* كتب : أسامة فوزي

ميليشيات الادب في شوارع عمان والزرقاء ... فصل من كتاب ( مدينة الزرقاء ومعسكرها ) .... قيد الطبع

سامح الله استاذي الدكتور محمود السمرة ( عميد كلية الاداب في الجامعة الاردنية ووزير الثقافة السابق في الاردن )  فهو الذي ورطني بحكاية النقد الادبي هذه والتي لازمتني بعد ذلك عشر سنوات او يزيد الى ان شفاني الله منها على يد\ي الكاتب والصحفي المصري الساخر محمود السعدني


كان الدكتور السمرة - في مطلع السبعينات- عميداً لكلية الاداب في الجامعة الاردنية  واستاذاً لمادة النقد الادبي في الجامعة  (ثم اصبح رئيساً للجامعة ثم وزيراً للثقافة) وكنت  من طلبته المقربين اليه جدا و من المتفوقين في المادة التي يدرسها (النقد الادبي) وكان يشيد دائماً بتفوقي في المادة مشيرا في جلساته وحتى في ندواته العامة الى ذلك ( ومنها ندوة اقيمت له عام 1980 في جامعة الامارات في مدينة العين - وكنت من حضورها بحكم عملي انذاك رئيسا لدائرة التنسيق والمتابعة في الجامعة  الامر الذي شجعني على دخول المعترك النقدي في الاردن في عام 1972 وما تلاه
 
كان (النقد الادبي) في الاردن محتكراً من قبل عصابة من الادباء او المتأدبين تماماً كما يحتكر التجار الشجعين السكر والشاي والارز وكانت المافيا التي تسيطر على (النقد الادبي) في الوسط الثقافي انذاك لا تسمح لمن هم  من خارج (  الشلّة ) ان يدخلوا الميدان بخاصة وان وسائل النشر كلها كانت في قبضتهم  وانسحب هذا ليس فقط على الكتاب الناشئين وانما ايضا على العتاولة منهم واخص بالذكر الدكتور عيسى الناعوري الذي كتب الي  قبل وفاته مجموعة من الرسائل الشخصية شكا فيها من شلة الناعوري والسواحري التي تحاربه وتمنع نشر مقالاته في مجلة افكار الاردنية .. وقد نشرت عشرات من هذه الرسائل في مجلة الدوحة بناء على طلب من صديقي الناقد العربي الكبير رجاء النقاش الذي كان انذاك رئيسا لتحريرها كما ضمنتها صفحة انشأتها للناعوري في عرب تايمز ويمكن العودة اليها بالنقر على هذا الاربط

http://www.arabtimes.com/O.F/osama/issa.htm

 كانت العصابة تتحلق حول رجل عجوز خرف اسمه محمود سيف الدين الايراني كان يراس المجلة الثقافية الوحيدة في الاردن (مجلة افكار) التي تصدر عن وزارة الاعلام ....  المذكور كان يهادن العصابة اياها فينشرلها ويلبي رغباتها ويمنع النشر لخصومها في مقابل ان يشيدوا بقصصه - فقد كان كاتب قصة- وقد اعلمني الدكتور المرحوم عيسى الناعوري - خطياً- بان الايراني هذا حرض العصابة عليه ا حتى حالوا بينه وبين النشر في المجلة رغم مكانة الناعوري العربية والدولية

كانت العصابة تتكون من خليل السواحري وهو جاسوس اسرائيلي ابعدته اسرائيل الى الاردن بعد حزيران عام 1967 ليلعب دور العراب في الوسط الثقافي الاردني ثم جندته المخابرات الاردنية بعد مجازر ايلول فعمل معها لضرب الاحزاب والتيارات التقدمية والوطنية وتبين انه كان عضواً في المحفل الماسوني الاردني قبل ان يلتحق بالمخابرات العراقية التي اسست له دراراً للنشر في عمان

السواحري هذا كان يسيطر تماماً على مجلة افكار وكان يسيطر ايضاً على الصفحة الثقافية في جريدة الدستور التي تولى امرها الصحافي موسى عبد السلام الذي لم يكن اديباً ولم تكن له علاقة بالثقافة ... هذا عدا عن سيطرة السواحري على الصفحات الثقافية والادبية في الصحف الاسبوعية من خلال علاقاته آنذاك باصحابها مثل صحف الصباح واخبار الاسبوع ثم سيطر على رابطة الكتاب في الاشهر الاولى من تأسيسها وبالتالي كان الدخول الى الوسط الادبي والثقافي او الخروج منه مرهوناً برضى هذا الجاسوس وموافقته

كانت تحيط بالجاسوس السواحري شلة من المنتفعين لى رأسها ولد (خول) كانت للسواحري علاقة جنسية معه اسمه (ابراهيم خليل) وكان هذا قد نصب في منشورات ومطبوعات السواحري كناقد ادبي اوحد في الاردن لا يجوز التطاول على ميدانه والدخول الى ساحته ومن كان يجرؤ القيام بذلك كان يتعرض لقصف مكثف على صفحات تلك الجرائد تشارك به العصابة كلها حتى خلا الميدان لحميدان كما يقال .... وباتت عصابة السواحري وابراهيم خليل تمارس ابتزازاً علنياً على الادباء الشباب بحيث لا يتم (تعميد) الكاتب في الاردن الا بمباركتها  .... والمغضوب عليهم من الكتاب يصبحون اهدافاً لسهام النقد والذم والتجريح على صفحات الجرائد دون ان يكون لهم الحق في الرد

لقد انسحب هذا على جميع كتاب وادباء السبعينات في الاردن ومن يعود الى الصفحات الثقافية الاردنية في تلك المرحلة سيجد ان معظم الكتاب الشباب كانوا ضحايا لهذه العصابة بدءاً بعلي فودة وعلي التيري ويوسف ضمرة ... وانتهاء بابراهيم لافي وعبدالله منصور والياس جريس.... كل هؤلاء تعرضوا للنقد والتجريح والتسفيه على صفحات الجرائد التي تسيطر عليها شلة السواحري .. وكانت كل مقالات التجريد والقدح موقعة باسم ابراهيم خليل

كان الشاعر الفلسطيني الاصل الياس جريس - وهو مدرس من الزرقاء- احد ضحايا العصابة المذكورة التي لم تعترف به شاعراً او اديباً  وكان هم خليل السواحري اليومي التحريض على جريس لطرده من منصبه كمحرر للصفحة الثقافية في جريدة عمان المساء التي كان يملكها الراحل ياسر حجازي والتي حررها من قبله الصديقان سميح الشريف ومحمد سمحان . ... جريس رد الصاع صاعين للعصابة المذكورة حين فتح صفحته الثقافية لكل الاقلام المعارضة للشلة اياها وكان جريس مدرسا في دير اللاتين ومنتسبا الى احدى الجامعات العربية ... لكن مشكلة جريس ان الاقلام المعارضة التي ينشر لها كانت تمارس الكتابة الابداعية من شعر وقة ولم يكن من بينها من يمارس كتابة النقد الادبي او يحترفه

كنت اتابع المعركة من بعيد كقاريء متخصص ومتفوق في مادة النقد الادبي بحكم دراستي في الجامعة وعلاقتي بالدكتور محمود السمرة دون ان اكون طرفا في المعركة ودون ان ادلي بدلوي فيها ... الى ان  استفزتني مقالة لابراهيم خليل نشرتها له جريدة الدستور عام 1972 تهجم فيها على الشاعر علي فودة بطريقة فيها الكثير من الاستعلاء والتحقير الذي يتنافى مع ابجديات الكتابة النقدية ... يومها التقيت بعلي فودة في امسية شعرية وشدتني شخصيته المهذبة الرقيقة وشاعريته الشفافة وطفوليته وتلقائيته التي تصل الى حد الهبل ... وسالته لماذا لا يرد على ابراهيم خليل  فأجاب في كسور ان المذكور يتبع شلة مسيطرة على وسائل الاعلام في الاردن ... وانه - اي فودة - غير متخصص في النقد ولا يمكنه مقارعة  الشلة اياها الا بالاصرار على  الكتابة الشعرية والمشاركة في الندوات والامسيات العامة ... ثم وضع يده على كتفي وقال : علمت انك من المتفوقين في النقد الادبي في الجامعة ومن تلاميذ محمود السمرة .. لماذا لا ( تخش ) الميدان  ... وبما ان اشعاري اعجبتك لماذا لا تبدأ بي ... ثم ناولني نسخة من ديوانه خط على صفحتها الاولى اهداء جميلا ... وكانت تلك بداية صداقة طويلة بعلي فودة انتهت باستشهاده خلال حصار بيروت من قبل الجيش الاسرائيلي  ... وعلي فودة لم لا يعرفه من غير الاردنيين هو كاتب قصيدة ( اني اخترتك يا وطني ) التي غناها لاحقا مارسيل خليفة واصبحت احدى ايقوناته المميزة يبدأ فيها جميع حفلاته

لم اعد اذكر من الذي قادني الى  عمان المساء وابراهيم جريس .... لكني اذكر اني كتبت مقالا نقديا مطولا عن ديوان علي فودة بدأته بفتح ملف الشلل الادبية وعصابة السواحري وابراهيم خليل ... وطيرته عبر البريد الى الياس جريس بناء على اقتراح علي فودة ....  وكان المقال قويا بلغته واسلوبه وصريحاً ومباشراً ووقحا زادت في قوته طريقة نشره حيث  ( فرده ) الياس جريس على صفحة كاملة وبمانشيتات فرعية مثيرة وكان للمقال وقع الصاعقة على الوسط الادبي الاردني الشاب الذي كان يعيش يومها جواً ارهابياً تمارسه العصابة المذكورة وزاد من شهرة المقال اني كنت ادك معاقل خليل السواحري وابراهيم خليل بلغة لم يعتد عليها الوسط الادبي وبسخرية لم يجرؤ عليها غيري حتى ان السواحري - يومها- اتهم خصوماً له بالوقوف وراء المقال مدعياً ان اسم (اسامة فوزي) كان اسماً وهمياً لاحد خصومه الذي لم يجرؤ على مواجهته

تابعت ردود الفعل وانا  (منشكح  ) وطلبت من علي فودة  ان يزودني ببعض نتاج هذا المدعو خليل السواحري قبل ان اعرف - لاحقاً- انه جاسوس مدوبل (اسرائيلي اردني) فزودني فودة بمجموعة قصص قصيرة له اسمها (مقهى الباشورة) .... قرأت مقهة الباشورة فوقف شعر راسي من وقاحة وعمالة خليل السواحري الذي يشيد فيها بالجيش الاسرائيلي ويسخر فيها من سكان القدس

هيك ... عيني عينك

 وقلت يومها لو ارادت اسرائيل نفسها ان تنشر كتاباً يثبط العزائم الفلسطينية ويدعو الى التهادن مع الاحتلال لما وضعت افضل من هذا الكتاب وقمت فعلاً بنشر دراسة علمية مفصلة عن المجموعة وما ورد فيها ووظفت دراستي النظرية لمادة النقد الادبي وتفوقي فيها لصياغة مقال صحفي نقدي ساخر كان اعلاناً عن مولد ناقد شاب لا يتبع لشلة الزعران ونشرت الجريدة صورتي واشارت الى اني طالب في السنة الرابعة في كلية الآداب واني متخصص في النقد الادبي مما سخف ادعاءات السواحري بان اسم (اسامة فوزي) هو اسم مستعار لاحد خصومه

انهالت علي الاتصالات والزيارات والدعوات واصبحت خلال ايام وجها مألوفا في جميع الندوات والامسيات الادبية التي تقام في طول الاردن وعرضه ... وصنفت كناقد ثان في الوسط الادبي بعد المدعو ابراهيم خليل ليس من ناحية الترتيب وانما من حيث العدد لان الوسط لم يكن فيه آنذاك - كما قلت- الا ناقدا واحداً  فقط هو ابراهيم خليل تدعمه مافيا يترأسها السواحري

وخرجت من بين السطور الى الواقع من خلال مواجهات بدأت اخوضها مع هذه المافيا في الندوات والامسيات والمحاضرات العامة .... كنت اقوم خلالها بالمداخلة والتعقيب مرتجلاً باللغة العربية الفصحى وكان صغر سني يضفي على مداخلاتي في مواجهة الحيتان جواً حماسياً سرعان ما جعلني - دون ان ادري - زعيما لشلة ادبية معارضة  جل عناصرها من  المظلومين والمضطهدين من قبل مافيا السواحري  .... وبدأنا حربنا بعمليات كسر العظم وكسر الرقبة بخاصة واني نجحت في التمدد والانتشار في الصحف والنوادي والساحات متسللا الى الصحف التي تسيطر عليها عصابة السواحري من خلال علاقاتي التي اقمتها انذاك اما برؤساء واصحاب هذه الصحف او بالمسئولين الحكوميين المسئولين عنها مثل الشاعر عبد الرحيم عمر الذي كان رئيسا للدائرة الثثافية ( وزارة الاعلام ) التي تصدر عنها مجلة افكار المحتكرة من قبل السواحري وعصابته وكانت مجلة ( افكار ) هي المجلة الادبية الوحيدة في الاردن

كان عندي جلد على المواجهة  دفعني الى تلبية جميع الدعوات في جميع المدن والقرى لاحياء الندوات والامسيات الادبية والمشاركة فيها  ( كنت اشارك كمعقب او ناقد ) وكنت من اوائل المتقدمين لعضوية رابطة الكتاب الاردنيين عند تأسيسها  قبل ان اكتشف ان ابراهيم خليل سرق بالتواطؤ مع سالم نحاس ملفي من الرابطة حتى يؤخر عضويتي وذلك وفقا لما اخبرني به - يومها- الدكتور حسين جمعة الذي عاد الى الاردن من موسكو ليتسلم رئاسة تحرير مجلة افكار بعد موت الايراني

اصبحت اذن زعيم شلة (ادبية) قادرة على مواجهة عصابة السواحري وتحجيمه وانضم الى شلتي العشرات من الكتاب ولا زلت اذكر ان اوّل مقال كتبه (سلطان هاشم الحطاب) زميلي في الجامعة كان - ايضاً- عن مجموعة خليل السواحري (مقهى الباشورة) مؤكداً في مقاله ما ذهبت انا اليه وقد نشر المقال في جريدة الدستور وسارع (السواحري) يومها الى الزعم ايضاً ان الاسم ( سلطان الحطاب ) مستعار قبل ان يعود سلطان من ليبيا - التي عمل فيها مدرساً- الى الاردن ليلتحق بجريدة الشعب ثم يصبح مديراً لها

وبعد الاعلان عن ولادة رابطة الكتاب الاردنيين تبين ان العصابة ذاتها سيطرت على الهيئة الادارية بالتعاون مع سالم النحاس الذي كان يومها من اتباع نايف حواتمة وكان من الواضح ان المواجهة مع العصابة قد دخلت مرحلة جديدة بخاصة بعد سرقة ملفاتنا من ادراجها فقررنا انشاء رابطة بديلة سميناها (اسرة القلم)  ... ومع ان وسائل الاعلام الاردنية بما فيها منشورات وزارة الثقافة لا تشير الى اسمي من قريب او بعيد عند التحدث عن ( اسرة القلم ) الا ان جميع الادباء من جيلي يعلمون اني كنت مؤسس هذه الجماعة وهذا النادي ... يوم قمت انا والشاعر سميح الشريف والاديب بسلان قرشي ومعنا الصديق هاني المحادين مدير المكتبة العامة في الزرقاء بوضع النقاط العريضة لاسرة القلم وتوجهنا الى وزارة الشباب للحصول على موافقتها لان انشاء الجمعيات كان مرهوناً بها وطلب مني المدير المسئول وكان آنذاك طارق مصاروة ان اخط له بيدي "استدعاء" يلخص الهدف من هذه الجمعية حيى يستصدر موافقة الوزير وكنت قد التقيت بالمصاروة يوم كان رئيساً لمركز الشباب في مادبا وقد التقاني الرجل بالترحاب بخاصة بعد ان صدر كتابي (آراء نقدية) الذي عرضت فيه انذاك لانتحار تيسير سبول ومنحني الكتاب - يومها- شهرة اضافية في الاردن وصدرت فعلاً موافقة الوزير وقمنا بالاعلان عن فتح باب التسجيل في (الاسرة) قبل ان اقدم استقلالتي منها واغادر الاردن الى الامارات ولكن هذه المرة كانت مغادرة علنية عمدها اعتراف الكبار والصغار بي حتى ان الشاعر عبد الرحيم عمر رئيس الدائرة الثقافية والدكتور حسين جمعة وعدداً من الكتاب البارزين في عمان ومعهم طلال عبد الرحيم احد اهم موظفي دائرة الثقافة انذاك وشقيق القيادي في فتح الطيب عبد الرحيم جاؤا الى منزلي في الزرقاء لوداعي .

 لم انقطع - وانا في الامارات - عن الوسط الادبي والثقافي في الاردن حيث بقيت اشاغله عن بعد من خلال ملحق ثقافي اصدرناه عن جريدة الفجر الاماراتية ونشرت يومها لقاء اجريته مع نزار قباني مسح فيه الارض برابطة الكتاب الاردنيين مما دفع الرابطة الى اصدار بيان ضد نزار وضدي ... ثم من خلال انتشاري في المجلات ذات الطابع الادبي والثقافي المتخصص مثل الدوحة القطرية والموقف الادبي السورية والافلام والطليعة الادبية وآفاق عربية العراقية وغيرها وجاءت زيارتي الى مصر وعلاقتي لاحقاً مع بعض اشهر الكتاب والصحفيين المصريين مثل محمود السعدني وامل دنقل لتلقي على (ورطتي النقدية ) بعداً عربياً قبل ان اكتشف - متأخراً- ان ممارسة النقد الادبي هو جلد للذات وتعذيب للنفس لا مبرر له لان الناقد ملزم بقراءة كل ما هب ودب حتى يحكم فيه وقد قرات اطناناً من الكتابات الخرائية - اثناء اقامتي في الامارات- افسدت ذوقي وجعلتني استمع الى نصيحة محمود السعدني بان اطلق النقد الادبي طلاقا كاثوليكيا وان اتفرغ لكتاب المقالة الصحفية الساخرة