|
من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
في العالم
العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب الحياة
بدءا بالتعليم
والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.
( الحلقة
الخامسة )
عن المطارات العربية
وكرامة المواطنين
*
بعد ان طلقت حماقة السفر بالسيارة براً في "بلاد العرب اوطاني" قررت تجريب
السفر بالطائرات واخترت - الصيف التالي- قضاء الاجازة في دمشق والقاهرة وقطعت
تذكرة على الخطوط السورية
من ابو ظبي الى دمشق.
*
تسلحت لهذه "السفرة
" بكل ما يلزم المسافر
بين المطارات العربية .... بدءاً من دفتر التطعيم وانتهاء بكروزات الدخان
الاجنبي التي قيل لي ان لها مفعول السحر في مطار دمشق الدولي ... كان ذلك عام 1978
وكانت طائرات الخطوط الجوية السورية يومها من نوع "كرافيل"!!
*
صحيح اني مررت بلحظات من الزعيق و "المحاشرة" في مطار ابو ظبي وصحيح ايضاً اني
استمعت - مثل غيري- الى الحوارات المعتاد سماعها في المطارات العربية بين
الركاب وموظفي المطار والشركات الناقلة من مثل وجود حجز مسبق ام لا ... ووجود
زيادات في الوزن ... وعدم قطع تذاكر للاطفال ... الا ان مشاق السفر عبر
المطارات هي قطعاً اقل بكثير من مشاق السفر البري.... على الاقل لانك ستجد في
المطار حماماً تشخ فيه حتى لو كانت الحنفية معطلة ... ولن تتعرض لدوريات
"السيطرة" العراقية او دوريات الجمرك السورية ولن تحتاج بالتالي الى ان تحمل
معك طناً من علب المن والسلوى و "الحرامات" لبرطلة العاملين في الجوازات
الاردنية .
*
هذا - ما كنت اظنه- الى ان وصلت الى مطار دمشق في طائرة (كرافيل) حماماتها وسخة
وذات رائحة كريهة لا ماء فيها ... وازرار المقاعد لا تعمل بما في ذلك زر
استدعاء المضيفة هذا فضلاً عن عدم وجود مضيفة اصلاً في الطائرة ... كان هناك
مضيف واحد مكلف بخدمة جميع ركاب الطائرة وكان المضيف مفتول العضلات مما يعني
انه موظف على ملاك المخابرات او (امن الطائرة) ... وكانت الوجبة الوحيدة التي
اعطيت لنا على متن الطائرة باردة ولم تكن معظم كراسي الطائرة صالحة
للقعود عليها حتى اشارة "الرجاء ربط الاحزمة" لم تكن تعمل ... ليس لان لمباتها
محروقة فحسب وانما ايضاً لانه لا توجد للكراسي أحزمة لربطها .
*
وصلت الى مطار دمشق الدولي وقبل ان ندخل الى صالة الجوازات زربونا في ممر قيل
لنا انه للحجر الصحي وخرج موظف من آخر الممر بصحبته رجلين ... كان الرجل يلبس
روباً ابيض اللون كالذي يرتديه الاطباء وبين يديه ابرة تطعيم ضخمة رايت مثلها في
العيادة البيطرية الملحقة بقصر الشيخ زايد في ابو ظبي ... كان "الدكتور" يحمل
الابرة كما يحمل مدفع البازوكا وبلهجة آمرة فيها الكثير من التهديد والوعيد طلب
من الجميع اظهار شهادات التطعيم التي يحملونها ثم اردف : اللي مش مطعم ضد السل
يكشف عن ذراعاتو!!
*
طبعاً لم يكن اي من المسافرين ممن يحملون شهادة التطعيم قد تطعم قبل السفر الى
دمشق ضد السل لسبب بسيط وهو ان هذا المرض انقرض من العالم منذ اواخر الستينات
وفقا لمنظمة الصحة العالمية
.... والتطعيم ضد السل - لمن يذكره- مؤلم لان الابرة تضرب اعلى الكتف.
*
اصبنا كلنا بحالة من الخوف والرعب والانهيار ولاني كنت اول المصطفين في الطابور
وبالتالي اقرب المسافرين الى حامل البازوكا فقد بادرت الى الاعتراض من باب اني
لم اعد ارغب في دخول سوريا وساعود على الطائرة نفسها الى ابو ظبي خاصة وان
تذكرتي (راوند ترب).
*
رفسني الدكتور
حامل البازوكا بقدمه ... وقال لي : امشي انقلع صف في الطابور واكشف عن ذراعك!!
... فانقلعت!!
* الشاب السوري الذي كان يقف خلفي كان اكثر ذكاء مني ويبدو انه اشفق علي لانه
همس في اذني قائلاً: يا عمي طلع من جيبتك خمس ورقات ... شو ما بتعرف شو
"النزام" هون ؟
*
كانت هذه اول عملية تشليح تعرضت لها في المطارات العربية وبعدها اصبحت خبيراً
بها بل واصبحت الطرف الذي يقدم نصائحه للمسافرين "الغشيمين" الذين يتصادف ان
التقي بهم في المطارات ويتعرضون الى مواقف مشابهة سواء من قبل ضباط الجوازات او
رجال الجمرك او المدنيين الذين يزعمون انهم من المخابرات!!
*
موظف الجمارك في المطار لم يطلب فتح حقائبي ليس لانه اكتفى هو الاخر بخمس ورقات
... وانما لانني اكتشفت ان العملية مقصودة فبعد خروجنا من المطار وعلى بعد
امتار قليلة منه يقوم حاجز للجمارك بايقافنا وهذا الحاجز يقوم بعملية تفتيش
دقيقة بما في ذلك تفتيش جيوب وبناطيل الركاب وكل المواد الموجودة في الحقائب من
سجائر واجهزة كهربائية وبناطيل كاوبوي وهدايا اطفال تعتبر "مهربات" وعقاب المهرب
ليس فقط مصادرة المهربات منه وانما ايضاً دفع غرامة فورية ضخمة هذا طبعاً اذا
لم يتم تحويله الى المحكمة .... وحل المشكلة - طبعاً- يكون بالدخول مع ضابط
الدورية الجمركية في حوار ومساومة وبوس اطياز وهو - طبعاً- لن يقبل بخمس ورقات
... ولا خمسين ... ولا حتى خمسمائة لانك هنا امام تهمة جنائية قد تقودك الى
"المحكمة الاقتصادية" وهي محاكم اوجدها بعثيو سوريا لمحاكمة المختلسين ومزوري
العملة واللصوص ... وليس "السواح" مثلي!!
*
وتشاء الظروف ان اقف - في مطار دمشق- الموقف ذاته بعد عشرين سنة تقريباً ولكن
هذه المرة كنت متوجهاً الى دمشق لحضور معرض الكتاب الدولي بعد نصيحة من دريد
لحام الذي كنت قد اقمت له حفل تكريم في هيوستن ... وكنت هذه المرة اسافر بجواز
سفر امريكي.
* *
اعتدت في كل عام وقبل أن يهل علينا موسم السفر الى البلاد العربية لزيارة الاهل
والاقارب والاوطان أن أقدم بعض النصائح للمسافرين العرب من واقع التجربة
الشخصية أولا ... ثم من واقع تجارب الاخرين الذين كتبوا الينا شاكين متذمرين .
* اذا كانت وجهتك سوريا سلح نفسك بدولارات فراطة وكروزات دخان وبعض الهدايا
الطيارة لان أول سؤال سيوجهه اليك موظف الجوازات وموظف الجمرك وشرطي الامن هو :
شو جايبلنا معك خيو ؟ واذا قلت له انك لا تحمل اليه شيئا قد تجد نفسك محتجزا في
سجن المطار بحجة ان اسمك يتشابه مع اسم شخص مطلوب او انك هارب من العسكرية ....
او انك من حزب الاخوان المسلمين حتى لو كان اسمك جورج بطرس .
* نفس السؤال — الخالق الناطق — سيوجه اليك في مطار عمان والفرق الوحيد هو أن
كلمة ” خيو ” ستستبدل بكلمة ” يا قرابة ” هذا طبعا اذا كانت صفحتك بيضاء لدى
المخابرات ...اما اذا كانت صفحتك مش ولا بد كأن تكون - مثلا - قد خرجت بمظاهرة
قبل ثلاثين سنة فتوقع أن تخضع للكثير من السين والجيم ... والكثير من عمليات
البهدلة والاذلال..... وروح وتعال .... وجهز نفسك لفت الاف الدولارات كبخشيش على
كبار ضباط المخابرات حتى لا تنتهي الى زنزانة في مقر الجهاز العامر في عمان .
* لذا سلح نفسك قبل الوصول الى اي مطار عربي بالكثير من الشجاعة والكثير من
التعود على قلة الكرامة ... درب شفتيك على الابتسام بمناسبة وبدون مناسبة
...واحفظ عبارة ” حاضر سيدي ( و ) أمرك سيدي ...
رددها قبل وبعد وأثناء أي حوار يدور بينك وبين ضابط المخابرات او الجوازات
القابع خلف جدار من الزجاج الملون .... واذا طلب منك الضابط بخشيشا بخششه ....
واذا نكت اضحك على نكتته حتى لو كانت سمجة .... واذا ضرط اسأله : من لحن لك هذه السمفونية .... واذا كان مزاجه
” مبعوصا ” وقال لك :“ كول خره ” شمر عن يديك فورا و .....“ كول ” .
* اذا قال لك الضابط : شو اسم امك وله ؟ ... لا تزعل من ” وله ” هذه فهي جزء من
لغة الخطاب و اداب المعاملة التي تلقن لضباط المخابرات وضباط الجوازات في جميع
المطارات العربية استثني منها مطار الخرطوم فهناك يقولون لك يا ” زول ” بدلا من
” يا وله ” .
* الوقوف امام شباك الجوازات و المخابرات في المطارات العربية هو مربط الفرس في
الرحلة كلها وبقدر نجاحك في هذا الاختبار ستكون رحلتك سعيدة ...لذا درب نفسك
على التماسك ... وابتسم للضابط حتى لو كان وجهه مثل طيز القرد ...لا ترد عليه
الا بعبارة حاضر سيدي ... حاول أن تذل نفسك أمامه ... اخرج لسانك ببلاهة وتقبل
بهدلاته وشتائمه برحابة صدر واعكشه بورقة من فئة مائة دولار على سبيل الهدية
فقد تخفف من بذائته وتذكر أن هذا الكائن الجالس خلف الزجاج قادر على ” بعبصة ”
رحلتك كلها ... يكفي أن يضع تأشيرة على جواز سفرك تقول ان اسمك يتشابه مع اسم
احد المطلوبين في جهاز الكومبيوتر حتى يحول رحلتك الى جحيم يبدأ من مكتب
مخابرات المطار وينتهي بالمقر العام لدائرة المخابرات ... مشاوير يومية ...
وساطات ... تعال اليوم ...تعال بكرة ... انتظار بالساعات ... وبعد شهر أو شهرين
من البهدلة يعاد الجواز اليك دون اعتذار ودون أي تفسير طبعا هذا اذا كنت محظوظا
...أما اذا كنت منحوسا - ومعظم العرب من المناحيس - فان قضيتك قد تطول ... ولن
تقصر الا بفت الدولارات على ضباط الجهاز واقربائهم ومعارفهم .
* هذا اذا كنت عائدا الى أرض الوطن بالمفهوم الاقليمي السائد ..أي الى البلد
الذي تحمل جنسيته ...اما اذا كانت زيارتك الى دولة عربية أخرى شقيقة فجهز نفسك
ودربها على العديد من الممارسات المهينة وتذكر انه اذا كنت فلسطينيا بجواز سفر
أردني مؤقت فأنت ممنوع من دخول الاردن ...... فلسطيني بوثيقة سفر لبنانية ممنوع
من دخول لبنان وستصادر الوثيقة منك في المطار ...عراقي يزور الكويت من رابع
المستحيلات ... بحراني يزور قطر ” أكيد جاسوس ” ... مغربي داخل الى ليبيا ”
ارهابي طبعا ”... فلسطيني زائر لاراضي السلطة الفلسطينية ” وين موافقة اسرائيل
؟ ” ...عراقي زائر للاردن ” ممنوع ”... اسرائيلي زائر للاردن ” يا هلا بالضيف
ضيف الله ” وهكذا دواليك .
* في مطارات الدول الخليجية العربية لن تسأل عن رشوة وبخشيش وبرطيل ولن يسألك
موظف الجوازات والجمرك ” شو جايبلنا معك خيو ؟ ” ... الشيء الوحيد الذي يفتشون
عنه في جميع المطارات الخليجية هو مجلات الدعارة ... وأشرطة السيكس ... وزجاجات
الويسكي ؛ فاذا وجدوها معك ...اخذوها لهم
( كما قال عبد الحسين عبد الرضا في مسرحيته باي باي لندن ) ..... واذا فتحت بوزك محتجا ستدخل
السجن لانك ادخلت ” خمرا ” وانت تعلم ” ان الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس
من عمل الشيطان فاجتنبوه ” ...فجأة سيتحول موظف الجوازات الذي غالبا ما يسكر
بالكندرة في فنادق وخمارات دبي الى حامي حمى الاسلام ... وقد تجد خبرا عن
اعتقالك بتهمة تهريب الويسكي والمجلات الخليعة وربما الحشيش منشورا في جرائد
دبي جنبا الى جنب مع اعلانات فنادق الخمس نجوم التي تمارس فيها الدعارة ع
المكشوف ... وتستهلك من الويسكي عشرة اضعاف ما تستهلكه فنادق اوروبا كلها .
* اياك ثم اياك ثم اياك - 3 اياكات - أن تعتمد خلال وجودك في الوطن على مكاتب
السفر هناك في تأكيد حجزك للعودة في الوقت المقرر ... فالحجوزات هناك تباع لمن
يدفع اكثر ... واياك ان تهمل حقيبتك في اي مطار عربي عند الوصول ...الحقائب هناك
تسرق بعد عشر دقائق من تنزيلها الى قاعة الوصول ... وشركات الطيران هناك لا
تعترف بك وبمسئوليتها عن ذلك ... وغالبا ما يرد عليك ممثل الشركة في المطار : شو
دخلنا .... واذا صرخت وهددت وتوعدت بالكتابة الى الادارة العامة للشركة سيرد
عليك الموظف بالصوت الملآن وربما بالشلوط
:" أعلى ما في خيلك اركبه" هذا طبعا اذا
لم يلفق لك تهمة سب الذات الملكية او الرئاسية .
*
انتهيت من رواية بعض من تجاربي في المطارات العربية فماذا عن المطارات
الامريكية؟
*
بصراحة ... لا توجد امكانية للمقارنة بين التجربتين
- حتى بعد تشديد الاجراءات في المطارات الامريكية مؤخرا بسبب اسامة بن لادن - فكأني بالمطارات الامريكية
بنيت في عالم آخر فالمطارات - اولاً- نظيفة بكل مرافقها بما في ذلك الحمامات
وهذه خاصية لن تجدها في المطارات العربية على سبيل الاطلاق - هذا ان وجدت اصلاً
حمامات- لاني اذكر تجربتي المرة في مطار صنعاء الدولي في اواخر السبعينات ....
وحتى نحكم بالعدل اشير الى ان حماماً دخلت اليه في مطار فرانكفورت ولا يتسع الا
لاربعة زبائن تفوق في وساخته على حمامات مطار دمشق.
*
لنترك موضوع النظافة الى ما هو اهم ففي المطارات الامريكية لن تجد تلك الغرف
الزجاجية السوداء التي يتخفى خلفها موظفو الجوازات كما هو الحال في معظم
المطارات العربية ولا ادري من هو صاحب هذا التصميم المرعب لتلك الغرف وما هو
الغرض منها وما الحكمة في ان يتعامل الزائر او السائح او حتى ابن البلد مع كائن
بشري يقعد في غرفة من الزجاج الاسود لا تخرج منه في الغالب الا اصوات معظمها
اسئلة استفزازية وفي اكثر الاحيان شتائم وعبارات احتقار ... ولا ادري السر في
ان معظم العاملين في جوازات المطارات العربية من السفلة والحاقدين وقليلي الادب
والمرتشين!!
*
في امريكا يبتسم لك الموظف وغالباً ما يتبادل معك النكات او عبارات المجاملة
وفي اكثر الاحيان ينهي معاملة الدخول في اقل من نصف دقيقة بعبارة "ويلكم هووم"
ومع اني اعلم ان انظمة التدقيق على الجوازات في المطارات الامريكية خاصة
بالنسبة لغير الامركيين قد تغيرت من حيث التدقيق والتصوير واخذ البصمات الا
انها تظل - في الاطار
العام - ضمن حدود الادب ومتطلبات الامن القومي خاصة بعد
احداث سبتمبر ولا اظن ان هناك من يعترض على هذه المعاملة سواء من قبل الزوار او
من قبل حاملي الجنسية الامريكية اللهم الا بعض الجمعيات والمنظمات
الاسلامية التي تتاجر
بهذه المواضيع لاغراض شخصية ودعائية.
* في المطارات الامريكية لن يناديك موظف الجوازات بعبارة " تعال يا حمار" او
" شو اسمك يا كندرة" او " كول خرا واسكت" او " سكر بوزك" وقطعاً لن تتعرض الى الضرب
والرفس دون سبب او لان موظف الجوازات لم تعجبه هيئتك.
*
هل تذكرون ما حدث للعمال المصريين الذين اعتدى عليهم بالضرب في مطار عمان بعد
ان صدرت الاوامر للطائرة الاردنية التي كانت تقلهم الى القاهرة بالعودة الى
المطار؟
* كان العمال قادمين من العراق وقد عاملتهم شركة الطيران الاردنية باحتقار والغت
مقاعد اكثرهم او باعتها لاخرين من باب ان هؤلاء" الغلابة
" ليسوا بشراً او هم من الصنف الاقل من البشر ومع ان الشركة حجزتهم لاكثر من
ثلاثة ايام في المطار الا انها لم تسمح لهم بالنوم على المقاعد ولم توفر لهم
اقامة ... زربتهم في قاعة جرداء كالحيوانات قبل ان تضعهم في طائرة وتبعث بهم الى بلدهم ... وخلال التحليق
لم تقدم لهم - كركاب- الخدمات التي تقدم لركاب الطائرات
في جميع انحاء العالم مع انهم اشتروا تذاكرهم
بالسعر الكامل ولم يركبوا الطائرة ببلاش ... هذا التعامل ادى الى انتشار حالة
من التذمر بين الركاب تحولت الى هتافات ضد الملك فاذا بقائد الطائرة يهاتف
المخابرات واذا بالتعليمات تصدر اليه بالعودة الى عمان حيث كانت كتيبة كاملة من
الجنود تنتظر الركاب
المصريين بالعصي والهراوات دون الاخذ بعين الاعتبار اعمارهم او
ظروفهم الصحية بل ودون ان يتم سؤالهم عن الموضوع!!
*
حكاية مثل هذه لا يمكن ان تقع في اي مطار في امريكا واذا شاهدتها في فيلم
سينمائي امريكي ستتهم المخرج بالمبالغة اللهم الا اذا كنت عربياً لان في بلادنا يحدث
هذا ... واكثر من هذا.
*
تابعت قبل فترة حواراً طريفاً دار بين بعض كتاب وقراء (عرب تايمز) على
الانترنيت حول معاملة المصريين للفلسطينيين على معبر رفح واكثر ما اعجبني هو رد
الشاب المصري الذي قال ان هذه المعاملة تشمل ايضاً المواطن المصري الذي لا يجد
مرحاضاً عاماً واحداً في القاهرة فلماذا يطالب الفلسطينيون بمعاملة خاصة اذن!!
* كلام المواطن المصري صحيح واكاد اجزم ان معاملة موظفي مطار القاهرة مع
الاجانب سواء كانوا عرباً او اعاجم هي افضل بكثير من معاملتهم لابناء جلدتهم
وقد لمست هذا في معظم المؤسسات الحكومية ... وحتى في البنوك ... واذكر اني حشرت
انفي في معركة دارت بين امراة مصرية ومسنة وموظف في بنك رفض ان يصرف لها مرتب
زوجها المتوفي الا اذا جاء المتوفي الى البنك للتوقيع على المعاملة او شيء من
هذا القبيل ... كان المبلغ يقل عن ثلاثين جنيهاً وكان الطلب الذي لا اذكر
تفاصيله الان تعجيزياً وكان الموظف وقحاً ونظراً لاني كنت التالي في الطابور
ولان الموقف استفزني فقد رفعت صوتي وردحت للبنك ولمديره وللموظف الحقير وقلت
لهم ان موقفاً كهذا في اي دولة اخرى كان يمكن ان ينتهي باغلاق البنك ودفع مائة
مليار دولار كتعويض للسيدة العجوز المسكينة التي جاءت تصرف شيكا قيمته تقل عن
ثلاثين جنيها .
*
ولان الشيء بالشيء يذكر فان صاحب (دكان) في
مدينة هيوستن بولاية تكساس لحق بامرأة
اشترت منه زجاجة بيرة بسبعين سنتاً الى خارج محله وبطحها ارضاً بعد ان شك في
انها سرقت علبة سجائر من المحل قبل خروجها ولما فتشها ولم يجد العلبة لم تكن
كلمة SORRY كافية للتكفير عن جريمته على الاقل في المحكمة التي نظرت في القضية
وصدر حكم هيئة المحلفين على صاحب الدكان بدفع تعويض مقداره سبعين مليون دولار -
اي مليون دولار مقابل كل سنت- حتى يتعلم اصحاب المحلات احترام كرامة الزبائن
وعدم الشك بهم " عمال على بطال " .
*
ولماذا نذهب بعيداً ... فقد تعرضت لموقف قريب الشبه حين رفعت مذيعة عراقية تعمل
في محطة تلفزيونية سعودية في واشنطن دعوى على
"عرب تايمز" بسبب نشرنا لرسالة
من احد القراء اساءت اليها - كما ادعت في
المحكمة- وقد اصدرت المحكمة بعد يومين من المداولات قراراً بتغريم الجريدة
ثلاثة الاف دولار عن كل تهمة من التهم الثلاث التي حوكمنا بسببها ... وسميت هذه
الغرامة ACTUAL DAMAGES اي الضرر الحقيقي ... ثم قررت المحكمة تغريمنا خمسين
الف دولار عن كل تهمة اي باجمالي 150 الف دولار عن الضرر المعنوي وتسمى هذه
PUNITIVE DAMAGES .... واظن اني ذكرت - في مقال سابق- تفاصيل هذه الحكاية وذكرت
ايضاً اني رفضت الحكم بالاستئناف وجاء حكم القضاة الثلاثة الذين اعادوا النظر
في القضية الى صالحي وتم اسقاط الحكم.
... اريد من هذا ان اقول ان كرامة الانسان في امريكا لا تقدر بثمن بينما لا
تساوي كرامة المواطن العربي في بلده قشرة بصل .
* في المطارات الامريكية لا يمكن ان يساومك موظف الجمارك عللى ادخال ممنوعات مقابل
خمس ورقات كما يحدث في مطار دمشق مثلاً ... وفي المطارات لا يمكن ان يفتحوا
حقائبك دون علمك او بطريقة مهينة ثم يرموها على الارض كما حدث امامي في مطار
صنعاء .... في المطارات الامريكية لا يمكن ان يسألك موظف الجوازات "شو جايبلنا
معك خيو "... واثناء المغادرة - مثلاً- لا يمكن ان يتفق الموظف المسئول عن
التفتيش مع احد الحمالين او العتالين لمساومتك على تمرير حقيبتك دون تفتيش
مقابل "اكرامية" ... وعلى سلم التوزين في المطارات الامريكية لا يمكن ان يسمحوا
لك بتحميل حقيبة تزن الف كيلو زيادة عن الوزن المسموح لمجرد انك عكمت الموظف
المسئول عشرة دولارات....
حتى لا تسقط الطائرة بركابها كما سقطت الطائرة اللبنانية في احدى الدول
الافريقية لانها حملت عشرين طنا زيادة على الوزن المقرر .
*
في مطار دمشق تؤجر عربات نقل الحقائب بالدقيقة من قبل العتالين ولما تأخرت ربع
ساعة عن ارجاعها لحقني ثلاثة منهم قائلين "وقتك انتهى" ... وقبل ان اصل الى
موظف الجوازات طلبوا مني شراء طوابع تسمى
" رسوم مغادرة" وقد اشتريتها ولكن موظف
الجوازات وضعها في جيبه ولم يلصقها على الجواز وفهمت بعد ذلك ان الطوابع تعود
مجدداً الى (البائع)
ويتم تقاسم الارباح مع الضابط المسئول " فيفتي فيفتي ".
*
بل وعلمت ان هناك في سوريا شيئاً يسمى (تأشيرة مغترب) ومعناها ان بامكانك
كمواطن ان تشتري هذه التأشيرة لمغادرة سوريا وتصبح مغترباً حتى لو لم تغادر
المطار وانا - بصراحة- لم اسمع في حياتي ان هناك دولة في العالم تشجع مواطنيها
على الاغتراب بل وتبيعهم (تذاكر) للغربة ... غير سوريا!!
* السفر بالطائرات بحد
ذاته متعة وعيد وانا احرص دائماً - في يوم السفر- على التوجه مبكراً الى
المطار وتناول القهوة في احدى الكافتيريات المتنوعة فيه ... اجواء المطارات
الامريكية بشكل خاص والاوروبية على العموم اجواء فيها فرح حتى ان مطار امستردام
يوفر لمسافري الترانزيت جولات سياحية داخل المدينة ... وفي
مطارات بريطانيا فنادق خمس نجوم وعشرات المطاعم والمقاهي في حين لم اجد مثلاً
في مطار القاهرة الا كافيتيريا واحدة تبيع جاتو يبدو من شكله انه مجفف واقل من
عشر طاولات تكسر الظهر وخمسة موظفين لا يصلحون للعمل في مقهى شعبي متواضع في
الغورية فما بالك بمطار دولي!!
*
السفر ... والوصول ... من والى اي مطار امريكي او اوروبي يشعرك بالفرح اما
السفر والوصول من والى اي مطار عربي فمقرون دائماً بالخوف والقلق والرهبة ...
وغالباً ما تسمع عبارة (الله يستر) و (الله يسهلها يا رب) كلما اعلن الطيار عن
وصول الطائرة الى المطار العربي ... او كلما وقفت امام ضابط الجوازات اثناء
الخروج من المطار ... والمطارات العربية مشهورة بمفاجآتها ... فقد يتبين انك
مطلوب وبالتالي يتم اعتقالك واهانتك وبهدلتك ونقلك الى السجن وربما الى القبر
وان حدث ان الاعتقال تم عن طريق الخطأ او التشابه في الاسماء لن تجد من يقول لك
"صوري" .... وهناك مفاجآت من مثل خروجك دون اذن مصلحة التجنيد ... او ان جواز
سفرك منتهي ... او انك لم تسجل ابنك في الجواز ... او ان ... وما اكثر الانات.
*
والمصيبة كل المصيبة ان تصل الى مطار عربي لتقول انك فقدت جوازك
....
في امريكا يكفي ان تتصل بدائرة الجوازات او بالسفارة او بالقنصلية هاتفياً
لتخبرهم انك فقدت جواز
سفرك ليصدر لك البديل خلال دقائق ... لا بل ان هناك امراً قد
لا يعرفه كثيرون في البلدان العربية ممن يصطف مواطنوها طوابير امام مكاتب
الجوازات لاستصدارها بعد ان يكونوا قد دفعوا الغالي والرخيص لاستكمال معاملاتها
... هنا - يا سادة- في امريكا اقوم بارسال جواز سفري القديم الى الدائرة
بالبريد مع صورتين ورسم قيمته ستون دولارا فيعود الي الجواز الجديد الذي مدته
عشر سنوات كاملة بالبريد وفي فترة تقل احياناً عن عشر ايام.
*
جواز السفر في امريكا وسيلة لتسهيل سفرك بينما هو في البلاد العربية وثيقة
لاذلالك ويكفي ان تتصفح - مثلاً- جواز السفر السوري لتقرأ فيه الاعاجيب هذا عدا
عن رداءة الخط وعن المعلومات العجيبة المذكورة فيه .
* قارن بين تأشيرة السفر الامريكية التي تحصل عليها وتأشيرة السفر العربية
لتعرف الفرق بين نظام وضع لخدمة الانسان ... ونظام فصله اناس مصابون بكل العقد
النفسية التي قرأنا عنها في كتب فرويد!!
* المشكلة ان حياتك ومتاعبك مع المطارات العربية لن تنتهي بمجرد الخروج منها
سالماً بل لعلها تبدأ هناك ... فسيارات الاجرة والعتالين العاملين امام المطار
هم اعضاء عصابات ومافيا غالباً ما يكون اصحابها
من كبار المسئولين في المطار ...
وقد تتعاقد مثلاً في مطار القاهرة وقبل ان تغادر صالة الوصول مع مكتب سيارات
لركوب ليموزين فتجد نفسك بعد دقائق محمولاً في "باص" او في سيارة بيجو موديل
1940 ... واذا كان الاتفاق الرسمي مع المكتب هو خمسون جنيهاً للنقلة فاعمل
حسابك على دفع مثلها للموظف ... وثالثة للسائق ... وخمسة (خمسون) للحمالين
الخمسة الذين يلحقون بك لرفع حقيبتك الى السيارة او الباص.
* هنا - في امريكا- ستجد مواقف السيارات الخاصة بالمطار منظمة - ربما - اكثر من
المطار نفسه فهناك مواقف في محيط المطار لمن يرغب بتركين سيارته الخاصة فيها
لمدة طويلة .... وهناك مواقف تعمل بالعدادات وهناك مواقف في الكراجات الدائرية
الملحقة بالمطار والتي لا تبعد عن صالة السفر اكثر من فركة كعب .
* واذا وصلت
الى اي مطار امريكي ستجد طابوراً من سيارات الاجرة المجهزة الحديثة والتي تعمل
بنظام واضح على العدادات ... هنا لن تتعرض لعملية نصب وتشليح ومساومة وفي معظم
سيارات الاجرة تجد اسم السائق ورقمه معلقاً كما تجد خريطة للمدينة تبين لك
تسعيرة الانتقال بالدولار والسنت لكل كيلو تقطعه ... وستجد رقماً هاتفياً
مجانياً للاتصال بالمسئولين ان كانت لك شكاوى!!
*
في مطار صنعاء لم نجد
- عام 1981- اثناء الوصول الا موظفاً واحداً
كان مكلفا بانجاز معاملة الدخول
لجميع ركاب الطائرة ...
وفي مطار دمشق وجدنا ثلاثة وكانوا - ثلاثتهم- لا يعرفون الانجليزية لذا عملت
مترجماً لهم لاتمام معاملة خمسة ركاب اجانب جاؤا الى سوريا للسياحة ... في مطار
الخرطوم رأيت زولين فقط ... وفي مطار الجزائر كانوا ثلاثة ... ولما وصلنا قبل
سنوات الى مطار القاهرة في الواحدة صباحاً لم نجد احداً وبعد انتظار دام نصف
ساعة شرف موظف نعسان كان مطلوباً منه انجاز معاملات اكثر من ثلاثمائة راكب ...
والعجيب انه تحدث معي باللغة الانجليزية بعد ان ناولته جواز سفري الامريكي ...
او هذا ما افترضته واستنتجته لان اللغة التي تكلمها
معي - واعتقدت انها الانجليزية - لا علاقة لها بالانجليزية
من قريب او من بعيد ... لعله تحدث بالهيلوغروفيه
او بالفرعونية القديمة دون ان ادري!!
*
كل شيء في امريكا مختلف .... والقوانين مفصلة لتسهيل حياة المواطن والمقيم ...
في حين تفصل في بلادنا العربية لابتزاز المواطن وارهابه بدءا من ابسط
متطلبات الحياة وانتهاء بجميع المهن ومنها مهنة الصحافة .
*
مثلا .... هل تعلمون انه لا يوجد في امريكا شيء اسمه " صاحب الامتياز " وهو لقب
يطلق في الدول العربية على من يحصل على امتياز لاصدار جريدة وغالبا ما يصدر
القرار عن مجلس الوزراء او رئيس الدولة ويكلف الامتياز صاحبه ملايين الدولارات
.... فكيف اذن تصدر في امريكا صحف ...بلا " امتياز " ؟
*
اقرأوا مقال العدد القادم عن الصحافة في امريكا وعقدة " صاحب الامتياز " ؟
|