ملف خاص بندوة بأوراق خليجّية
22 /11 /1980
وقفة عند
الإصدارات الأدبيّة والثقافية
دولة الإمارات العربيّة المتحدة
أسامة فوزى

 
يمكن القول أنّ حركة نشر الكتب على إختلاف أنواعها فى الإمارات العربيّة المتحدة بدأت منذ دخول المطابع الحديثة إليها فى الخمسينات من هذا القرن ، وكانت المنشورات تتركز فى دٌبى والشارقة ولا تخرج فى أغلبها عن دواعى و إحتياجات تجارية وإعلانيّة بحتة ، وظلّت حركة نشر الكتب الأدبيّة بوجه خاص والثقافية على وجه العموم محدودة إلى أبعد الحدود ، وبعضها كان يرى النور فى بغداد أو القاهرة والبحرين ولم تكن التغيّرات فى الهيكل البنائى لمجتمع الإمارات ؛ المصاحبة للنقلة الحضارية بين مجتمع الغوص ومجتمع النفط ، مع ما صاحبها من مظاهر إجتماعيّة وإقتصاديّة جديدة ، تسمح بظهور حركة نشر نشطة ؛ رغم توافر خاماتها ، وظل الحال كذلك حتّى أواخر الستينات وبروز الدولة الوحوديّة الجديدة ، مع ما رافق ظهورها من نمو متسارع فى مختلف أوجه الحياة .
*
يٌمكن تقسيم الإصدارات الأدبيّة والثقافية عموماً إلى قسمين هما :


أوّلاً : ــ الإصدارات الحكومية  وتشمل :
1ــ منشورات وزارة التربية والتعليم بما فى ذلك الكتب المدرسية وخلافه .
2ــ منشورات وزارة الإعلام والثقافة وما يلحق بها من كتب سياحيّة ودعائيّة وثقافية لعلّ أبرزها ما ينشره قسم التأليف والنشر فى الوزارة ، إلى جانب المجلّد السنوى الذى يضم محاضرات الموسم الثقافى .
3ــ منشورات وزارة الخارجيّة ، خاصّة فيما يتعلّق بموسم المحاضرات الدبلوماسيّة والسياسيّة الذى دأبت الوزارة على تنظيمه سنوياً ونشر وقائعه فى مجلّد خاص ، إلى جانب منشورات مركز الأبحاث والدراسات التابع للديوان الأميرى والملحق بوزارة الخارجيّة
4ــ إصدارات الوزرات الأٌخرى من مطبوعات وأنظمة ومجلاّت خاصة وغير ذلك .


ثانياً :
لأصدارات الخاصّة  وتشمل :
1ــ منشورات دور الصحف اليوميّة والأسبوعيّة
2ــ منشورات المكتبات التجاريّة ، خاصّة فيما يتعلّق بالمناهج المقرّرة لطلبة جامعة الإمارات
3ــ منشورات الأفراد التى يموّلها الكتاب أنفسهم ويلجأون إلى توزيعها بشكل فردى .
4ــ منشورات النوادى والتجمعات الثقافية والأجتماعية والرياضيّة .
5ــ منشورات الطلبة ؛ التى تظهر على شكل مجلاّت أو كٌتيّبات بتمويل ذاتى منهم .
وعلى العموم فإنّ هذه الإصدارات تتمحور حول موضوعات أبرزها ما يلى :


أ: ــ التراث الشعبى [ الفلكلور ]
ب : ــ الشعر
ج : ــ التاريخ
د : ــ القصّة القصيرة والرواية
ه : ــ قضايا أقتصاديّة وإعلاميّة ودينيّة ومتفرّقات .


وسنتناول فيما يلى أبرز الإصدارات فى كل موضوع ، مؤكدين أن الهدف هو تقديم صورة ملخصّة عن حركة النشر وإتجاهاتها وأبرز القضايا والهموم التى تحملها ، أكثر من رغبتنا فى إبراز أشخاص ، ولعلّ هذا يوجد لنا العذر فى تجاوز بعض الإصدارات أو الإكتفاء بالإشارة إلى صدورها  كما إننا نحرص هٌنا على تناول ما يّنشر داخل الدولة ، ولكتاب من أهلها وسكانها ، متجاوزين إلى حد ما ، إصدارات الوافدين العرب ، والأجانب ، ذات الإهتمام الإبداعى الخاص ، مٌركزين على هذه الإصدارات فى حال كونها تتناول جوانب من الهيكل البنائى لمجتمع الإمارات .


إصدارات فى التراث الشعبى
يمكن القول دون تحفظ أنّ هناك أكثر من عامل مشترك يربط ما بين المأثورات الشعبيّة فى دولة الإمارات العربيّة المتجدة والمأثورات الشعبيّة فى دول الخليج العربى فبالإضافة إلى التشابه فى التكوين السياسى الذى يرتكز على أحداث تاريخيًة واحدة مثل التعرًض للغزو البرتغالى ثم المعاناة من وطأة الإستعمار الإنجليزى ثم العمل الوحدوى المستمر لمقاومة التدخلات المباشرة وغير المباشرة خاصّة بعد الإستقلال ؛ يحتل النشاط الإنثروبولوجى الإجتماعى حيّزاً لا يٌتهان به فى الهيكل العام للمأثورات الشعبيّة على إعتبار أنّ الظروف الموضوعيّة التى عاشها شعوب المنطقة واحدة وبالتالى جاء تراثهم الشعبى متشابهاً إلى درجة التطابق فى بعض الألوان .
وبنظرة تاريخيّة سريعة لأحداث المنطقة نكتشف أنّ ظهور التجمعات السياسية فى الخليج العربى . قد إرتبط بتراجع الإستعمار البرتغالى الإحتكارى منذ السنوات الإولى من القرن السابع عشر الميلادى تحت وطأة الضربات الموجعة المتلاحقة للقبائل العربيّة المعروفة مثل ( اليعاربة ) ، ( القواسم ) ، وغيرهم .


وقد أدّى هذا التراجع الإستعمارى إلى إستقرار القبائل فى هذه المنطقة نوعاً ما ، حيث بدأت تأخذ تجمعاتها هيكلاً سياسيّاً محدّداً إرتبط بالإرض وأصبح معلماً بارزاً من ملامحها .


ولأنّ إستقرار هذه القبائل قد تم على طول السواحل الغربيّة للخليج فإن إعتمادها الرئيسى فى المعاش قد تركّز فى الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك والإستفادة تجاريّاً من السفن العابرة ، المحمّلة بالبضائع .


أمّا أهل الداخل فقد إعتمدوا على النخيل فى غذائهم مع وفرة الهوش والبوش ( الإغنام والإبل ) كانت ضروريّة لتنقلهم وغذائهم .


ينتمى سكان الإمارات إلى قبائل عدّة أهمها ( بنوياس) وهم حكام ( أبو ظبى ) و ( آل مكتوم ) حكام دٌبى وهم فرع من ( البوفلاسة ) وقد إشتهروا بالتجارة و ( القواسم )الذين لعبوا دوراً هاماً فى مقاومة الإنجليز و ( بنو نعيم) و ( البوعلى فى عجمان التى تشتهر بصيد الأسماك والزراعة وقد أدّى تضافر هذه القبائل وإتحادها قبل سنوات قليلة إلى تنوّع التراث الشعبى فى الدولة وتشعبه ، فلكل قبيلة عاداتها وتقاليدها النابعة أصلاً من موقعها الجعرافى ومجابهاته التاريخيّة مع الإستعمارين ؛ البرتغالى والإنجليزى وإسلوبها فى المعاش ، ومن هٌنا فقط تنبع الإهميّة والصعوبة فى تسجيل المأثورات الشعبيّة و دارستها وتحليلها ، فالدولة الحديثة فى الإمارات العربيّة ما زالت فى عمر الورد والأعباء التنموية التى تقوم بها فوق كل تصوّر .


ترامي أطراف الدولة على طوال السواحل الغربيّة للخليج وتعدد القبائل التى تسكنها أدّى إلى ظهور تحمّعات فولالوريّة الكثير من التشابه ولكن ، فيها ــ أيضاً ــ الكثير من التمايز والإختلاف
لقد أدّت كل هذه العوامل مجتمعة إلى تأخّر الدراسات الفولكلوريّة والأبحاث الإنثروبولوجيّة إلى ما بعد عام 1975 رغم أنّ مركز الدراسات والوثائق فى دولة الإمارات قد أٌنشأ قبل ذلك (عام 1968 ) ورغم إنّه بذل مجهودات كبيرة لتجميع الوثائق المكتوبة والمسموعة والمرئية وقد زاد إهتمام الدولة الحديثة بالدراسات الفلالورية بعد قرار إنشاء لجنة التراث والتاريخ التابعة لديوان الشيخ زايد بن سلطان آل عنهيان رئيس الدولة وكانت لجان وتجمعات فرعيّة قد ظهرت قبل ذلك فى الشارقة ودٌبى ، كما كان القسم الثقافى فى وزارة الإعلام يحمل عبئاً مٌضاعفاً فى هذا المجال بإعتباره مصدر الجمع والنشر الوحيد للمأثورات الشعبيّة آنذاك .


وفى مطلع السبعينات بدأت حركة جمع المأثورات الشعبيّة نشرها فى كٌتب مطبوعة تأخذ طابع المنافسة بين أكثر من طرف وأكثر من جمعيّة وقد أدّى هذا التنافس إلى ظهور عدّة مؤلفات خلال فترة قياسيّة لا تزيد عن ثلاث سنوات وهى : ــ
1ــ معجم الألفاظ العامية / فالح حنظل/ صدر الكتاب عن وزارة الإعلام فى 686 صفحة
2ــ العادات والتقاليد فى دولة الإمارات / الشيخ أحمد بن حسن الخزرجي / 140 صفحة
3ــ الشعر البنطى / دكتور أحمد أمين المدنى


[ معجم الألفاظ العلميّة ] لفالح حنظل يقع فى 686 صفحة من الحجم الكبير وقد أشار مؤلفه إلى إنّه قضى ست سنوات فى جمع الألفاظ وتبويبها وتدقيقها كما ظهر كتاب [ العادات والتقاليد فى دولة الإمارات ] للشيخ أحمد بن الشيخ حسن فى 140 صفحة وظهر كتاب [ الشعر البنطى ] للدكتور أحمد أمين المدنى وكتاب [ الأمثال الشعبيّة فى الإمارات ] لإبراهيم راشد الصباغ وكتاب [ بادية الإمارات عادات وتقاليد ] لحسن قايد وكتاب [ الت فى دولة الإمارات العربيّة المتحدة ] لكاتب هذه السطور ، كما صدرت عن مركز الوثائق والدراسات مجموعة شعرية مشتركة لشعراء شعبين معروفيينى وقد علمت مؤخراً أنّ الدكتور عاطف وصفى أستاذ العلوم الأجتماعية فى جامعة الإمارات قد فرغها من إعداد بحثاً عن الحكاية الشعبيّة أو [ الخروّفة ] عدا عن مشاركتى الفعّالة فى إعداد كتاب عن الخطب الشعبى من المتوقع صدوره عن لجنة التراث والتاريخ ، وبهذا الجهد يكون الباحثون قد طرقها جوانب مختلفة متنّوعة ومكملا لبعضها من التراث الشعبى فى الإمارات رغم إختلاف مناهجه فى البحث ورؤيتهم لعملية الجمع وأسلوبهم فى الكتابة وفيما يلى أبرز هذه الإصدارات وأهميّة كل واحد منها .
1ــ معجم الألفاظ العاميّة فى الإمارات العربيّة المتحدة / فالح حنظل
686 صفحة / وزارة الإعلام والثقافة .
إستطاع فالح حنظل أن يحيط بأكثر من سبعين فى المائة من الألفاظ العاميّة الدارجة فى الدولة فكان معجمه نواة لموسوعة شعبيّة هاوية كل ألوان الأدب الشعبى والممارسات الشعبيّة من مأكولات إلى ألعاب وعادات زواج وطلاق إلى رقصات وأشعار ثم الوسائل الشعبيّة فى العلاج كما تضمن المعجم مقارنات لغويّة مهمّة وقد وفٌق مقّدم المعجم ومراجعه عن الكشف من الأصول اللغوية للألفاظ العاميّة وربط كنوز العاميّة بالفحص وقد رتّب واضع المعجم مفردات حسب صيغتها التى هى عليها دون رجوع إلى جذورها المجرّدة لأنّ فى ذلك بعض التسهيل له .
وقد لاحظ واضع المعجم أن ّهناك ثلاث لهجات تتحكم بالمنطقة هى :
1ــ لهجة البداوة وهم سكان المناطق الصحراوية وهذه لهوية فصيحة .
2ــ لهجة الحضر وهم سكان الساحل حيث تطعمت بالكثير من الفارسية والهندية نتيجة المخالطة اللغوية التاريخيّة
3ــ اللهجات الغربيّة مثل لهجات الشحوح والعوامى وهذه تختلف إختلافاً مبيّناً عن اللهجتين الرئيستين فى النطقة فاللهجة الشحيّة تطعّمت بالفارسية أكثر ولهجة العوامى فيها بقايا لهجة معين وسبأ واللغات العربيّة الحضريّة المندثرة .
ويجوز بنا أن نشير إلى أن واضع المعجم مهندس قضى أكثر من عشر سنوات متنقلاً فى الصحراء مع حفّارات الماء والنفط ، لذا فإن العمل الميدانى أكسب مؤلفه الكثير من الزضم والأهميّة والدقة .


2ــ : العادات والتقاليد فى الإمارات العربيّة / محمد بن أحمد بن الشيخ حسن / منشورات لجنة التراث والتاريخ / 1979 .يقوم منهج واضع الكتاب ؛ الذى يشغل منصب رئيس لجنة التراث والتاريخ ، على الفصول التى تتوزّع العادات والتقاليد والأمثال الشعبيّة بينها ، فهناك فصل الزواج بكل تفصيلاته وشروحاته ثم فصل المرأة ولباسها وحليها وفصل الأمثال الشعبيّة ومناسباته ثم الأكلات الشعبيّة فالعلاج الشعبى وغير ذلك ومع أنّ المؤلف إكتفى بالإيجاز فى هذه الموضوعات ومال إلى التكثيف والتركيز فى الشرح والعرض إلا إنّه توسّع فى باب الأمثال الشعبيّة فأحاط بأسمها وشرح أصولها بلغة مسموعة مسجوعة قديمة ، فيها إطناب وإهتمام مفرط بالمفردات اللغوية 000 وقد خلها الكتاب من إستنباط علمى لمعانى ودلالات ورموز المأثورات الشعبيّة وإكتفى بجمعها وسردها بعناية العارف الخبير المعايش لها ، وقد ذكر فى حوار أجرته مع صحيفة الوحدة التى تصدر فى أبو ظبى أنّه الوحيد بين المؤلفين المهتمين بالتراث الشعبى ، الذى كتب عن العادات والتقاليد بصورة واضحة ودقيقة ، لأنّه أبن المنطقة ، أمّا البقيّة فكتبوا من وراء الجدار ؛ لأنهم ( ليسوا من أبناء المنطقة ؟! )


3 : ــ " الشعر الشعبى فى نشأته وتطوّره " / الدكتور أحمد أمين المدنى / دبى / 1967 / 121 صفحة من الحجم الصغير .
إذا كان كتاب العادات والتقاليد المشار إليه أعلاه قد أحاط لمسأً أكثر من وجه للمأثورات الشعبيّة فى الإمارات فإنّ كتاب الشعر الشعبى للدكتور المدنى قد مال إلى التخصص ، حيث أضاء المؤلّف كلّ ما يتعلّق بالشعر النبطي ، أنواعه وخصائصه ، فميّز بين خمسّة انواع على التوالى ( القصيد ) ، ( المربوع ) ، ( الرزحة ) ، ( العازى ) ، ( الميدان ) وقد مثّل لكل نوع بمقاطع من الشعر المعروف المتداول ، كما أفرد فضلاً ليترجم لأشهر الشعراء الشعبين فى الإمارات من أمثال ( أبن ظاهر ) ، ( أبن قطاعى ) ، و(سالم العويس ) وغيرهم ، وقد ظهر منهج الدكتور العلمى فى البحث كأوضح ما يكون وفى الشرح والتحليل ويربط الظواهر بعللها ومسبباتها 000 وكان مؤلف الكتاب الدكتور المدنى قد نشر ثلاثة كتب قبل ذلك هى على التوالى [ التركيب الإجتماعى الدينى ] و [ حصاد السنين ] و [ أشرعة وأمواج ] ، وللدكتور المدنى حضور حى فى الإنشطة الثقافية لدولة الإمارات وهوأوّل شاب من الإمارات يحصل على درجة الدكتوراه 000 فقد ولد فى ديرة / دٌبى ، ثم أنهى دراسته الجامعية فى بغداد والتحق بعد ذلك بجامعة أدبنرة باسكوتلنرة حيث حضّر دراسته فى التاريخ الحديث ثم واصل دراساته العليا بجامعة كمبريدج بانجلترا وحصل على شهادة أستاذ فى الأدب ووضع رسالة الدكتوراه عن أصول فكرة التوحيد وتطوّرها وبعدها عاد إلى وطنه وتقلّب فى أعمال وظيفيّة مختلفة وهو الآن متفرّغ لأعماله الفكرية .


4 : ــ الأمثال الشعبيّة فى الإمارات العربيّة / إبراهيم راشد الصباغ / 1978م دار الفكر / أبو ظبى / 300 صفحة من الحجم الكبير
يشترك كتاب " الأمثال الشعبيّة فى الإمارات " لإبراهيم الصّباغ مع كتاب الدكتور المدنى بخاصيّة الأحاطة بموضوع واحد والتخصص به وإضاءة مختلف الأبعاد التى يطرحها وقد وفق المؤلّف فى جمع مئات الأمثال الشعبيّة وسرد حكايات بعضها وشرح ألفاظها ثم عقد فصولاً للمقارنة بينها وبين مثيلاتها فى الدول العربيّة فلسطين ، الأردن ، مصر ولكن دون أن يعمق فى شرح العلائق والخصائص الأمر الذى أفقد هذه الصفحات الكثير من أهميتها .
ونٌسجّل على هذا الكتاب الملاحظات التالية :


أولاً : ــ الصفحات السبعين التى أضافها المؤلف للتعريف بالأمثال الفلسطنية والمصرية وغيرها كان يمكن تعميقها أكثر بدراسة مقارنة عن وحدة الأمثال فى العالم العربى كمدخل تاريخى للوحدة العربيّة .


ثانياً : ــ الأمثال التى جمعها المؤلّف تصل إلى ( 543 ) مثلاً فقط ، رتبّها حسب حروفها الهجائية ، وشرح كل واحد منها على حدة ، ولم يزد شرحه عن توضيح سريع لمعانى الكلمات الصعبة وهذا خطأ كبير فلكل مثل شعبى قصّة ، ومناسبة ، وله أرتباط معيّن ومناخ خاص كان الأجور بتناوله تعميقاً للبحث .


5: ــ التراث الشعبى فى الإمارات العربيّة المتحدة / أسامة فوزى وآخرون / 1978 / أبو ظبى / 127 صفحة من الحجم الكبير / بالألوان ، صادر عن لجنة التراث الشعبى / ثانوية زايد الأوّل / العين .
يٌعتبر هذا الكتاب أشمل كتاب عن التراث الشعبى فى الإمارات العربيّة ، فهو تخصص فى إلقاء الأضواء ــ التفصيلية فى بعض الفصول ــ على أهم ألوان المأثورات الشعبيّة فى الإمارات مثل : الشعر البنطى ، العيّالة ، الحربيّة ــ وهما رقصتان ــ الصيد بالصقور ، أمراض البوش ــ الجمال ــ وعلاجها ، الألعاب الشعبيّة ، المأكولات الشعبيّة ، النخيل ، أنواعه وطرق زراعته ، وأخيراً القهوة العربيّة 000 وقد تضمن الكتاب خرائط توضيحيّة وصوراً ملوّنة أضفت عليه الكثير من البهجة والشمولية ، وكانت طباعته الفاخرة على نفقة ديوان ولى العهد 000 وفى المقدّمة [ لماذا الفولكلور ] مهد المؤلّف إلىالموضوع بإعطاء فكرة تاريخيّة عن هذا العلم ودواعيه وتعريفاته المختلفة ، ثم إنتقل لتوضيح خطة العمل التى أتبعها الفريّق المكوّن من خمسة طلاّب ، والتى تتلخص فى الطواف على العارفين والخبراء وتسجيل المأثورات على أشرطة كاسيت ثم تفريقها وقيام المشرف بتحليلها ودراستها وصياغة المعلومات وتبويبها وتوجيه الفريق إلى مواقع أٌخرى تكميلية وغير ذلك 00 وقد حصر الفريق المأثورات التراثية التى يمكن تسجيلها فى الإمارات بثلاثين موضوعاً كما يلى : ــ
1ــ الناقة ، طريقة الإحتفال بها ، الأشعار التى تقال بمناسبة ولادتها ، ورعايتها وتدريبها .
2ــ القهوة العربيّة ، وضعها ، أكواب تناولها ، معرفة الجيّد والردىء منها .
3 ــ الغوص ، أهازيجه وأغانيه ، عاداته ، الأسماك وطرق صيدها ، أوقات الصيد .
4ــ الزواج ، الخطوبة ، المهر ، مدّة الخطوبة ، حقوق الطرفين من مراحل الزواج والخطوبة ، مشاركة الأهل .
5ــ الولادة ، البنت والولد ، ما يقال عند سماع خبر المولود ، من يقوم بالتوليد ، ما يقال فى حالة موت المولود .
6ــ الرقصات الشعبيّة ومناسباتها ، متى تشترك النساء فيها .
7ــ مجالس الشعراء ، آدابها ، من يبدأ بقراءة الشعر وكيف يتم ذلك كلمات ، الأستحسان أو النقد .
8ــ الطهور ، الختان ، كيف يتم ، ما يٌقال من أشعار خلال ذلك ، من الذى يقوم بالعمل وكم يكون العٌمر .
9ــ الموت ومراسم الدفن ، الكفن ، حفر القبر ، الحداد ، مّوته ، ما يقال أثناء التعزية .
10ــ السمر ومجالس الطرب ، المناسبات ، كم تستمر حفلة السمر وما يقال فيها .
11ــ الثأر ، حالاته وأوقاته وأسبابه ، وما يقال قبل وبعد الثأر .
12ــ الحمل ، موقف الأهل من العاقر ، مكانة الحامل وعلاقتها بأهل زوجها
13ــ الملابس ، أنواعها ، ومناسبة لبسها ، أقمشتها ، وما يقال عند شراء ثوب جديد
14ــ المأكولات ، أنواعها ومناسباتها 000 الخ
15ــ الكرم وإكرام الضيف ومدّة إقامته وما يقال فى هذه المناسبة .
16ــ الأعياد العامة والخاصة .
17ــ المرض وما يقال فيه ، والأمراض السائدة وعلاجها بالعقاقير [ الطب الشعبى ]
18ــ الغزو والحروب ، أسبابها ، تقاليد الغزو والقتال .
19ــ السلاح وصفه وأنواعه وطريقة صنعه وإستخدامه .
20ــ الحج ، توديع وإستقبال ، ما يقال من أشعار وأغان وأهازيج .
21ــ السفر البعيد ، الهجرة ، ذكر العلاقات السابقة بالأهل والجيران والعشيرة .
22ــ القوافل التجارية أو الحربيّة ، الأشعار الحماسية ، طريقة سير القوافل .
23ــ الزراعة ومواسم جنى الثمار والأغانى التى تقال .
24ــ الكوارث وما يقال فيها .
25ــ السكن فى منزل جديد أو شراء جدار جديد أو تجديد عفش المنزل .
26ــ تخريج الطالب من مدرسة المطوع وختمته للقرآن .
27ــ القنص وصيد البر والصقور والأسلحة المستخدمة .
28ــ أقوال وأغانى الناس فى الأسواق أثناء البيع والشراء .
29ــ النخيل ، أمراضه وأنواعه وطرق رعايته .
30ــ أنواع الشعر الشعبى ( البنطى ) وموسيقاه وألفاظه وأشهر الشعراء .


7: ــ رياضة الصيد بالصقور /  الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / رئيس الدولة / أبو ظبى / 1976 .
يٌعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع فى العربيّة التى تتحدث عن رياضة قديمة جداً عند العرب هى رياضة الصيد بالصقور  يتضمن الفصل الأوّل سيرة ذاتية عن بداية التعلق بهذه الرياضة ثم سرداً تاريخياً لها ، ويؤكد المؤلف أنّ أوّل من صاد بالصقر ودرّبه [ الحارث بن معاوية بن ثوربن كندة] حيث وقف ذات يوم عند صيّاد ينصب شباكه لصيد العصافير فشاهد أحد الصقور وهو ينقض علىعصفور تعلّق بالشباك وأخذ يلتهمه ولكن جناحى الصقر ما لبث أن تعلّق بالشباك وهٌنا أمر الحارث بأن يأتوا له بالصقر فأخذه ووضعه فى بيته وخصّص له من يطعمه ويعلّمه الصيد وذات مرة رأى الصقر حمامة فطار إليها ونالها ثم إلتهمها فأمر الحارث عند ذلك بتدريبه وتهذيبه والصيد به ومنذ تلك الواقعة عرف العرب بالصقر وإنتشر بين الناس وقد شاع أن أشهر من صاد بالصقر فى فجر الأسلام هو[ حمزة بن عبد المطلب ] على يد صقر ، وفى الكتاب حديث مطوّل من آداب الصيد عند العرب ومنها الكف عن صيد الحيوانات التى تلجأ إليهم من شدّة الجوع أوشدّة العطش أو البرد القارص وإن يكون الصيد بعد مطاردة الفريسة ومنازلتها وإلاّ تحوّل الأمر إلى مجرّد القتل ، كذلك من أدابه تهادى لحمه وبذله للطاعميين وجميع الأصحاب والأقارب 000 وفى عصر بنى أمية إنتشرت هواية الصيد حتّى إنّه أصبح هناك مسؤول للضوارى فى الدولة ، ومن أشهر ولاة بنى أٌميّة حٌبّاً فى القنص وتربية الجوارح [ يزيد بن معاوية ] و[هشام بن عبد الملك ] وأمتد الأهتمام بهذه الرياضة إلى العبّاسية خاصة وأنّهم تأثّروا بالفرس الذين كانوا يولون هذه الرياضة إهتماماً كبيراً حتّى أنّ كلمة [ البيندرة ] كلمة فارسية مأخوذة من الباز والبازية ومعناها الصقّارة أو فن الصيد بالصقور .ويأتى كتاب الصيد بالصقور لسليمان أبو عاذرة تكميلاً لهذا الكتاب ويشكلها عموماً أهم مرجع عن هذه الرياضة .


إصدارات فى الشعر
مجموعة الدواوين الشعرية التى صدرت فى الإمارات العربيّة المتحدة قليلة ، والذى أرتقى منها فنيّاً يٌعدٌّ على الأصابع ، لعلّ أبرزها ديوان [ هٌنا بار بنى عبس الدعوة عامة ] لحبيب الصايغ ، وديوان سالم بن على العويس الصادر فى عمّان وديوان حصاد السنين للدكتور المدنى وأشرعة وأمواج للشاعر نفسه وبعض الإصدارات الأٌخرى .
1ــ هٌنا بار بنى عبس الدعوة عامة / حبيب الصايغ / دار الكلمة للنشر / بيروت 1980 / قصيدة طويلة 715 سطراً / 59 صفحة من الحجم الصغير / الغلاف للفنان محمّد العكش .


لقد إطلعت على معظم قصائد الشاعر قبل النشر ، وقبل أن تظهر إحداها [ هٌنا بار بنى عبس ، الدعوة عامة ] فى ديوان مستقل ، وحدها ، كما إطلعت على قصائد الشاعر المتفرّقة التى سيجمعها ديوان آخر بعنوان [ عزف منفرد على الجرح ] يٌتوقع صدوره عن دار الكلمة البيروتيّة فى أى لحظة ، وكنت دائماً ، خلال قراءاتى لقصائد الشاعر ، أبحث عن نقطة " البداية " عند الشاعر ، فى محاولة منى لتأطير تجربته الشعريّة وكشف مراحلها إبتداء ً من الولادة ومروراً بمرحلة التجريب وإنتهاء بالجذوة أو القّمة .


ورغم قراءاتى المتعدّدة للقصائد ، لم أتمكن من إكتشاف هذه المراحل ، أو رسم حدودها الزمانيّة المضمونيّة ، فموهبة حبيب الصايغ الشعرية  فى مرحلة المراهقة ــ البدايات ــ وإنّما خرجت من رحم الإلهام الشعرى فنيّة ، قويّة ، مستقلّة عن المشيمة لها شخصيتها المميّزة ، وبين جوانحها العمٌق والإثارة والإلتزام .
لقد عايشت مرحلة المخاض التى عاشتها القصيدة من بداياتها ، والمدٌهش أنّها بدأت من حيث تنتهى القصيدة  وهذه ميزة عجيبة ينفرّد بها الشاعر  التجربة الشعرية عنده ؛ فى مرحلة المخاض الشعرى ، تكون هلاميّة مثل الزئبق ، ثم تبدأ تتكامل وتتلاحم فى شكلها الهندسى الأخير ؛ متجاوزة كل معادلات البناء الشعرى ، المعمارى ، الهندسى ؛ الذى يسير مثل الأبجديات ، رتيباً متصاعداً متوتّراً حتّى الذروة .


قصيدة حبيب الصايغ [ هٌنا بار بنى عبس الدعوة عامة ] بدأت من الذروة ، وكانت ولادتها من المقطع [ تطلين يا عبل ] فى ص 26 ، وبعد إكتمال الذروة ، إرتد الشاعر إلى البدايات ، فى ولادة شعرية عكسيّة مٌدهشة ، تضع هذا الشاعر فى موضع متقّدم من شعراء القصيدة الطويلة .


القصيدة الطويلة [هٌنا بار بنى عبس الدعوة عامة ] ؛ التى تقع فى 715 سطراً شعريّاً وتشكلّ وحدها الديوان الشعرى الأوّل لحبيب الصايغ ، ويقع فى 59 صفحة من القطع الصغير ، أشبه بملحمة شعريّة ، أسقط فيها الشاعر التاريخ العربى على الواقع المٌعاش ، وأوجد معادلات ورموز لا تتطابق هندسياً مع الواقع وإنّما توحى بما يريده الشاعر وقد إختار الصايغ قصّة [ عنترة العبسى ] بكل أبعادها ودلالاتها وفرشها بذكاء على أرضيّة الواقع المعاش ، فكانت هذه القصيدة العجيبة .


عنوان القصيدة وحده [ هنا بار بنى عبس الدعوة عامة ] يستفزّك ويسلمّك مفاتيح الرمز فى القصيدة ، فجوّها العام جوّ متوتر ومصنوع ، يمر فى مرحلة فقدان الوعى ، مثل حالة السكارى وروّاد البارات تماماً  تاريخ القبيلة الشهيرة [ عبس ] أصبح مشرباً للعابرين و[ الدعوة عامة ] ، بكل مجّاينتها  والعالم العربى ، منذ قرنين أو يزيد ، أصبح مشاعاً ومجّايناً لكل الشاربين ، إبتداء من البرتغاليين وإنتهاء بالصهاينة مروراً بمحطات التوقف الطويلة ، والمريدة ، الإنجليز ، فرنسا ، البرتغال ، الإسبان ، الأتراك ، وحتى الطليان .
الإسقاط التاريخى فى القصيدة يمر فى دوائر ثلاث ، بينها تماس مٌباشر 
• دائرة ذاتيّة هى إنعكاس التجربة شخصيّة جداً .
• دائرة إجتماعيّة هى الوليد الشرعى للمعايشة الحقيقيّة للظروف الموضوعية المحيطة
• دائرة إنسانية يكتمل بها الإطار ، وترتفع فيها شعارات تصلح لكل زمان ومكان

تبدأ المرحلة مع الذات فى المرحلة الأولى ، مع الأسطر الأولى من القصيدة :
* تٌشاغبنى البيدٌ فى ذروة الوحدة الحافلة
* وزوّادتى فوق ظهرى
* وعٌمرى نفقْ
* ظلامّ تمدّد فى الوقت ثم إحترق
* ولا شىء حولى سواى
* وظلّى 
* يراودنى عن نقائى الجريح ْ
* ويلفظ باقى الرمقً .
إفتتاحيّة القلق والصياغ الذاتى هذه لا تطول ، وإنمّا يبدأ التاريخ يتسرّب إليها من خلال شخصياته الشهيرة [ أبن ماجد ] ، [ القراصنة ] ، [ عنترة ] ، [ عبس ] و[ زيبة ] ويتمدّد المكان ليتّسع 000 لم يعد الهيجان داخل قلب الشاعر وإنمّا وصل إلى [ خراسان ] و [ مكة ]. . تنصهر هذه كلّها فى شخص [ خلفان ] ؛ البدوى القادم من الصحراء .

* تُشاغبنى البيدُ
* تقلعنى من جذورى السجينة
* فى قمقم الأرض
* ســّيان عندى التذكّر والموت
* كنتُ ابن ماجد ساعة ألقى الشراع
* ففرّّ القراصنة العاشقون
* إلى حبة القلب
* وأقتسموا فيئها
* هرّبنى مركب قادم من خرسان
* يمهل متهمين بجرم التردّد
* إن المشانق تزدان خلف المياه الذبيحة
* هرّبنى من خرسان شيخ ضرير
* وأنبأنى فى الطريق بأسرار بابل
* والأوّلين
* وبسمل
* ثم توضاء بالموج فى لحظة المد
* ســـاءلينى
* أين مكّه فى العالمين ؟!
بين الدائرتين ، الأولى ، حيث الذات و الوحدة والضياع ، والثانية ، حيث التاريخ يُشارك الشاعر همومه ، تظل معزوفة الوحدة تتردد
* وحيدّ أنا
* ضائع كالفصول الشديدة
* إنّ الرثاء إنتهاء الحضارات
* فلتربطونى إلى شاهد القبرُُُُُ
* كيما أّغنى
فى وعى عنترة العبسى ، كانت ( عبلة ) بمثابة الحلم ، الذى يمكن الوصول إليه وتحقيقه ، بتجاوز الواقع ، الواقع , فهل إستطاع عنترة العبسى ، العبد الأسود ، الحبشى ، أن يتجاوز واقعه الإجتماعى وقانونه الصارم ، إلى تحقيق حلمه بالوصول إلى ( عبلة ) وهل كان الحلم بمستوى هذه الأهوال والمخاطر التى ركبها عنترة الحبشى تحقيقاً للوصول ؟
* تطلين يا عبل
* يحتضر النبض
* بين شفاه القبيلة
* يخلع وجهك جلد الحريم
* ويستيقظ الشبق المولهم
* وينبت فى الطين حلم
* ويذبل فى الجو غيم
* وتمتد بين السراب وبين الدُخان
* جسور من الوهم
* هل أنت يا عبل وهم؟
قد تكون عبل هى الرمز المقابل للثورة أو الخلاص أو الحريّة  لا ندرى ، فالمعادلة ليست هندسيّة ، تطابقيّةُ ، وإنمّا هى ــ كما قلنا ــ إيحاء بحالة وإرهاص بوجدان ، ( عبل ) فى النهاية ؛ رغم أنف الشاعر ، هى الحلم ، الحقيقة  وبما أنّ عنترة إستطاع أن يختزل المسافة ما بين الحلم والحقيقة رغم قوانين القبيلة فما يمنع العربى الآن من إختزالها والوصول إليها ؟


( عبل ) فى النهاية هى الحُلم الذى لا بُدّ منه ، هو الخلاص الحتمى ، رغم التواكل والزيف والضياع  لقد توحّد العربى بحزنه وبحلمه وبعد هذا التوحّد تأتى الولادة ؛ حتى لو كانت فى البار الكبير [ بار بنى عبس ] وحتىّ لوكانت الدعوة إليه عامّة ومجّانية .
* أنّا قدّر عابق بالضياء
* ودفء الجزيرة
* تناميت حقل إشتهاء
* يمد الجذور
* إلى نجمة الصُح
* دفقاً
* من الماء والموت
* يصبغ قوس المطر
* تناميت ظلّها يُغازله اللحن
* وهو يُعارف جفن الوتر
* وشمساً ولوداً
* يحيط بها الليل
* من كل صوب
* وتطلع سرُتها كل يوم تمر
* وسافرتُ ، جئت إليك
* تجاوزت ذاتى
* فأنتُ الملان وأنت المعز وأنت الوتر
توحّدتُ الهموم ، وإندفعت من دائرتيها إلى حالة أوسع وأشمل من صدر الشاعر ، وقلب القبيلة  ولم تعد ( عبل ) هى ( حلمُ ) عنترة العربى فحسب وإنمّا هى حلم كل المطرودين والمشرّدين ، فى كل الطرقات والقبائل والعواصم .


لم يعد التمييز القارات فحسب لون البشرة أو حجم الأكتاف ، ولم تعد أفريقيا طريدة الحريّة ، وإنّما الحلم ، الحريّة ، الواقع ، تنبت فى غاباتها :
* هُنالك تخلع أفريقيا
* كلّ أثوابها المخمليّة
* فتبدو لكل العيون السميُمة
* سواءتها الأنثويّة
* تجنحّها الرغبة السامية
* هنالك يدخل آدم
* فى مرفأ الذاكرة
* فينظر اللحظة الشاعرة
* ويحلم بالجنّة الدنيويّة
* ويحلم بالمجد واللوز والإنتصار
* فتخرج حوّاء من خندق الخاصرة
* تشاركه الخبز والرفض والإنتظار
لقد أكد حبيب الصايغ نفسه كشاعر ، ليس من خلال مضامينه الفلسفيّة العميقة ، المستكدة من حركة التاريخ ، فحسب ، وإنّما أيضاً من خلال سيطرته الكاملة على الوزن الشعرى ، وعلى الموسيقى ، وقدرته الفائقة على توظيف الجملة الشعرية لخدمة القصيدة ، ثم قدرته على ضبط الصور الشعريّة المتلاحقة ، رغم دائرتيها وهلاميّة إطارها الخارجى ، إن كل هذا التوفيق فى الشكل والمضمون ، وهذه الجرأة فى طرح الذات ، عربيّاً من خلال أصعب أنواع الكتابة الشعرية ؛ كل هذا يؤكدّ أننا حيال موهبة شعريّة خلاّقة جديرة بالإحترام والتقدير .
* * *
القصيدة الثانية التى تكشف عن جانب منهم من جوانب الإبداع الشعرى عند حبيب الصايغ ترتبط بمناسبة معيّنة ، حادثة إنفجار سيّارة ملغومة بعلى حسن سلامة ، المناضل الفلسطينى المعروف ، ومع أنّ القصيدة تلت هذه المناسبة ، إلاّ إنّها تحمل على مضمونها فلسفة أوسع وأعمق من مجرّد الرثاء العادى ، وهى فى شكلها أيضاً ، إنموذجاً راقياً من البناء الشعرى الهندسى .
تحمل القصيدة عنوان [ الجسور الثلاثة ] وتتوالى فقراتها كما يلى :
( 1)
من رحم الأرض ولدت ، ومن عين فلسطين أتيت جميلاً رغم الحزن الساكن بين الشفتين
وبين جراحات الأمس وأحلام الغد .
نحن سفوح الأرض فياجبلاً أهدته إلينا صفد دمك الأخضر أغنية جذلى تبكينا
تصعق حين ترانا أحياء نتنفّس تلطم من فرط أساها فوق الخد
نحن دارويش فى أيدينا مسبحة التاريخ وفى أرجلنا قيد الحقد
نحن ظماء للشمس ، وأنت الوهح الأسمى أنت النار
ونحن الخوف ، ونحن الذلُ وأنت أبو حسن أنت المجد .
( 2 )
يا من رسمتك فلسطين على خارطة الكرة الأرضيّة نسمة صيف إطلالة طيف إشراقة سيفْ
عشقك أطهر من طهر الطهر وعمرك أطول من طول الطول وموتك نبض فى قلب القدس
تعيش به وبه تنسخ ألف حياة تتحدى الزيف .
( 3 )
أوجاعُ فلسطين تزغردُ تنبت فى الطين وروداً متفتّحة الأكمام وتطلع فى صحراء الوهم
نخيلاً ، سوف تُزف الجنُة نحوك ، سوف تلاقيك الحور بياقات الورد ،
وسوف يراك أبوك فيبكى من فرحته ، سيقبلك القبلة تلو القبلة ،
وسوف يضُمّك بين الزنديين المحبولين بحب فلسطين ،
وسوف يقول : لقد طوّلت الغيبة يا ولدى !
سيقول : أيا ولدى من خلّفت لبثأد لكرامتنا ؟ وستنشد : ــ
خلّفت حفيدك
خلّفت سميّك
" حسناً "
ولدى !
( 4 )
حسن حسناً قُلْ ماذا ترغب فى أن تصبح ، دكتوراً ؟ موسيقيّاً يعزف لحن ؟ أم فلاّح ؟
ــ أنا أبغى أن أُصبح مثل أبى دكتوراً يشفى جرح الشعب وموسيقياً يعزف لحن الأرض وفلاّحاً يزرع فى كل مكان بُستان سلاح !
( 5 )
حين تصير الأجسام جسوراً ، وتصيرُ الأرواح عصافير تحلّق فوق الوطن المعشوق
فراشات تُمطر يافا عسلاً وبنادق تأبى سلم الخصم وترفض غدره .
يُصبح هذا الوطن العربى سماء ويموت الموتُ وتنتصر الثورة .
*
السيّارة الفولكسفاجن الصغيرة ، المشحونة بمئات القنابل الموقوتة ، المتربصة بسيّارة الزعيم الفلسطينى الشاعر [ على حسن سلامة ] لم تنفجر فى وجه الزعيم الفلسطينى ورفاقه الأربعة فقط ، وإنّما إنفجرت فى وجه كل عربى ، من المحيط إلى الخليج ، لأنُها تعبير عن مدى التسّيب الأمنى الذى يعيشه الأنسان العربى ثم هى تجسيد لوحشية الهجمة المسعورة على شعب فلسطين ، ومن هُنا فإنّ تفاعل كل العرب مع الشعور الرافض لقذارة هذه الجريمة هو تفاعل طبيعى ، حتى ، يؤكد أنّ السيارة الفولكشاجن ــ القنبلة ــ كان يمكن أن تنفجر فى أى موقع ، على طول الخريطة العربيّة ، لأنّها ، كلّها جبهة مواجهة .
الأدباء والشعراء العرب عاشوا هذه الإنفجارات بكل أحساسيهم ، وحوّلوها إلى قصائد تنطلق كما الرصاصة ، مرتدّة إلى صدر العدو ، فكان الإنفجار فى سيّارة المفكر والروائى الفلسطينى
( غسّان كنفانى ) هو أروع رواية يكتبها غسّان بدمه ، وبدم أبنة أخته  وكان الإنفجار الذى أحرق الشاعر الفلسطينى ( راشد حسين ) فى نيويورك ، هو أروع قصيدة نضاليّة كتبها الشاعر بدمه ، وببقايا عظامه المتفحمة  وكانت القذيفة التى حلّمت رأس ( طلال رحمة ) فى بيروت أروع علامة وفاء يقدّمها هذا الشاعرالمقاتل لشعبه.
منطقة الخليج العربى لم تكن بعيدة عن هذه الأنفجارات ، فأدب الكُتّاب البحرانيين قمّة العطاء الثورى وقصائد شعراء العراق وهج فى عين الشمس ، وقصائد حبيب الصايغ ــ من الإمارات ــ تجاوز كل الجسور  .
لقد وفّق الشاعر فى إختيار عنوان قصيدته [ الجسور الثلاثة ] ، فالعنوان إختزال واضح ومؤثّر للفكرة المحوريّة فى القصيدة ، فكرة توارث النضال  من الأب إلى الأبن ، بدءاً بالجد .
وقد لاحظنا أنّ قصيدة الصايغ تقع فى خمس فقرات  أو لوحات فنيّة تُشكلّ فى توحّدها ــ ضمن إطار واحد ــ قصّة واحدة ، هى قصّة شعب فلسطين .
اللوحتان الأولى والثانية تحيطان سيرة [ حسن على حسن سلامة ] الجد المناضل الذى قاد وحدات من المقاتلين الفلسطنين فى جبال وأحراش القدس ، خلفاً للشهير عبد القادر الحسينى ، إلى أن سقط على تراب فلسطين عام 1947 ، تاركاً إبنه ( عليُاً ) يترعرع فى حضن الثورة .
اللوحة الثالثة : تحكى قصّة ( على حسن سلامة ) ، الطفل اليتيم ، الذى عاش آلام شعبه ، وترعرع فى أحضان الثورة ورضع لبنها ، ثم مات فى سبيلها  أمّا اللوحة الرابعة ، الخامسة التى تليها ، فتحكيان قصّة [ حسن على حسن سلامة ] ، الحفيد ، الطفل الصغير الذى إرتدى بزّة المقاتلين ، ليودع والده المحمول على الأعناق وهو يبتسم .
*
قصيدة الجسور الثلاثة شريط سينمائى مختزل ، عن ماضى وحاضر ومستقبل قضيّة فلسطين ، وهو ليس شريطاً حربيّاً عاديّاً يبدأ بالقنابل وينتهى بموسيقى الحُزن وتُراباً ينهال على الموتى ، أنّه شريط يبدأ بالقنابل وينتهى بالقنابل  والإبتسامات
ومن هنا ، فإن القصيدة ، رغم الجو المأساوى العام الذى إرتبطت به ، ورغم مناسبتها الخاصّة ــ إستشهاد ــ سلامة ــ تحمل بين طيّاتها التفاؤل بالمستقبل والحذر والتصميم والإرادة .
لقد ظهر التفاؤل والتصميم والإستبشار بالمستقبل فى اللوحة الثالثة ، حيث كرّر الشاعر كلمة ( سوف ) ــ وهى تؤدّى بما يليها كل هذه المعانى ، خمس مرّات ، كما يلى : ــ
* سوف تزف الجنّة نحوك
* سوف تلاقيك الحور بباقات الورد
* سوف يراك أبوك فيبكى من فرحته
* سوف يضمك بين الزندين المحبولين بحب فلسطين
* سوف يقول لقد طوّلت الغيبة يا ولدى
ومن الواضح أنّ هذا التكرار لم يكن ممّلاً ؛ حيث إستطاع الشاعر أن يوظفه لخدمة الفكرة الرئيسية التى يريدها ، وهذا كلّه يعنى أنّ معاناة الشاعر لم تكن مزوّرة ، وإنّها فى إمتدادتها الخمسة فرضت عليه لغته ، وفرضت عليه موسيقاه ، من هُنا جاءت القصيدة على النمط الحديث ؛ الذى يمتد ويمتد ويمتد كما الجسور التى يريدها الشاعر ، وفى هذا الإمتداد تكمن روعة القصيدة .
الشاعر فى جسوره الثلاثة لا يستدل من رحم الأرض الثورة فقط وإنّما يستولد من رحم الألفاظ العربيّة كل ما تختزنه من تعبيرات وكل ما يمكن أن تنشحن به من إضاءة وتوهّج ،
لقد أستولد عن العشق الطاهر " طهر الطهر "
وإستولد من العمر الطويل " طول الطول "
وإستولد من الموت " موت الموت "
فكانت المعادلة النفسّة التى يعبّر عنها الشاعر تواكب المعادلة الثورية التى تسير المقاومة العربيّة فى خطتها .
* عشقك أطهر من طهر الطهر
* وعمرك أطول من طول الطول
* ويموت الموت وتنتصر الثورة
طهر الطهر ــ وطول الطول ــ وموت الموت  إنّها إشتقاقات وعبارات تشعرك بأنّ فى يد الشاعر مطرقة ، تدق على رأسى العالم وهى تصحيح ، ستنتصر الثورة  تنتصر الثورة .


القصيدة لا تتميّز فقط بلوحاتها الخمس المرسومة بعناية وذكاء وصدق ، وهى أيضاً لا تتميّز بموسيقاها الممتدة الممتدة ، بل هى تضيف إلى كل ذلك هذه الصور البلاغيّة الجميلة التى تأتى لخدمة الفكرة وتوضيحها وإبرازها ، 
* فالحزن بين يدى الشاعر أصبح أنساناً يسكن بين الشفتين ,
* وفلسطين إمرأة تلد من عينيها .
* والأرض لها رحم .
* والناس سفوح جبال .
* والتاريخ بمسبحة .
* وأوجاع فلسطين تزغرد فرحة .
* و الموت يموت  والبنادق ترفض  والأرواح فراشات .
المعانى ، والأفكار ، و الجمادات ، بين يدى الشاعر تتحول كلّها إلى كائنات بشرية تفرح وتبكى وتسعد وتحزن وتثور ومن هُنا فإن لإستعارات البلاغيّة لدى الشاعر جاءت فى مكانها ، لقد وفّق الشاعر فى مزج أحاسيسه وومعاناته بكل ما يحيط به من رموز مجرّدة ، حوّلها هذا المزج إلى حياة تنبض .


الشريط السينمائى الذى يُقدّمه الصايغ ليس شريطاً عادياً تظل به الأرض أرضاً والأوجاع أوجاعاً والموت موتاً  إنّه شريط جديد ، يخرج بطريقة جديدة ، تُصبح فيه الأرض أمّا تلد أبناء الوطن الواحد من رحمها وتُصبح فيه الأوجاع والألام كائنات بشريّة تزغرد متحدية ويصبح فيه الموت كائناً هزيلاً 00 ويموت .
*
الناقد الذى يقف أمام هذه القصيدة ليبحث فيها من عيب واحد سيُعابُ بالفشل ، لأنّها قصيدة مكتملة ، أمّا بعض ( الرهنات ) التى لا ترتفع إلى مستوى ( العيب ) فى البناء اللغوى والفنى للقصيدة ، فيمكن النظر إليها من باب أنّ الشاعر تعنيه سلامة ( المولود ) ــ القصيدة ــ بالدرجة الأولى ، ثم تأتى ( الكدمات ) التى سببتها الولادة فى الدرجة الثانية .
* قد يكون إستخدام الشاعر لكلمة ( فوق الخد ) فى الشطرة التالية [ تلطم من فرط أساها فوق الخد ] حشواً لا ضرورة له ، ويُمكن الإستغناء عنها والإكتفاء بالشطرة كما هى من غير ( فوق ) هذه .


* وقد يكون إستخدام الشاعر لبعض الكلمات الدارجة عيباً من مثل قوله [ دكتوراً ] فى الشطرة التالية [ ماذا ترغب فى أن تصبح دكتوراً موسيقياً أم فلاّحاً ] ، قوله [ دراويش ] فى الشطرة التالية [ نحن دارويش فى أيدينا مسبحة التاريخ ] ، هذا مع إعتراف أن أستعمال الدارج من الكلام ليس عيباً فى كل الأحوال ، لأنّ الكلمة ( الدارجة ) قد تكون أكثر إضاءة للنص وأكثر تعبيراً عن روح القصيدة ، ولا نغالى أذا قلنا أن روعة نزار قبانى تكمن فى قدرته الفائقة على توظيف الكلمات الدارجة المفهومة ، المعُبرة ، لخدمة القصيدة .


وقد تكون المبالغة فى التلاعب بالألفاظ عيباً كقوله [ أطهر من طهر الطهر ] [ أطول من طول الطول ] على إعتبار أنّ إشتقاقات مترادفة ومتتالية من هذا القبيل ليست موجودة فى الشعر العربى وعلى إعتبار أنّ تكرّر حرف الطاء ثلاث مرّات ، والهاء ثلاث مرّات ، أمر لا تستسيغه الأذن العربيّة ولا يتفق مع الموسيقى الداخلية للقصيدة ، لكن من هنّا يُنكر أنّ هذا ( العيب ) لذيذ وخفيف وبديع .
وقد يكون [ الحوار ] فى الفقرة الرابعة عيباً على إعتبار أنّ القصيدة الحديثة عموماً لا تستسيغ هذه الخاصيّة التى تكثر فى الشعر العمودى المقفّى وعلى إعتبار أيضاً أنً قصيدة [ الجسور الثلاثة ] أقصر من أن تتحمُل حواراً كقوله : ــ
حسن حسناً قُلْ ماذا
ترغب فى أن تصبح  الخ
أنا أبغى أن أصبح مثل أبى  الخ
ولكن يمكن تجاوز هذا ( العيب ) لأننا حيال قصيدة غير عادية ، تتكون من مشاهد ولقطات ، والحوار جزء لا يتجزأ من فن ( المشاهد ) فى الشعر العربى .
بإختصار : إنّ قصيدة [ الجسور الثلاثة ] قصيدة حديثة وموفّقة ، إختزل فيها الشاعر ماضى وحاضر ومستقبل قضية فلسطين من خلال الإرتحال فى مأساة على حسن سلامة ، وكان الإرتحال موفّقاً ، وكانت القصيدة عربون حب ووفاء لشعب فلسطين .


1 ــ حصاد السنين / د . أحمد أمين المدنى / المطبعة الوطنية / 1968
الشاعر من مواليد ديرة فى دُبى ، وردت ترجمة حياته فى معرض حديثنا عن كتابة " الشعر الشعبى " فى نشأته وتطوّره " ولا بأس أن نُذكرّ القارىء بسمتين رئيستين إنعكستا على نتاجه الشعرى ، وكانا نتيجة طبيعية لثقافة الشاعر .
الأولى : ــ البعد الفلسطينى ، ويرتبط هذا بتأثره فى دارساته العليا حيث قدّم أطروحة الدكتوراه [ أصول فكرة التوحيد ]
الثانية : ــ التفاعل مع التيّارات الأدبيّة الغربيّة المعاصرة وكان هذا نتيجة مُباشرة أيضاً لدراسة كمبردج والسوربون .
وتجربة الشاعر ، يمكن رصدها فى مرحلتين أثنتين
الأولى : ــ البدايات فى ديوانه حصاد السنين .
الثانية : ــ الإتجاه القومى فى ديوانه أشرعة وأمواج .
يُلاحظ أنّ الشاعر يسيطر على الوزن الشعرى ويعبرّ عن الحالة الشعرية من خلال الشكلين ، القديم والجديد  متأثراً إلى حدًّ ما بما أسماه فى مقدّمة ديوانه الأوّل " بالهزة " التجديدية فى الشعر الخليجى " ، تتميّز قصائد الديوان الأوّل بإحساس طاغ بالقلق ، وقد إعترف الشاعر بذلك فى مقدّمته الطويلة للديوان 000 القلق هو لحمة وسداة هذه القصائد يقول : قصائد هذه المجموعة مهما أختلفت مضامينها وتنوّعت أشكالها فإن شعوراً واحداً من الحب والألم والحنين يجمع بينهما ، شعور الشباب والقلق على مشارف عصر جديد مصطخب الأراء ، متنازع الأهواء "
معظم قصائد هذا الديوان نشرت فى المجلاّت والدوريات العربيّة ، لكن ملفت للنظر فى مقدمته التاريخيّة ، النقدية ، التى يحاول من خلالها الشاعر ان يؤخّر تجربته من خلال إضاءة الواقع الفنى والتاريخى لحركة الشعر فى الخليج على وجه العموم .
وقد تضّمنت المقدّمة مقولات قد تبدو أوسع بكثير من واقع القصائد ولكنها على أى حال تكشف عن رؤية الشاعر  وعن تجربته الشعرية ، ويمكن تلخيص هذه المقولات بما يلى :


أولاً : ــ القلق هو محور القصائد على إختلاف مضامينها .
ثانياً : ــ الفن إنطلاق فى لا نهائيات من الأحلام والخيال ، لذا ، لم التزم بالتيّارات الفنيّة السائدة .
ثالثاً : ــ الشعر فى الخليج كان حتىّ أواخر الثلاثينات صدى لتقاليد الشعر القديم ، مسجوناً فى توابيت المفاهيم البالية إلى أن تعرّض فى الخمسينات لهزّة التجديد .
رابعاً : ــ الشعر فى الخليج يجمع ملامح المدارس الأدبيّة مجتمعة .
2ــ هناك إصدارات شعريّة أُخرى لعدد من الشعراء ، تحمل الهموم ذاتها التى لمسناها عند حبيب والدكتور المدنى مع إختلاف فى التناول الفلسفى والقومى لها وتتراوح قصائد هؤلاء بين الوسط وما دون الوسط ، سواء من الناحية الفنيّة للقصيدة  أو من ناحية تناول الفكرة والمضمون وتعبيرهما عن موقف [ فكرى ]  وفيما يلى إشارة إلى بعض هذه الإصدارات :


1ــ ديوان سالم العويس / صدر فى عمّان / الأردن / 1978
2ــ ذكريات / عارف الشيخ / دبى / 1977
3ــ ديوان / على بن رحمة الشامى / منشورات وزارة الإعلام / جمعه وشرحه فالح حنظل / المطبعة العصرية / 136 صفحة / 1980 .
4ــ وحى الحق / القاسى

إصدارات فى التاريخ
يحتل كتاب [ دولة اليعاربة ] لعائشة السيّار / دار القدس ووزارة الإعلام / 232 صفحة من الحجم الكبير / تقديم الدكتور صلاح العقاد / الطبعة الأولى 1975 / مكاناً بارزاً بين الكُتب التى تؤرّخ للخليج العربى ، وتنبع أهميّة هذا الكتاب أنّه قادم من الداخل وبالتالى ، تكتب عباراته وتحليلاته حرارة المعايشة ، فضلاً عن " الموضوعية " فى التحليل لواقع المجتمع آنذاك ، وهو واقع المؤلفة قريبة منه جداً لأنّها إبنة له .


الكتابُ حصيلة معلومات جمعتها الكاتبة من مصادر متنّوعة حبث أطلعت على وثائق منشورة وغير منشورة وإصطرت من أجل ذلك إلى التجوال ما بين لندن والقاهرة وغيرها .


تتناول هذه الدراسة دولة اليعاربة فى عُمان وشرق أفريقيا فى العنترة ما بين قياسها عام 1624 م . سقوطها عام 1741 م ، وتُشكل دولة اليعاربة فترة حيويّة من تاريخ عُمان الحديث بحيث يُمكن القول إنّ هذه الدولة هى التى جلبت لهذا الأقليم شهرته فى العصور الحديثة وذلك قبل أن تزداد عُمان إنتشاراً فى سواحل المحيط الهندى على عهد السيد سعيد من حكام الأسرة التانية الكتاب يقع فى ستة فصول ، ومقدّمة تمهيديّة

 
الفصل ألأوّل : مهّدت له المؤلفة بفصل تمهيدى عن الأوضاع الطبيعيّة والسياسية فى المنطقة ، على إعتبار أنّها من عوامل الجذب والطرد التى تعرّضت لها المناطق فى تاريخها وصراعها الحافل مع البرتغاليين والأنجليز وغيرهم  لكن جوهر الفصل الأوّل يدور حول قيام دولة اليعاربة ، ويمر ذلك عبر مراحل هى على التوالى :
1ــ ضعف النفوذ البرتغالى
2ــ سقوط بنو " بنهان "
3ــ تنصيب ناصب بن مُرشد إماماً
4ــ تصفية الوجود البرتغالى
وقد لخّصت المؤلفة الأسباب التى أدّت فى النهاية إلى تهيئة الأوضاع السياسية فى عُمان لقيام دولة اليعاربة كما يلى : ــ
1ــ أهم هذه الأسباب ما تمثّل فى ضعف النفوذ البرتغالى وما أدّى إليه هذا الضعف من إختفاء عامل من أهم عوامل ظهور سلطة مركزيّة قويّة فى المنطقة .
2ــ والسبب الآخر يتمثل فى سقوط تلك الأسرة التى ظلّت على نحو أو على آخر تُمثّل أقوى المراكز السياسية فى عُمان ، تلك هى أُسرة بنى بنهان ، فمّا يستدعى دراسة هذين الموضعين .
الفصل الثانى : ــ وفيه تُتابع المؤلفة إمتددات اليعاربة وذلك وفق التسلسل التالى
1ــ تكوين قوّة بحرية
2ــ الإمتداد العربى فى الخليج والمحيط الهندى
3ــ مد السيطرة اليعربيّة على المحيط
4ــ إمتداد الدولة إلى الشرق الإفريقى
5ــ الوجود البرتغالى فى شرق أفريقيا
6ــ التواجد العربى فى شرق أفريقيا
7ــ نشأة الإمارات الأإسلامية
8ــ تصفية الوجود البرتغالى فى الشرق الإفريقى
ومدخل هذا الفصل كان الأشارة إلى الركائن الثلاث التى إعتمدت عليها دولة اليعاربة عندما إنطلقت من عُمان لبسط نفوذها على أقسام من سواحل المحيط الهندى وهذه الركائز هى :


الركيزة الأولى  نجاح الدولة فى تكوين قوّة بحرية كبيرة قادرة إستطاعت بواسطتها مد نفوذها عبرالبحار من ناحية ، كما إستطاعت أن تحّولها إلى جسر بين سائر مناطق الدولة ، فى الخليج وشرق أفريقيا والمحيط الهندى من ناحية أُخرى .
الركيزة الثانية  التحدى الذى ترتب على " الوجود البرتغالى " فى مناطق إمتداد اليعاربة ، ولمّا كانت الدولة الجديدة قد نجحت فى تحّدى هذا الوجود فى الخليج والقضاء عليه ، فإنّهذا النجاح قد أغراها بمزيد من العمل على تعقبه خارج الخليج تدفعها إلى ذلك روح دينيّة قويّة للتخلص من السيطرة المسيحيّة على أراضى كان يحكمها العرب المسلمون قبل ذلك .


الركيزة الثالثة  وهى تتصل بالحقيقة الثانية ذلك أنّ عرب الخليج والعُمانيين بالذات كانوا موجودين فى تلك المناطق من وقت طويل حتّى قبل الإسلام وإنّ جذورهم لم تكن قد إنقطّعت بعد ممّا كان باعثاً لهم على العودة إليها .
الفصل الثالث : ــ ويتضمن شرحاً مفصلاً لتنظيمات الدولة كما يلى : ــ
1ــ الأباضية كأساس لتنظيم دولة اليعاربة .
2ــ الأباضية فى النظريّة .
3ــ ظهور الأباظية وإنتشارها .
4ــ فكر الأباظية .
5ــ وضع الإباظية بين المذاهب الأُخرى .
6ــ الأباضية فى مجال التطبيق فى عُمان
7ــ إختيار الأئمة .
8ــ نظام البيعة .
9ــ الرقابة على الأئمة .
10ــ إختصاصات الأئمة بما فيها الإدارة ، الجهاد ، المالية ، القضاء
ويُعتبر هذا الفصل من أهم فصول الكتاب التى تلقى أضواء على الحياة الإجتماعية وطبيعة العلاقات السائدة آنذاك ، لهذه القبيلة العربيّة التى كانت أوّل دولة عربيّة فكّرت فى الأستعانة بمنجزات أوروبا فى بناء السفن وأرادت أن تطوّر أسطولها على أحدث النظم المُتاحة .
الفصل الرابع :ــ يتمحور هذا الفصل حول الأوضاع الأجتماعية من خلال :ــ
أولاً :ــ طبيعة التشكيل الإجتماعى فى عُمان .
ثانياً:ــ الحياة الفكرية فى ظل الحكم اليعربى .
ويتضمن المحوران ما يلى :ــ
1ــ العلاقة بين الدولة والقبيلة
2ــ تأثير الأوضاع السائدة فى التركيب الأجتماعى للقبيلة .
3ــ تغيّر مركز المرأة مع تغير التركيب الأجتماعى للقبيلة .
4ــ مكانة الرقيق الإجتماعية فى عهد الدولة اليعربيّة .
5ــ مسح للقبائل العُمانية فى هذا العهد .
6ــ الأهتمام بالتعليم فى عهد دولة اليعاربة .
7ــ قيمة الفقيه أو المتعلّم فى المجتمع العُمانى .
8ــ نمط التعليم السائد قبل الدولة " المطاوعة "
9ــ بداية الإهتمام بإقامة مؤسسات تعليميّة .
10ــ شروط العلمفى الأمامة دليل على قيمة العلم فى الدولة .
الفصل الخامس : ــ تناول هذا الفصل العلاقات الخارجيّة للدولة على النحو التالى : ــ
1ــ العلاقات مع القوى المحليّة.
2ــ العلاقات العُمانيّة الفارسيّة .
3ــ صلات اليعاربة بالإمبراطوريّات الإستعمارية.
4ــ الصلات بين اليعاربة والإنجليز .
5ــ الصلات بين اليعاربة والهولنديين
الفصل السادس :ــ ويتضمن الظروف الموضوعيّة التى رافقت سقوط الدولة بما فى ذلك
1ــ الصراع الداخلى والإنقسام هناوية وغافرية
2ــ الإستعانة بالفُرس وأثر ذلك وفى إتساع نطاق الصراع
3ــ سقوط الدولة فى عُمان
4ــ سقوط الدولة فى شرق أفريقيا
لقد سجّل [ رزاق سعيد صالح ] عدّة مآخذ على الكتاب ، فى العدد الثامن من مجلّة الخليج العربى ، النصف سنوية ، الصادرة عن مركز دراسى الخليج العربى فى جامعة البصرة / لعام 1977 فقد ورد فى ص 155 ما يلى : ــ
1ــ أشارت المؤلفة فى الفصل التمهيدى إلى البحر الذى تقع عليه عُمان باسم البحر الفارسى الاّ إنّه من الناحية التاريخيّة والجيولوجيّة يُطلق عليه أسم البحر العربى وذلك لأنّ العرب هم الذين ركبوا هذا البحر فى البداية بينما كان الفُرس يخافون ركوبه وبالإضافة إلى ذلك وجود عدّة جزر فى هذا البحر يقطنها العرب ممّا يدل على ذلك .
إمّا من الناحية الجيولوجيّة فإنّ البحر العربى هو إمتداد لأراضى المنطقة اليعربيّة حيث يحتوى على نفس التراكيب الجيولوجية المكون
2ــ وقد تطرّقت فى الفصل نفسه إلى دولة اليعاربة فقالت أنّها أوّل دولة عربيّة خالصة دماً ولحماً وهذا شىء من المبالغة وذلك لأنّه لا توجد فى أى دولة من العالم دولة خالصة دماً ولحماً.
3ــ وفى الفصل الخامس أطلقت عبارة إيران فى بلاد فارس ولكن هذه التسمية حديثة ولم تُطلق سابقاً على بلاد فارس مطلقاً .
4ــ وقد أوردت فى هذا الفصل أنّ تعاون الإنجليز والهولنديين ضد البرتغاليين كان بسبب وجود المذهب الذى مهّد لهذا الإتحاد متناسية المصالح الإقتصادية المشتركة فيما بينهما التى وحّدت الطرفين ضد العدو المشترك ، أعنى البرتغاليين ، كما أنّ وجود وحدة المذاهب لن تفعل شيئاً أمام المطامع الإستعمارية دون وجود مطامع تهمهم .
5ــ وقد أشارت فى الفصل السادس إلى السعيد بأنّه داهية وهذا خلاف الواقع لأنّه لم يأت بشىء أفاد البشرية جمعاء .
*
هُناك إصدارات أُخرى أهتمت بالجانب التاريخى للدولة ، مثل مقدمّة رسالة الدكتوراه لمانع سعيد العتيبة وزير لبترول ومقدّمة كتاب الإمارات العربيّة الصادر عن مركز الأبحاث التابع للديوان  وكتاب متحف العين ومعظم المنشورات الخاصّة بالآثار فى دولة الإمارات وكتاب تاريخ القوامس وغيرها ومن الكتب المهمّة أيضاً كتاب [ دولة الإمارات العربيّة المتحدة ] للدكتور شاكر خصباك ، وقد صدر عن مطبعة الإرشاد البغدادية عام 1977 فى 216 صفحة 00 وهو دراسة فى الجغرافيا والإجتماعيّة لدولة الإمارات ، قام بها المؤلّف بناء على تكليف من معهد البحوث فى الجامعة العربيّة ، ويقع فى ثلاثة أقسام يتناول أوّلها الإطار الطبيعى لدولة الإمارات من أرض ومُناخ ونبات ومياه ، ويبحث القسم الثانى بالصورة التاريخيّة لدولة الإمارات ويتناول القبائل والبداوة والتحضّر والزراعة والصيد أمّا القسم الثالث والإخير فيدرس عهد البترول ويبحث فى المؤشّرات الإقتصادية والمؤشّرات الإجتماعيّة .
أصدارات فى الإجتماع
بالإضافة إلى كتاب الدكتور خصباك المشار إليه ، تناولت معظم الكتب والدراسات التاريخيّة وإصدارات الإعلام والخارجيّة بُنية مجتمع الإمارات والطبيعة السكانية وغير ذلك من جوانب إجتماعيّة هامّة ، وقد ركّزت دراسات مانع العتيبة ومعظم منشورات وزارة البترول على التحّولات الإجتماعيّة التى أصابت مجتمع الغوص بعد ظهور النفط ، وأفردت عائشة السيّار كتاباً عن النهضة النسائية فى الدولة صدر عام 1975 وهذا هو الكتاب الثانى للمؤلفة حول نفس الموضوع .


* النهضة النسائية فى دولة الإمارات العربيّة المتحدة / عائشة السيّار / مطابع دار الفجر / يونيو 1980 / 260 صفحة من الحجم الكبير .
يُسّجل الكتاب بدايات النشاط النسائى الحديث فى الدولة ممهداً بذلك لعملية تأريخ جادة تتبع مسيرة الحركة النسائية فى كل مراحلها وفى كل منجزاتها 000 الكتاب يهتم أيضاً أهتماماً ممتازاً بمعرفة واقع المرأة والأطوار التى عاشتها على إمتداد مراحل التاريخ المتعاقبة ، وإن كان الكتاب ، وكما ورد فى مقدّمة المؤلف " يضع بعين الإعتبار ضرورة العمل على مزيد من الضوء على مرحلة البداية حتى تكون واضحة المعالم ، بارزة المكان فى سجل تاريخ الحركة النسائية بالدولة 000 ولم يفصل الكتاب جهود المرأة نفسها ومنجزاتها خلال المرحلة الحالية سواء على المستوى المحلّى أو المستوى العربى أو المستوى الدولى حتى يستكمل البحث شموله لكل المجالات التى خاضتها المرأة وسجّلت لنفسها دوراً فعّالاً ومؤثّراً على ساحتها العديدة .
ويقع هذا الكتاب فى خمسة أبواب .
* الأوّل : ــ المرأة 00 الدستور والإتحاد النسائى بالدولة .
* الثانى : ــ المرأة وتعليمها وجهود الدولة .
* الثالث : ــ المرأة وصور الرعاية الإجتماعية والعمل .
* الرابع : ــ المرأة بين الإسلام والإتفاقات الدولية .
* الخامس : ــ المرأة ومشاركتها فى المؤتمرات الدولية .


ويُلاحظ أنّ الكتاب فى مجمله وثائقى أكثر تحليلى ، فقد تضمن العديد من التقارير والأرقام والنصوص القانونية والإحصاءات وغير ذلك من حقائق ، أوردتها المؤلفة ليكون الكتاب وثيقة تسجيليّة هامة للحركة النسائية فى الدولة .
إصدارات فى القصّة والرواية
رغم أهميّة الفن الروائى والقصصى فى التعبير عن المجتمعات فإننا نلمس ضموراً واضحاً فى هذا الفن على صعيد الأدب فى الإمارات العربيّة ، فالإصدارات فى القصّة والرواية تكاد لا تتجاوز اصابع اليد ، وما أرتقى منها إلى الوسط أو دون الوسط لا يزيد عن أثنين وهى مسألة قد نجد تفسيرها فى سببين : ــ
الأول : ــ إنّ الفن الروائى والقصصى بالذات من أكثر الفنون الكتابية تعقيداً ، وتطلّباً ليس فقط للفكر والمضمون وإنّما أيضاً للقدرة الأسلوبيّة واللغويّة بما فيها السرد والتحليل والحوار وغير ذلك000 وهذه على الإجمال خصائص لا تنمو إلاّ بنية ثقافيّة غنيّة ، وفى وسط زاخر بالمحاولات وهو ما تفتقده الساحة الثقافيّة حتى الآن .


الثانى : ــ انّ الفن الروائى والقصصى يحتاج نفس طويل فى الكتابة ، وجاد على ملاحقة الحدث ونمو الشخصيات وغير ذلك من حبكة وصراع ، وهذا الجاد على المتابعة مفقود لدى معظم الكتاب هُنا ، حيث يُلاحظ أنّ إصداراتهم تميل نحو الكتابة السهلة كالخواطر والحكايات وغير ذلك .


ثالثاً : ــ غياب الرعاية بوجهيها الحكومى والخاص ، متمثّلة بصعوبة النشر وإنعدام النقد الأدبى الذى يأخذ بأيدى الهواة نحو الكتابة الصعبة ثم التوزيع وغير ذلك من معضلات ومثبّطات لعلّ من أبرزها النفاق الأدبى الذى بدأ يأخذ دوره إلى جانب النفاق الأجتماعى ، حيث هذا النفاق نمو حركة الإبداع ويجهض الموهبة قبل أن تقف على خشبة المسرح بإدعاء ما ليس فيها .
*
من الأعمال الروائية البارزة رواية [ شاهندة ] لراشد عبداللّه ، وللأسف الشديد فإن هذه الرواية لا تتوفر الآن لكاتب هذه السطور ، لعرضها ، والكتابة عنها من الذاكرة صعب ، لكن يمكن القول إنّها رواية ناضجة ، مكتملة ، تحمل هموم الخليج فى السنوات الثلاثين الأخيرة ، أى سنوات التحّول من مجتمع الغوص إلى مجتمع النفط ،
*
أمّا المجموعات القصصيّة فمتعددة يمكن الإشارة إلى ما وقع بين أيدينا منها فقط ، مثل مجموعة [ الشفاء ] لعلى عبد العزيز الشرهان وقصّة [ الجدران لا تصنع ] لعبد الحميد أحمد  وتسجّلان هموماً إجتماعيّة عامة بلغة يمكن القول إنّها راقية ، ناضجة ، يعى صاحبها مداخل هذا الفن ومخارحه أمّا مجموعة عبد الرضا السجدانى [ ذلك الزمان ] الصادرة عن وزارة الإعلام فى 86 صفحة فنموذج واضح لما ذهبنا إليه فى المقدمة ، وهو أن ركوب الموجة بات سهلاً وميسوراً لمن يجد صعوبة فى التجذيف  وقصص السجدانى العشرين تُعانى من كل أمراض القصّة القصيرة ، بما فيها المرض الإنشائى ، الذى يحوّل القصّة إلى خطبة ، أو مقالة سردية فيها الكثير من الإستعراض اللغوى ، علماً بأنّ المسافة بين لغة القصّة القصيرة الحديثة والشعر بدأت بالإنحسار ثم هناك مسألة إنعدام الحدث ، وضبابيّة الفكرة ، والإختصار المُخل ، الذى لا يرقى إلى درجة التكثيف المطلوب للموقف ، إلى جانب أن الرموز بدت مسطحة جداً [ مثلاً رمز الجن فى القصّة العاشرة ] ، وعلى الإجمال فإن مجموعة ( ذلك الزمان ) عبارة عن حكايات لم تتوفّر لها عناصر القصّة الحديثة فجاءت على ما جاءت عليه .
*
وإذا كانت حكايات السجواني أحاطت إلى حدًّ ما بأحداث ، تبدو عادية جداً ــ قضية الزواج مثلاً ــ لم ينفذ المؤلف إلى أعماقها وإنّما إكتفى بالسطح  وبالقشرة الرقيقة الخارجيّة والهشّة منه ، فإنّ فرح يوسف مختار لم تتمكن فى خواطرها [ منتهى العذاب ] أن تحافظ حتّى على هذه القشرة ، رغم أنّ كتابها الصادر من وزارة الإعلام تحت عنوان [ من النثر الفنىّ ] يحاول أن يضع قدماً واحدة على طريق [ النثر الفنىّ ] دون أن تتبلور خصائص وأجناس هذا [ النثر الفنىّ المقصود ] .


أين تقع " الخاطرة الأدبية " من أجناس " النثر الفنى " وإلى أى مدى يمكن أن نصف كتابات فرح مختار بأنّها " خواطر " و" من النثر الفنى " ؟!
قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أؤكد أن الكتابة ، رغم تعثّرها فى إيجاد صيغة فنيّة مكتملة لما تكتبه ، إلاّ إنها تملك بالفعل موهبة الكتابة  وعاطفة الدفع نحوها  وهذه من أساسيات وأبجديات الكتابة الإبداعية بمختلف صورها .


الموهبة تنضج فى إختيارها الموفق لمفرداتها  والعاطفة تنضج محاولاتها تصوير ( المثاليات ) فى معظم ما كتبته .
فرح مختار ، تُسجل بقلمها لمحات ذهنيّة ، فلسفيّة غير مكتملة ، لم ترق بعد إلى مستوى [ الخاطرة ] وإنّما تدور فى رحابها ، وتدق بيديها فى كل الإتجاهات ، باحثة عن ( شكل فنىّ ) تستقر فيه دون جدوى  وتمرّ مقطعاً واحداً ندلّل على ما نذهب إليه  تقول الكاتبة تحت بعنوان [ دوّامة الحياة ] : " ما أجمل اليأس يا رفاقى  ما أجمله وما أجمل أن يضع الإنسان فى رحابه الفسيحة الهادئة ففى اليأس راحة ، راحة عميقة عميقة ، يفتقدها الراكضون خلف بريق الأمل الكاذب ، والباحثون عن ظلال الأوهام والأحلام تحت الشمس المحركة ، وما أشقى هؤلاء التعساء وما أحمقهم ".


أى فلسفة هذه التى تسعى إليها الكاتبة أو شكل فنىّ هذا الذى إختارته لفلسفتها ؟!
الخاطرة تكثيف مركّز لقضيّة كبيرة  والكاتبة لم تنجح فى ( التكثيف ) لقضيتها التى تلبس عباءة أوسع من حجمها بكثير .
*
لعلّ مجموعة محمّد ماجد السويدى [ دانة يا بحر دانة ] الصادرة عن مؤسسة الوثبة عام 1976 فى 66 صفحة من القطع المتوسط أن تكون أنموذجاً لما تعانى منه القصّة القصيرة فى الإمارات  فهى ، إلى جانب كونها أوّل إصدار فنى ، إبداعى ، لرئيس تحرير صحيفة يوميّة ، إلا إنّها لم تحتل بعد صدورها مكاناً ما فى خريطة المحاولات الأدبيّة التى شهدتها الإمارات فى سنواتها العشر الأخيرة .
المجموعة بإختصار محاولة جادة لصحفى من أبناء البلد ، يحاول أن يدق باب الإبداع بكلتيا يديه ، حاملاً فى صدره وراسماً بقلمه هموم المنطقة كما يراها صحفى من أبناءها ، ومع أن اللغة صحفيّة بحتة ، لا ترق إلى مستوى لغة الشعر ؛ التى تميّز القصّة القصيرة الحديثة ، إلى جانب خلل فى الأسلوب ، إلاّ أنّ المضامين المطروحة فيها عُمق إنّ قصص السويدى السبعة عشر تصوّر جوانب مختلفة من واقع المواطن فى الإمارات وبعض أعماله يقترب ــ كما يقول كما الجويلى ــ " من أجواء الأساطير ، وبعضها يكاد يحلّق فى أجواء الأحلام "
لقد لمس الجويلى فى تقديمه لهذه المجموعة ثلاثة مكوّنات لتجربة السويدى القصصّية : ــ
الأولى : ــ الرؤية السينمائية للأحداث .
الثانية : ــ رومانسية الطرح .
الثالثة : ــ سيطرة الأسطورة والإختزان من التراث .
وهذا حق ، فتجربة السويدى هى مزيج من هذا الثالوث ، ولكن القاص ، فى مزجه هذا لا يكلّف نفسه جهد تعميق الفكرة المطروحة وإن كان يلمسها بعمق .
ولأوّل مرة ، تلعب رسوم الفنان محمّد العكش المصاحبة لقصص المجموعة دوراً فى جذب القارىء ، وتفسير بعض المواقف أو المساهمة فى تعميقها  ولم يكن هذا غريباً فالسويدى والعكش عملا معاً فى مهنة واحدة ، وتلمسا على مدار سنوات طويلة هموم الإنسان العربى فى الخليج .
*
هذه لمحة سريعة عن الإصدارات الأدبيّة والثقافية فى الإمارات العربيّة ، ونأمل أن تتوفر لنا فرصة أُخرى لتناول إصدارات أُخرى فى الدين والسياسة والبترول .