت ان الحظ بيفلق الصخر وان الكفاءة ليست دائما هي المعيار للنجاح في مشيخات الخليج فالحظ اولا والحظ ثانيا والحظ ثالثا ثم الكثير الكثير الكثير الكثير من الدهاء و الدجل وقلة الحياء.
التقيت في مطلع عام 1976 بشاب أردني كان قد أنهى دراسته الجامعية في القاهرة وجاء إلى أبو ظبي للعمل في جريدة " الوحدة " ولسبب أجهله كان الشباب في الجريدة ينادونه باسم " سليمان ضبان " بينما يصر هو على أن اسمه الصحيح هو " سليمان نمر " وكانت كلمة " ضبان " تزعله وتنرفزه ربما لان الكلمة متداولة في الأردن في أوساط " الكندرجية " أي الذين يقومون بتصليح الأحذية ولعل هذا هو الذي جعلنا نتندر أحيانا وفي معرض " مداعبته " إلى مناداته باسم " سليمان نص نعل " .


* كان سليمان محدود الموهبة ... كثير التباهي بعلاقاته النسائية الواسعة في أوساط بنات الجامعة في القاهرة رغم ان " شكله " لم يكن ينبئ بالدونجوانية ... وباختصار كان سليمان موضوعا للتندر في كل الجلسات التي كانت تجمعنا في غرفة حقيرة كان صاحب الجريدة " راشد بن عويضة " يستأجرها لموظفيه في " مدينة زايد " مع اعترافي بمقدرة الشاب سليمان غير المحدودة على مجاراة الآخرين حتى انه اصبح " صديقا " لي من طرف واحد... أي من طرفه .


* توطدت هذه الصداقة بعد شهرين حين سافرت إلى القاهرة لقضاء إجازة الصيف فيها ... يومها اتصل بي " سليمان " من أبو ظبي وطلب أن أستضيفه في الشقة المفروشة التي كنت قد استأجرتها في شارع شامبليون وهي شقة أقمت فيها ثلاثة اشهر واصبحت محطة لكل من يرغب بالسفر إلى القاهرة من الأصدقاء والأعداء على حد سواء ... ففيها نزل بدر عبد الحق وفايز محمود وإبراهيم ضمرة وسعادة سوداح وفاروق وادي ومحي الدين اللاذقاني وصديقي احمد الزعبي الذي اصبح فيما بعد أستاذا للأدب الحديث في الجامعات الأردنية وغيرهم ... وفيها علقت أول خناقة بين أمل دنقل وابراهيم ضمرة ... وفيها التقيت بأحمد فؤاد نجم وعزة بلبع ... وقد تكون أول شقة يلتقي فيها أمل دنقل بنصفه الحلو عبلة الرويني ... ولا زلت احتفظ بلقاء صحافي مسجل على شريط كاسيت أجريته في هذه الشقة مع المرحوم الفنان الكبير صلاح منصور قبل وفاته .


* في هذه الشقة استضفت " سليمان ضبان " الذي جاء لزيارتي وبرفقته شاب قدمه لي على انه شقيق الأميرة فريال زوجة الأمير محمد شقيق الملك حسين ...وعلمت من سليمان انه جاء من أبو ظبي في رحلة سريعة وفي جيبه مائة درهم لا اكثر ولا اقل للالتقاء بحبيبته " ليلى " وهي – كما قال لي – طالبة أنهت دراستها في كلية الإعلام وابنة وحيدة لمدير بنك .... وقال لي سليمان انه يحب ليلى ولا يستطيع أن يعيش بدونها إلى آخر هذه العواطف الجياشة التي غالبا ما نراها في أفلام عبد الحليم وفريد الأطرش .
ومن غرفة النوم في شقتي في القاهرة اتصل سليمان بليلى خمس مرات ... وكان كلما رد رجل على الهاتف يغلق سليمان السماعة إلى أن ردت في الاتصال السادس " ليلى " وقالت له – كما اخبرني – أنها فاتحت والدها بعلاقتها مع سليمان وان عليه أن يحضر فورا لمقابلة الوالد ليخطبها منه .


* لم أشاهد" ضبان " وجه " سليمان ضبان " منشرحا كما شاهدته في تلك اللحظة ... فالشاب ثقيل الدم كاد يطير من الفرح ويبدو أن وقع موافقة الأهل عليه كان له مفعول الصاعقة لان سليمان لم يكن متأملا ولو لثانية واحدة أن يوافق مدير البنك على تزويج ابنته الوحيدة من شاب أردني صايع ... وهو التوقع ذاته الذي كان يخالجني ... ولعل هذا هو الذي جعلني أوافق على الذهاب مع سليمان إلى بيت الخطيبة لمقابلة الأب " ليس لاني ارغب بلعب دور ولي أمر العريس سليمان ...وانما فقط لاني أردت أن أرى " ليلى " هذه التي عجمت أعواد الشباب في الجامعة فلم تجد افضل من هذا الكائن العجيب بسحنته التي تذكرني بدارون ونظريته .... وكنت قد رسمت لها صورة في مخيلتي قريبة من شكل سليمان ... حاجة كدة ... ماري منيب على سيد زيان .


* لم احترم " سليمان ضبان " لحظة واحدة كما احترمته يوم قدمني إلى " ليلى " ولم اصدق أن هذا الولد الصايع يمكن أن يوقع في حبائله صبية حسناء بارعة الجمال ومن عائلة ميسورة مثل " ليلى " .... كانت ليلى جميلة فعلا ... وكان شعرها الطويل المنسدل على كتفيها وبشرتها الناعمة وتقاطيع وجهها التي تذكرني بفاتنات السينما المصرية في الستينات مفاجأة بالنسبة لي جعلتني احسد " سليمان " من كل قلبي واحترمه.


* طلب مني سليمان أن أعيره قميصا وكرافتة ... ومائة جنيه ... ولانه يكبرني حجما فقد ظهر بالقميص المفتوح الأزرار مضحكا ... لكن الذي أثار دهشتي هو انه توجه إلى بيت الخطيبة في المساء بسيارة ليموزين مع سائق استأجرها بالجنيهات المائة التي اقترضها مني وكانت آنذاك – عام 1978 تعتبر ثروة بحق وحقيق – ولما سألته عن السر في هذا التبذير قال ضاحكا : " لزوم الشغل " .


* نزلنا – أنا وسليمان – من سيارة الليموزين أمام فيلا فخمة تقع في حي سكني فاخر على مشارف القاهرة وكان في استقبالنا رب الأسرة " مدير البنك " وابنه وبعض أقارب " العروس " وعجبت من قدرة سليمان – وهو المفلس وثقيل الدم – على التكيف في القعدة حيث بدأ يلقي النكات بلهجة مصرية متكلفة ... وكان ينادي " حماته " بعبارة " يا طنط " بل وتبسط في مخاطبة العروس رغم انه لم يتقدم بعد لخطبتها فناداها باسم " لوللا " على طريقة سمير غانم... وزادت دهشتي حين سحب سليمان ساعة رولكس ذهبية من جيبه وقدمها لوالد العروس كهدية بخاصة واني كنت اعرف أن هذه الساعة أمانة أرسلها مدير الإعلانات في الجريدة مع سليمان إلى أخيه في القاهرة ... وعلمت بعد ذلك أن سليمان ادعى أن الساعة قد صودرت منه في المطار وطلب مني أن اشهد زورا بذلك حتى لا يلاحقه مدير الإعلانات قضائيا مع أن الساعة كانت آنذاك تزنر معصم والد العروس ... وفهمت من " القعدة " أن أهل العروس يظنون أن الشاب الذي جاء إليهم بقميص ضيق نايلون – وهو قميصي – وبسيارة ليموزين – استأجرها بفلوسي – وبساعة روليكس كان يفترض أن يسلمها لصاحبها في القاهرة لانها أمانة هو مستشار الشيخ زايد الإعلامي وهي الصفة التي تقدم بها سليمان لاهل العروس الذين صدقوها... وبعد التقاط صور عديدة للمناسبة والاتفاق على أن يعود سليمان إلى القاهرة بعد أسبوع وبصحبته الأهل لخطبة ليلى رسميا انفض السامر .


* قلت لسليمان ونحن في طريق العودة إلى الشقة : ولك يا زلمة ... كيف ورطت نفسك هذه الورطة ؟ ... فالكذب في هذه المسائل حبله قصير واهل العروس والعروس نفسها سيكتشفون إن آجلا أو عاجلا انك كذاب وانك لست اكثر من " صايع " في ابو ظبي بمرتب ألف درهم في الشهر ثم انك أخبرتني أن والدك كحيان ... وانه لم يكن موافقا في الأصل على زواجك من فتاة مصرية .


* طار سليمان إلى الأردن وعاد بعد أسبوع ومعه " أمه " ... كانت "أم سليمان " امرأة كبيرة في السن ليس لها في العير ولا في النفير تضع العباءة الأردنية التقليدية ولا تجيد فن التحاور والمجاملة... كانت امرأة فلاحة تقليدية جدا ... وقد رافقت ابنها إلى القاهرة دون أن تعرف " شو الطبخة " أما الأب فقد رفض الحضور ... ولانني لم أتمكن من استضافة سليمان وامه في الشقة التي تحولت إلى فندق مجاني للأصدقاء فقد نزل الاثنان في غرفة حقيرة في فندق قديم يقع على شارع معروف المتفرع من شارع سليمان باشا ... وكانت أم سليمان – عندما التقيتها في صباح اليوم التالي – تشكو من قرصات "البق " و " القمل " و" الآكلان " .


* عاد سليمان من الأردن وفي جيبته مائة دينار أردني خصص منها تسعين دينارا لاستئجار سيارة ليموزين مع سائق وابقى الدنانير العشرة لمصاريف الإقامة والأكل له ولامه في القاهرة .... ومرة أخرى برر ذلك بأنه " لزوم الشغل " فأهل العروس لن يروا منه إلا سيارة الليموزين ومن المؤكد انهم لن يسألوا عن الفندق الذي نزل فيه العريس ... وقطعا لن ينتبهوا إلى أن جسم الام المسكينة قد تورم من " الأكالان " .


* ذهبنا مرة أخرى بسيارة ليموزين إلى بيت العروس ... وتمت الخطبة بعد أن ادعى سليمان أن صحة الوالد بعافية " حبتين " وطار سليمان إلى أبو ظبي بعد أن شحن أمه إلى الأردن .... وعدت أنا إلى الشقة لاخبر الأصدقاء بورطة سليمان ... وحلاوة العروس التي قبلت به ... وطرائف " الفيلم " الذي سحبه سليمان على أهلها .... بدءا بسيارة الليموزين وساعة الرولكس ... وانتهاء بحكاية " مستشار الشيخ زايد الإعلامي " .


* بعد اشهر اتصل بي سليمان – وكنت في مدينة العين – يطلب مني أسماء وعناوين الكتاب والصحفيين الذين اعرفهم في الأردن لعلهم يقدمون له يد المساعدة في إيجاد عمل له بعد أن أنهت جريدة الوحدة خدماته .
ولشدة دهشتي بدأ سليمان حياته العملية في الأردن بنشر إعلان تهنئة صفحة كاملة في جريدة الرأي بمناسبة عيد الجلوس الملكي ... ثم علمت أن سليمان توجه إلى السعودية للعمل ... ومن هناك وبعد سنوات جاء من يخبرني أن " سليمان ضبان " أو " سليمان نمر " اصبح مستشارا إعلاميا لاحد الأمراء بل وقيل لي انه اصبح أهم شخصية إعلامية في ديوان الأمير سلمان .
ويوم أمس ... وبعد مرور اكثر من ثلاثين سنة على هذه الواقعة رأيت سليمان على شاشة إحدى الفضائيات وهو يقدم رسالة إخبارية من الرياض ... فانقلبت على ظهري من الضحك وجلست على مكتبي لاخط هذه المقالة عن مفارقات القدر فلعل سليمان ضبان يقرأ هذه المقالة فيعيد الجنيهات المائة التي اقترضها مني والتي بفضلها فاز بأحلى فتاة كنت احسده عليها من كل قلبي .... واصبحت اكثر قناعة بالمثل الشعبي المصري " يعطي الحلق للي ما له ودان "

*
حكاية (شوكت) او (سليمان) تختلف عن حكاية "احمد محسن" مثلا فهذا الشاب الذي جاء من مخيم عين الحلوة الى ابوظبي لم يتوقع ان يعمل في الصحافة ولكن دخوله (الوحدة) دفعه الى تعلم المهنة حتى اتقنها واصبح اشطر واهم مندوب اخبار في الجريدة حتى ان اسمه كان في رأس قائمة الصحفيين الذين اراد محمود السعدني ان (يسرقهم) من الصحف الاخرى ليعملوا معه في (جريدة الفجر) واكثر ما كان يدهش السعدني في "احمد محسن" هو ان جلده ومثابرته على الانفراد بالاخبار .....  كان أحمد محسن يطرق المشوار من مدينة زايد الى مجمع الوزارات مشيا على الاقدام ليمر على جميع الوزارات وزارة وزارة ويعود منها بالاخبار والانفرادات  في جو ملتهب ودرجة حرارة تصل في الصيف الى درجة الغليان وظل" احمد محسن" على هذا الحال الى ان اشترى سيارة (الفولكس فاجن) اياها التي تملكها عشرة صحفيين وكنت واحدا منهم وانتهى بها الامر لتموت بين يدي احمد محسن الذي خلع الكرسي الامامي حتى تتسع له وكان يقودها جالسا على المقعد الخلفي وظلت توصله الى العمل وتنقله الى الوزارات حتى بعد ان فقدت عجلين وجزءا من الموتور وبابا وغطاء المحرك والمروحة والترانزميشن والبريك وبس !!!


هذه السيارة ادخلها الى الوسط الصحافي "محمد العكش" الذي لم يكن يعرف قيادة السيارات وظن ان بامكانه ان يتعلم عليها ولما ظلت واقفة شهرا او يزيد في شارع الكترا اقنعته ان يبيعها لي بخمسة الاف درهم - آل يعني انا باعرف اسوق- فباعها لي ولا زلت اذكر اني قدتها الى مدينة العين دون رخصة قيادة ودون ان اكون قد قدت سيارة من قبل وظلت السيارة معي حتى شهر حزيران حين  ارجعتها الى العكش فباعها لمحيي الدين اللاذقاني الذي تعلم بها وعليها القيادة والمواقعة والملاكمة ورمي النبال ونشر الغسيل والاعلام التربوي قبل ان يتلقى انذارا من البلدية بضرورة التخلص من هذه السيارة التي اصبحت سبة في جبين المرور في ابو ظبي ووكرا للصراصير والفئران والجرذان ... وبدل ان يرميها في الزبالة باعها بمائة درهم لاحمد محسن وعلى يديه كانت نهايتها غفر الله له ولنا.... ونظرا للدور الذي لعبته هذه السيارة في تاريخ الصحافة في الامارات أرخ" محي الدين اللاذقاني" لها في  مقال  بعنوان " ومن الحب ما قتل " نشره في جريدة الوحدة في الاول من مايو ايار عام 1980 ( انقر على صورة المقال لتكبيره ).
من هنا كان اختيار "احمد محسن" للعمل في جريدة البيان كمندوب اخبار في  ابوظبي من اذكى الاختيارات التي قام بها مدير التحرير الاردني ابراهيم سكجها الذي ساهم في تاسيس جريدة البيان ... وشكل "احمد محسن" مع تاج الدين عبدالحق والصحافية المصرية الرائعة (وفاء الطوخي) الثالوث الذي قاد مكتب جريدة البيان في ابوظبي لينافس باقتدار جريدة الاتحاد في عقر دارها.
 

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا