أنا والمخابرات
بقلم : أسامة فوزي
نشر في مجلة سوراقيا وعدة صحف اخرى في مطلع الثمانينات


مع إنني لم أكن في يوم من الأيام رجلا حزبيا ؛ أو خطيرا على امن الدولة ؛ خلافا لأبناء جيلي ـ لم التحق بتنظيم أو احمل سلاحا أو أ سير في مظاهرة أو أوقع على بيان - مع ذلك تصر أجهزة المخابرات العربية علي أن تكرمني باهتمام خاص ؛ وترعاني بعنايتها الفائقة ؛ وتطلق علي أذانها وكتاب وتقريرها وآذانها ؛ ليس لامر جلل لا سمح الله وإنما لأنها ( تهواني ) فقط !

إثناء دراستي في الجامعة الأردنية ؛ حرصت علي أن اعتزل العمل السياسي بكل أشكاله ؛ واقتصرت نشاطاتي علي قضايا الرحلات ؛ والحفلات و ( النسوان ) وحتي لما انتخبني طلبه كلية الاداب ممثلا لهم في اتحاد الطلاب كان ذلك بسبب نفوذي الواسع في أوساط ( الطالبات ) ليس لوسامتي ـ لا سمح الله ـ وإنما لأنني ( مهضوم أوي ) فقط ... أو هكذا كان يقال لي !!

مع كل ذلك ، كان اسمي علي راس المطلوبين لجهاز المخابرات بعد التخرج ؛ ولا اذكر ألان تفاصيل ما تم في أول جلسة تحقيق عقدوها لي في ( فندق أبو رسول ) ؟ـ وهو اسم الدلع لمبني المخابرات العامة ـ ولكني اذكر فقط أن الشاب الذي حقق معي كان خصمي في الجامعة علي قلوب الصبايا وهو من عائلة ( الزعبي ) ؛ وقد اشترط الضابط الخصم علي ان واقع بيانا استنكر فيه جهة معينة ـ والله نسيت اسمها ـ كي يأذن لي بالعمل كمدرس في الحكومة ؛ وقد وقعت البيان وبصمت عليه بكل حوافري !!

بعدما التحقت بالعمل كمدرس في ( ثانوية زايد الاول في مدينة العين ) في دولة الأمارات بالعربية المتحدة ؛ وكنت اصغر المدرسين فيها ؛ وقد تعلق بي الطلبة ـ والطالبات ـ بشكل أزعج سلطات الأمن آنذاك ـ  استدعاني مسؤول كبير في وزارة التعليم وأعلمني إن رجال مخابرات ( أبو ظبي ) ابلغوه إنني استقبل الطلبة في بيتي وأوزع عليهم نسخا من كتاب عنوانه ( كيف تتعلم السياسة بلا معلم ) ؛ وقد نشف ريقي ؛ آنذاك ؛ وأنا اقسم باغلظ الأيمان إن كتابا بهذا العنوان لم يصدر حتي في ( زيمبابوي ) وبينت للمسؤول أن السياسة ـ مثل الرأسمالية ـ نظرية ؛ وليست سيارة . ولم يقتنع المسؤول الكبير بكلامي إلا بعد إن قاد بنفسه عملية تفتيش عن الكتاب المذكور في غرفتي بالمدرسة ؛ فما وجد فيها إلا كتب سيبوية ونفطوية !! ولكن رجال المخابرات خرجوا من بيتي آنذاك بمجوهرات زوجتي وقيدت العملية ضد مجهول مع أنني اعرف اسم الفاعل وعنوانه .

* حدث ذلك يوم الاثنين الموافق 2 / 3 / 1981 ... كنت انتهيت من تأليف كتابي ( مقالات في التراث الشعبي في الأمارات ) بناء علي طلب صديقي ( سهيل القصص ) مستشار الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في العين ... كان سهيل ـ رحمة الله - يعمل مع ( جمعة خلفان الهاملي ) رئيس مخابرات مدينة العين في مؤسسة اسمها ( مؤسسة العين للنشر والتوزيع ) ؛ وبناء علي طلب صاحب المؤسسة ( جمعة ) وضعت الكتاب ؛ وبذلت فيه جهدا كبيرا لأنه يقوم علي الجمع الميداني ؛ وسلمت الكتاب للمؤسسة فطبعته وباعته دون إن تدفع لي درهما واحدا من حقوقي ، ولما بدأت ارفع صوتي مطالبا بهذا الحق بدا صاحب المؤسسة ؛ الذي يشغل رئاسة إدارة المخابرات في العين يهددني بتحريض مدير المنطقة التعليمية ( محفوظ شديد ) علي ؛ ولما لم ( تزبط ) بعث برجالة الى شقتي ـ خلال غيابي ـ لعلهم يعثرون علي إيه منشورات أو أوراق يمكن استخدامها ضدي في عملية ابتزاز قذرة .... ولم يجد رجال ( الهاملي ) شيئا غير ذهبات زوجتي ومجوهراتها فحملوها معهم حتي تبدو عملية الاقتحام وكأنها حادثة سرقة ... صحيح إني قدمت بلاغا لمخفر الجاهلي ( محفوظ تحت رقم 109 ـ 81 ) وصحيح أن ضباط التحقيق لم يتمكنوا من العثور علي بصمات حتي علي درج مكتبي المخلوع لان الدخول والخروج من الشقة ـ كما اخبروني ـ كان عمل ( لص ) محترف ؛ ألا أني ـ يومها ـ لم اجرؤ علي اتهام ( مدير المخابرات ) في العين لان أحدا لن يصدقني ؛ فقد كنت مجرد موظف صغير وافد وكان هو صاحب سلطة ونفوذ ...هذه الحادثة جعلتني اطلب من رئيسي في العمل ( عبدا لله عباس ) الأمين العام المساعد للجامعة آنذاك نقلي من مدينة العين ( وكنت مديرا لمكتبة ) الى دبي ؛ حيث شغلت منصب ( رئيس قسم الأعلام في إدارة المناهج المدرسية ) ؛ وبدأت حياتي في دبي ( من الصفر ) لان رجال مخابرات خلفان الهاملي لطشوا تحويشة العمر ؛ ولم يتركوا لي حتي الحلق الذهبي الصغير الذي كنت اشتريه لابنتي الصغيرة بمناسبة عيد ميلادها وخرجت صحف الأمارات في اليوم التالى بخبر يقول ( أرسين لوبين يدخل شقة الزميل أسامة فوزي ويهرب بتحويشة العمر).


لا ادري إذا كانت ذهبات زوجتي الآن مدلاة في عنق زوجة الهاملي أم لا . لكني اعترف إن الحادثة هزتني ؛ فالإمارات لم تبخل علي أبنائها ؛ وضباطها علي وجه التحديد يتمتعون بامتيازات هائلة تجعلهم في غني عن قبول الرشوة أو سرقة الآخرين ؛ فلماذا ( سرق ) الهاملي منزلي ؟

أجهزة المخابرات في كل دول العالم توكل اليها مهمة المحافظة  علي أموال الدولة والناس ؛ إلا في دولنا العربية ؛ حيث تتورط هذه الأجهزة في عمليات ( لطش ) ورشوة  وتلجأ ـ لجمع الدولارات ـ الى أساليب حقيرة ومخجلة .

• في التحقيقات التي أجريت مع صلاح نصر رئيس مخابرات عبد الناصر ـ بعد هزيمة حزيران / يونيو ـ اعترف نصر انه كان يأمر بتصوير طالبات الجامعة في أوضاع جنسية مع آخرين وذلك لبيع هذه الأشرطة في الأسواق اللبنانية لجمع العملة الصعبة لجهاز المخابرات .

جهاز المخابرات في الأردن ليس أحسن حالا ؛ فقد سردت في مقال سابق حكاية اللواء زهير زنونة رئيس الديوان في هذا الجهاز ؛ الذي يقوم باصطياد ( البنات ) في مدينة بالزرقاء من خلال محلات ( مرقة إخوان ) التي تتعاطى بتجارة الأقمشة والفساتين وخلافة .

 تبدأ الحكاية هكذا زهير زنونة يقضي ثلاثة أرباع وقته في هذه المحلات ؛ حتي أصبح الشارع يعرف باسمة وأصبحت سيارته المرسيدس التي تقف إمام المحل علامة مميزة للشارع ... بعد حرب أيلول بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني وخروج المقاومة من الأردن شكلت المنظمة خلايا سرية سرعان ما بدأت المخابرات بملاحقتها وتحت هذا الشعار قامت المخابرات باعتقال الالاف من الابرياء واكثرهم كانوا ضحايا لوشايات من هنا وهناك ؛ ولم تكن هناك آية سلطة علي الجهاز ؛ وكان ضباطه قادرين علي اعتقال المواطنين والزج بهم في السجون دون محاكمة ؛ وكان يدير هذا الجهاز آنذاك المدعو احمد عبيدات الذي يضع الآن عباءة عمر بن الخطاب علي كتفيه .


زهير زنونة من خلال انحرافه الجنسي ( حتي اليوم لم يتزوج ) ومن خلال موقعة في الجهاز كان يترصد النساء اللواتي يترددن علي ( محلات مرقة ) ؛ فاذا أعجبته واحدة منهن أمر باعتقال شقيقها أو أبيها أو ابنتها ؛ لتبدأ بعد ذلك الوساطات ؛ والاتصالات ؛ والمساومات وغالبا ما تقوم بها السيدة الضحية التي تذهب الى محلات مرقة إخوان لتوسيط زهير زنونة ؛ الذي يقبل الوساطة بصدر رحب ؛ ويتم الإفراج عن ( المتهم ) وتدفع أخته أو أمه الثمن !!

• زهير زنونة هذا من عائلة غير معروفة في معان ؛ انتقل في مطلع الخمسينات الى مدينة ( الزرقاء ) وسط الأردن للعمل كمدرس في مدرسة ( محمد بن القاسم ) الإعدادية ؛ وتبين بعد ذلك انه كان يعمل  بوظيفة مخبر سري لجهاز المخابرات بخاصة بعد أن وشي بعدد من زملائة المدرسين .


• عمله كمدرس لم يكسبه الحجم الذي يطمح اليه ؛ لكن انتسابه الى جهاز المخابرات ؛ كمخبر سري في البداية ثم كموظف رسمي ؛ وارتباط اسمه بالاعتقالات التي حدثت في أوساط المدرسين ؛ جعل اسم زهير زنونة ( متداولا ) في مدينة الزرقاء . صحيح إن الناس كانوا يحتقرونه آنذاك ـ واظنهم لا زالوا ـ لكن الإشارة اليه بإصبعهم يوم كان يمر إمامهم كان يفرحه ويجعله ( يتطاوس ) ؛ فها هو اليوم اصبح شخصا مهما بعد أن كان مجرد ( معلم ) في مدرسة اعدادية وكان فاشلا في مهنته .


• أصحاب زهير زنونة ومعارفه في مدينة الزرقاء من الأوساط الساقطة وأصحاب الخمارات والسوابق ولم يدخل زنونة الى الأوساط الراقية من العائلات المحترمة والمعروفة إلا بعد إن زوج شقيقتيه الى رجلين بارزين ومن عائلتين محترمتين ... الأولي زوجها لصادق عبد الحق ( المحامي ) ابن الشيخ محمد عبد الحق احد أعيان مدينة الزرقاء ( وهو من نابلس )والثانية زوجها للدكتور محمد الجمل وهو من أوائل الأطباء الشباب الذين تخصصوا في الأمراض الجنسية .


• من خلال هذين الجناحين ( طار ) زهير زنونة في المدينة وحلق وبدأ يقدم نفسه للناس ؛ ليس كمعلم ومخبر رخيص وإنما كنسيب للشيخ محمد عبد الحق ؛ الوجيه ؛ والرجل الجليل الفاضل الذي كان يحظى ـ رحمة الله ـ باحترام أبناء المدينة ؛ الذين بكوه كثيرا يوم توفي في منتصف السبعينات ؛ ومن المؤكد أن الشيخ الجليل كان اكثر الناس ندما علي مصاهرة رجل من طراز زنونة ؛ بخاصة وان ثلاثة من أولاده اعتقلوا ودخلوا السجن علي يد زهير زنونة ؛ الذي استخدم مركزه في المخابرات لابتزاز انسبائه بعد كل خلاف عائلي .
• واخذ زهير زنونة بوصوليتة المعروفة يترقى في العمل إلى إن أصبح رئيسا لديوان المخابرات العمة برتبة ( لواء ) ؛ وكان منصبه هذا ـ ولا يزال ـ من أهم المناصب في الجهاز ؛ وقد حرص زنونة علي الاحتفاظ به من خلال موالاة رؤساء الجهاز الذين تعاقبوا علي الجهاز بدءا من محمد رسول الكيلاني ( المؤسس ) وانتهاء باللواء مصطفي القسي ( المستشار الأمني الخاص للملك ) مرورا بمضر بدران واحمد عبيدات وطارق علاء الدين وغيرهم .


• كنت علي معرفة بزهير زنونة بحكم صداقتي لاولاد المرحوم الشيخ محمد عبد الحق ؛ وكنت احتقره كثيرا بحكم اطلاعي علي اساليبه الخاصة في ابتزاز النساء في محلات مرقة اخوان ؛ وابتزاز انسبائه والتجسس علي ابناء العائلات المحترمة في المدينة ثم لتنكره لزملائه السابقين في المدرسة بل وتلفيقه التهم لهم حتي انه كان مسؤولا عن مقتل زميله حسن اللحام ( احد أقاربي ) ولهذه قصة سأعود اليها في عدد لاحق .


• هذا الإحساس بالاحتقار لزهير زنونة هو الذي لازمني يوم التقيت به في منزل اخته ( زوجة الدكتور محمد الجمل ) في ابو ظبي ... يومها دعاني الكتور محمد الجمل الى زيارته ( في صيف عام 1975 ) وفوجئت بوجود زهير زنونة عنده ... كان ( زنونة ) يطير إلى الإمارات تحت ستار زيارة اخته ؛ لكنه في الواقع كان يرتب في كل زيارة صفقات مالية لبعض رجال الأعمال الفلسطينيين المعروفين الذين يدفعون له ( خاوة ) في صورة ( اسهم ) في شركاتهم لتجنب اذاه من ناحية وللاستفادة من ( نفوذه ) في تسويق أعمالهم في الاردن من ناحية ثانية ؛ ولم تكن أجهزة الامن في الامارات تعلم ان هذا الرجل الذي يتردد علي ( ابو ظبي ) هو في الحقيقة رئيس ديوان جهاز المخابرات في الأردن لان زيارات زنونة لم تكن ذات طابع رسمي... يدخل الى الامارات كزائر وبتأشيرة زيارة يحصل عليها بالهاتف لان ( الرمحي ) القائم بالاعمال القنصلية في سفارة الامارات في الاردن وحامل اختام الفيز والتاشيرات لم يكن في الواقع الا ( موظفا ) لدى ( زنونة ) .

• اللواء زهير زنونة الذي لم يتزوج حتي الان هو راس الفساد في جهاز المخابرات ؛ فكل الفضائح والرشاوى والاختلاسات والخاوات مرت من بين يديه لكن وصوليته جعلته بعيدا عن ( الشبهات ) .

• اكثر خبر مفرح قراته مؤخرا نقلا عن وكالة الانباء الفرنسية هو قيام العاهل االاردني الملك حسين بالضرب بيد من حديد علي بؤر الفساد والانحراف في خطوط الطيران الاردنية المعروفة باسم ( الملكية الاردنية ) حيث سرح كبار المسؤولين فيها ( لتورطهم في قبض عمولات من شركة ـ اير باص ـ تصل الى 40 مليون دولار ) ولم يكن لجهاز المخابرات أي فضل في الكشف عن هذه الفضيحة ؛ حيث تبين ان المخابرات الامريكية هي التي زودت الاردن باسماء المسؤولين الاردنيين الذين قبضوا (الرشاوي )

• وكان مصدر اردني ( مأذون ) قد اوضح ان تحقيقا عميقا يجري الان لمعرفة مصير 40 مليون دولار اختفت بعد ابرام لعقد سنة 1989 مع ائتلاف شركة ايرباص لشراء اربع طائرات من طراز ( اية 320 ) . اضاف المصدر نفسه ان ( الملك حسين اثار هذه المسالة في باريس خلال غداء عمل اقامة علي شرفه رئيس وزراء فرنسا ادوار بالادور وحضرة ايضا رئيس مجلس ادارة ايرباص ( جان بييرسون ) . واوضح المصدر ان ( الاردن بحاجة لتعاون ايرباص لتحديد مصير عمولات تم دفعها ) في تلك الصفقة . وبحسب مصادر مطلعة في عمان ، فان شخصيتين لهما روابط مع الملكية الاردنية متورطتان في هذه القضية وقد اختار الملك حسين الضابط السابق في سلاح الجو نادر الذهبي لمنصب مدير عام الخطوط الوطنية . والى ذلك شكلت اخيرا لجنة ملكية ( للتطوير الاداري ) بهدف مكافحة الفساد الاداري واجراء اصلاحات في مؤسسات الدولة ، ( حتى لا تتكرر مثل هذه القضايا في المستقبل وتصان البلاد من الفساد ) بحسب المصدر الماذون .


وقال مصدر ملاحي جوي في الاردن ، ان العقد وقع سنة 1989 بين الملكية الارادنية وايرباص لشراء اربع طائرات من طراز اية 320 مقابل مبلغ 500 مليون دولار . وقد تم تسليم طائرتين بينما تسلم الثالثة سنة1995 والرابعة سنة 1996 . وفي مطلع عام 1994 بينما كان رئيس مجلس ادارة الملكية الاردنية ووزير المالية السابق باسل جردانة ، يستعد للدخول في مفاوضات مع ايرباص بقصد شراء خمس طائرات من طراز اية 340 لاحلالها مكان طائرات الترايستار القديمة ، ( اكتشف تفاوتا بالارقام عند المقارنة بين الصفقتين ) .
واوضح المصدر ، ان ( المصارف الدولية التي يفترض فيها تمويل الصفقة ، كشفت ان طائرات ( اية 320 ) قدرت باكثر من ثمنها المصنعي ، وبالتالى رفضت المساهمة في العقد الجديد ) .


• هذا بالنسبة لصفقة الطائرات وحصة الفرنسيين منها اما الشركات الامريكية فقد ( رشت ) اربعين مسؤولا كبيرا ؛ وكشف النقاب مؤخرا عن ان رئيس شرطة البادية والحدود حقق ثروة هائلة من عمليات التهريب وان وزير الداخلية السابق كان يتاجر بالجوازات ويبيع الاراضي الاميرية المملوكة للدولة او يسجلها باسماء اقارب له .


• عمليات الكشف عن السرقات اذن ـ في الاردن ـ ليس لجهاز المخابرات أي فضل فيها لانه جهاز يعمل فقط علي ابتزاز المواطنين الاردنيين وقهرهم ؛ والتجسس علي الدول العربية المجاورة والاساءة الى الملك حسين بنشر ـ بين الفينة والفينة ـ اخبار تزعم انه معرض للاغتيال وان ( الجهاز ) هو الذي انقذه .


قبل فترة اصدرت المحكمة العليا في الاردن التي يرأسها القاضي خلف السحيمات قرارا  بتبرئة المواطنين الاردنيين الذين اتهمتهم محكمة امن الدولة وبناء علي تقارير من المخابرات الاردنية بمحاولة الاعتداء علي حاة العاهل الاردني جلالة الملك حسين والانتساب الى جمعية غير مشروعة ومحاولة تغيير الدستور بالقوة .


• لا نريد ان نشيد بعدالة القضاء الاردني وبسماحة الملك حسين ، فهي امور مفروغ منها ويعرفها المواطن الاردني جيدا ، لكن الذي يثير دهشتنا هو اصرار جهاز المخابرات في الاردن علي تلفيق قضايا من هذا النوع لا تضر ـ علي المدي البعيد ـ الا بسمعة الاردن ولا تسيء الا الى شخص الملك  .


• لقد تحول جهاز المخابرات في الاردن منذ زمن احمد عبيدات الى ( مراكز قوي ) تدار من قبل ضباط لديهم مصالح شخصية واطماع زعامية وعائلية ، وما اطماع ومواقف احمد عبيدات الانتهازية ـ التي كشف عنها مؤخرا في السودان ـ الا نموذجا من نماذجها ، وحتي تستمر مراكز القوي في وظائفها يلزمها ـ بين الفينة والفينة ـ فبركة قضايا من هذا النوع لايهام السلطة في الاردن انها مهددة وان ( الجهاز ) هو عين النظام الساهرة .


• في مصر ـ مثلا ـ تدور حرب شوارع حقيقية بين الشرطة وعناصر الاصوليين ؛ ومع ذلك لم تعلن ادارة المخابرات ان هدف الاصوليين اغتيال الرئيس ... اما في الاردن ؛ فالحكاية مختلفة ... كل ضابط اردني في الجهاز يريد لنفسه ( كردت ) يسارع الى استغلال حادثة عابرة وعادية ليضخمها ويحولها الى محاولة اغتيال وانقلاب ؛ لتكبر الحكاية ويكبر هو معها ويخرج منها بوسام او بمركز افضل ؛ والاساءة ـ في المحصلة ـ تكون لشخصية الملك ... وللنظام بشكل عام .


• لكي نفهم ماذا يدور في دهاليز جهاز المخابرات في الاردن علينا اولا ان نعرف التاريخ الشخصي للضباط الذين اسسوه وحكموا الاردن من غرفة ودهاليزه ؛ ولعل اشهرهم محمد رسول الكيلاني ومضر بدران واحمد عبيدات .


• ولنبدا بمحمد رسول الكيلاني الذي التقيت به في مطلع السبعينات في منزل المرحوم احمد طوقان رئيس الوزراء الاردني السابق .. ولهذا اللقاء حكاية ؛ فقد تساعدت في مطلع السبعينات مع الدكتورين فواز طوقان وعبدالة الشحام في اصدار مجلة ادبية تحت اسم ( الربطة الثقافية ) اصدرناها تحت مظلة امتياز جريدة ( عمان المساء ) للزميل الراحل ياسر حجازي ؛ بعد ان عز علينا الحصول علي امتياز من أي نوع لاصدار نشرة ادبية من أي نوع ؛ رغم ان زميلنا الدكتور فواز الذي كان في الوقت نفسه رئيسا للتحرير هو ابن رئيس الوزراء ـ انذاك ـ الراحل احمد طوقان .


كنا يومها ولضيق ذات اليد نعقد جلسات التحرير في مطبخ رئيس الوزراء ؛ لان امكاناتنا لم تكن تسمح لنا باستئجار مكتب خاص ؛ كما ان مكتب جريدة(عمان المساء ) لم يكن اكثر من غرفة بالكاد تتسع لياسر حجازي ؛ ولم يكن امامنا من حل الا الرضوخ لمقترحات رئيس التحرير الذي وجد ان مطبخ منزله ـ وكان يومها يعيش مع والدية ـ انسب الاماكن لعمليات التحرير وربما ابعدها عن العيون والاذان ؟! هذا ما كنا نظنه ؛ الى ان داهمنا ؛ في احدي الامسيات رجل اسمر ؛ اطل من باب المطبخ يسال عن ابو بالعبد ( المرحوم احمد طوقان ) ؛ ولما رد عليه الدكتور فواز بان والده لم يعد بعد من المكتب ؛ دلف الرجل الاسمر الى المطبخ مداعبا ؛ وسحب كرسيا وجلس الى جانبي وهو يرمقني بنظرات فيها الكثير من التساؤلات ؛ ثم مد يده الى الاوراق المبعثرة امامنا واستل بمهارة احداها وبدا يقرا بصوت مسموح ؛ ثم توقف فجأة عن القراءة بعد ان اكتشف ان القصيدة كانت رمزية ؛ ولما عرف ان كاتبها هو زميلنا الثالث الدكتور عبدالله الشحام بدأ الرجل الاسمر يستنطق كاتب القصيدة عن الرموز والدلالات ؛ استنطاق رجل الامن وليس استنطاق الناقد . ولم يترك لي الدكتور فواز طوقان الاعلان عن رفضي لحشرية هذا الرجل الاسمر ( الدخيل ) وتطاوله ليس فقط علي خلوتنا ؛ وانما ايضا علي تخصصي باعتباري كنت انذاك امتهن النقد الأدبي وامارسه بالطول والعرض ؛ فقد سارع الدكتور الى تقديم الزائر الينا ... انه معالى الباشا محمد رسول الكيلاني مدير المخابرات العامة !!


مع اني  كنت لا ازن اكثر من خمسين كيلو غراما ؛ الا اني اذكر ليلتها اني ( زربت ) عرقا يكفي لملء بركة سباحة ؛ فقد كان الاردن يومها يلملم جراح حوادث ايلول / سبتمبر بين السلطة الاردنية والمقاومة الفلسطينية ؛ وكانت السطوة والسيطرة لجهاز المخابرات ؛ حتي ان عنصرا عاديا بوظيفة فراش في ادارة المخابرات كان يخيف شارعا باكمله ؛ وكانت الحرب السرية بين التنظيمات السرية للمقاومة وبين الجهاز علي اشدها وقد عملت الدسائس والتقارير الكيدية عملها في الزج بابرياء في السجون او الصاق تهم بهذا او ذاك ؛ وكان الدخول الى مبني المخابرات العامة الضخم ؛ المشهور باسم ( فندق ابو رسول ) محفوفا بالمخاطر دائما ؛ اذ قد لا يخرج الداخل الى الفندق الا بعاهة ؛ هذا اذا لم يخرج الى القبر طبعا ؛ فكيف بي وانا اجلس مع ( ابو رسول ) شخصيا !!

 انعقد لساني ـ وانا المعروف بالثرثرة ، كما لم ينعقد منذ ان نزلت من بطن امي ؛ وبذلت مجهودا خارقا لالتقاط انفاسي واعادة التوازن حتي لا يظن الجالس علي يساري ؛ اني اتكتم علي سر خطير يهدد امن الدولة ؛ فحاولت ـ كاذبا والله ـ ان اتظارف ؛ وان اتظاهر بالسعادة ؛ وكدت اقفز من مقعدي الى حضن الباشا ؛ وحاولت ان استعيد افلام الباشاوات المصريين ؛ لعلي اعثر علي اسلوب التعامل والتخاطب فانقذ رقبتي من حبل المشنقة او مؤخرتي من ان يلاط بها في زنازين المخابرات الا ان كل هذا كان بلا نتيجة ؛ فقد تبلدت كل مشاعري وكتم الخوف انفاسي وتملكني شعور رهيب بالبلادة والتياسة والخوف !!

 لم تكد تمر خمس دقائق علي الجلسة حتي اكتشف محمد رسول الكيلاني سر ( القعدة ) في مطبخ رئيس الوزراء ؛ فنحن هنا نحرر مجلة تنشر شعرا سياسيا مرموزا بما يخالف نظام الحكم العرفي السائد ؛ ونحن نتستر بمظلة ياسر حجازي ؛ واجتماعنا في مطبخ رئيس الوزراء يراد منه درء الشبهات وظل الرجل يسرد علي مسامعنا استنتاجاته حتي خيل الينا انه سيأمر لتوه بالقاء القبض علينا ؛ لكن ذلك لم يحدث ؛ اذ سرعان ما استرخي الرجل علي مقعده يروي لنا شيئا من اشعار احد اقاربه في هجاء بعض وجهاء واعيان القوم في الاردن ؛ ثم سرد لنا بعض تجاربه ـ يوم كان ضابطا صغيرا في المخابرات ـ مع بعض المعتقلين من البعثيين والقوميين ممن اصبحوا وزراء فيما بعد .


• محمد رسول الكيلاني يحفظ كل قصائد ابن عمه الشاعر ( حسني زيد الكيلاني ) وبخاصة ( الهجائيات ) التي كتبها الكيلاني في الملك حسين ومنها القصيدة التي نشرناها في عرب تايمز ( وساعود الى ذكرها في عدد بلاحق ) ... محمد رسول الكيلاني هو ( راوية ) هذه القصائد ؛ يحفظها ويتندر بقراءتها في مجالسه الخاصة  .


• في تلك السهرة ( في منزل دولة المرحوم احمد طوقان ) قرأ الكيلاني بعضا من ابيات الهجاء في الملك حسين ثم بدأ يحدثنا عن ( صادق الشرع ) وزير الخارجية الاردني السابق ... حدثتنا كيف قام باعتقال ( صادق الشرع ) بعد محاولة الانقلاب علي الملك ... كان محمد رسول الكيلاني يومها برتبه نقيب ( ثلاث نجمات ) .. حدثنا كيف ( لطش ) الشرع كفا الى اخر الحكاية ... كان صادق الشرع مع مجموعة ( علي الحياري ) الذي حاول الانقلاب علي الملك ؛ وصدر عليه حكم بالاعدام لكن الملك عفى عنه وعينه سفيرا ثم وزيرا للخارجية وفي احدي المراحل كان ( الشرع ) الرجل الثاني في المملكة ومن المؤكد انه لم ينس ( الكف ) الذي اكله من محمد رسول الكيلاني لذا لعب الشرع دورا في اقصاء الكيلاني ؛ الذي ظل ولا يزال يشعر بالغيرة من السياسي الذي نزل عن حبل المشنقة ليصبح وزيرا للخارجية .


• حتي ( احمد اللوزي ) ـ رئيس الوزراء السابق ـ لم يسلم من لسان محمد رسول الكيلاني البذيء ؛ رغم ان ( اللوزي ) كان استاذا لمحمد رسول الكيلاني في احدي مدارس السلط .... وللعلم فقط فان ( اللوزي ) درس ايضا احمد عبيدات ومضر بدران.


• لا اذكر كم يوما بقيت ـ بعد تلك السهرة ـ في الاردن ؛ لكني اتذكر جيدا ان قراري بالمغادرة قد اتخذته في تلك الليلة ؛ وقد حزمت حقائبي الى دول الخليج ؛ وعلمت بعد ذلك من الدكتور فواز طوقان ـ الذي اصبح فيما بعد وزيرا ـ ان الحكومة الغت ترخيص جريدة ياسر حجازي ومن ثم تعتبر مجلتنا في حكم الملغاه ؛ وعرفت بعد ذلك ان ياسر حجازي قد طار الى لندن ؛ ليصدر منها مجلة اسبوعية ؛ وحين قرر زيارة الاهل ؛ صادروا جواز سفرة في عمان ومنعوه من السفر حتي انفجر دماغة ... فاراحه .... واراح الاجهزة التي عمرها محمد رسول الكيلاني ؛ ليس لمطاردة جواسيس اسرائيل وانما لامتهان المفكرين والكتاب والصحافيين وكل الشرفاء ..


• مضر بدران ( ابو عماد ) هو المؤسس ( نمبر تو ) لجهاز المخابرات في الاردن وهو فلسطيني الاصل من نابلس ؛ اردني المولد ( من جرش 48 كلم شمال عمان ) ؛ وهو شخصية معروفة لدي عامة الناس ؛ ولدي رجال السلطة ؛ فقد تراس الحكومة الاردنية للمرة الاولي عام 1976 ثم تولي الرئاسة للمرة الثانية عام 1979 ثم عام 1980 ؛ وكان قبل ذلك رئيسا للديوان الملكي ؛ ومضر بدران حقوقي ؛ تخرج من جامعة دمشق في عام 1956 والتحق بالجيش الاردني كمستشار عدلي ؛ وتدرج في الرتب العسكرية حتي اصبح مديرا للاستخبارات العامة بعد حرب حزيران / يونيو 1967 وبقي في منصبه ( مديرا للاستخبارات ) حتي تقاعده سنة 1970 وهو برتبه لواء ؛ لذا يعتبر مضر بدران من مؤسسي جهاز الاستخبارات الاردني ؛ في فترة شهدت ولادة المنظمات الفدائية الفلسطينية ؛ وترعرعها في عمنان ؛ وحتي صدامها الدموي مع السلطة في ايلول / سبتمبر 1970 .


• في تلك السنة شغل مضر بدران منصب رئيس التشريفات الملكية ؛ مما جعله علي تماس مباشر بالقصر ؛ وعلي اطلاع كامل علي الاوضاع الداخلية والخارجية ؛ ثم اصبح مستشار الملك حسين لشؤون الامن القومي سنة 1971 في مرحلة من اكثر المراحل الامنية الحرجة في تاريخ الاردن ؛ ثم تولي بعد ذلك منصب رئيس المكتب التنفيذي لشؤون الارض المحتلة ( الضفة الغربية ) قبل ان يصبح وزيرا للتربية والتعليم ثم وزيرا للخارجية والدفاع ثم رئيسا للوزراء .


• مضر بدران ؛ كان يدير الدولة والجهاز بمنطق ( المقاول ) وهو رجل مغرم بالصفقات ... عندما تولي رئاسة الوزارة ـ مثلا ـ عقد صفقة مع رئيس البرلمان انذاك ( سليمان عرار ) للحصول علي ثقة المجلس .. كانت الصفقة تقضي بعزل ستة وزراء كان منهم عبد الكريم الكباريتي الذي اصبح رئيسا للوزارء ...


• دبلوماسية ( المقاول ) في عمله هي التي اوصلت احمد عبيدات ؛ الضابط السابق في جهاز المخابرات الى رئاسة الجهاز ؛ وبعد ذلك الى رئاسة مجلس الوزراء .


• لعل الاصواب ان محمد رسول الكيلاني هو الذي ادخل مضر بدران واحمد عبيدات الى جهاز المخابرات .. فبعد ان انهي الرجلان دراستهما في ثانوية السلط توجها الى دمشق للدراسة ودخلا ـ بسبب تدني معدلاتهما ـ الى كلية الحقوق .


• كانت مادة ( الحقوق ) مقصورة انذاك علي ( التيوس ) ممن لا تؤهلم ( معدلاتهم ) الدخول الى الكليات الاخري ؛ وكان الاردنيون ـ في الخمسينات - يتندرون علي الطلبة الذين يلتحقون بكليات الحقوق لان مهنة ( المحاماة ) لم تكن معروفة في الاردن ومن يتخرج منها لا يجد عملا الا في اجهزة الدولة بالتحديد في دوائر الامن والشرطة ... من هذا الباب دخل مضر بدران واحمد عبيدات الى جهاز المخابرات ؛ ولو لم يدخلهما الكيلاني هذا الجهاز لمات الرجلان من الجوع .


• لعلها ظاهرة لافتة للنظر ان معظم الذين تولوا رئاسة جهاز المخابرات في الاردن ليسوا اردنيين ... فمحمد رسول الكيلاني فلسطيني من نابلس ؛ ومثله مضر بدران ؛ اما مصطفي القيسي فمن الخليل .. وحدة ( احمد عبيدات ) كان من شمال الاردن ؛ ولعل هذا هو الذي جعله يطمع في منصب اكبر من مناصبه التي تولاها ... احمد عبيدات يطمح الى ان يكون ( حاكما ) للاردن وعلاقاته التي ينسجها مع حسن الترابي و ( غلام رضا ) ـ مسؤول الشرق الاوسط في الخارجية الايرانية ـ تصب في هذا الاتجاه .


• احمد عبيدات هذا من قرية ( كفر سوم ) قرب اربد ، تخرج من دمشق وانضم الى حزب البعث ثم الى جماعة الاخوان المسلمين قبل ان ينقلب عليهم ويدخل الى الجهاز كضابط صغير ؛ متخصص في التحقيق مع عناصر الحزبين ( رفاق الامس ) ولانه شخصية انتهازية فقد استطاع ان يتجاوز كل زملائه ؛ ليتربع علي عرش الجهاز في احدي اهم المراحل التاريخية التي مر بها الاردن .


• يقول المثل الشعبي في الاردن ( ركبناه علي الفرس مد ايدو علي الخرج او الرسن ) ؛ وهذا ما فعله عبيدات ؛ الذي لم يكتف بمنصبه كرئيس للوزراء ؛ بل اخذ يطمح الى ما هو اكبر من ذلك من خلال لعب دور المعارض ( المستقل ) ، ولانه وجد ان التجارة بالدين هذه الايام رائجة ؛ فقد لبس عباءة عمر بن عبد العزيز ووضع عمامة حسن الترابي وبدا يلعب دور ( الصبي ) للترابي هذا .. لعله اراد ان يتشبه بشقيقه ( محمود عبيدات ) استاذي في مدارس الثقافة ثم زميلي بعد ذلك في جامعة الامارات ... وهو الحق اقول ـ رجل فاضل وعالم وقدير.


• بدا احتكاكي باحمد عبيدات في ابريل / نيسان عام 1995 حين وصلني من الخرطوم حوار صحافي اجراه مع احمد عبيدات الزميل ( حيدر محمد طه ) .. كان ( عبيدات ) يتزعم مؤتمرا دعا اليه حسن الترابي ومولته ايران ؛ وقد نشرت الحوار كما وصل الى ؛ فاذا باحمد عبيدات يصدر من العاصمة الاردنية ان السلطات الاردنية وضعته تحت الاقامة الجبرية فاراد ان يخلص نفسه بالبيان الذي انكر فيه ما صرح به لمراسلناه ؛ بل وقام بتحريض المخابرات السودانية علي الزميل ايضا .


• فيما يلي النص الكامل لذلك الحوار :
علي غير توقيع سرق ثلاثة اشخاص شاركوا في ( المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي ) الذي عقد في قاعة قصر الاصداقة وسط الخرطوم الاضواء من عراب المؤتمر ومنظمة الدكتور حسن الترابي ، وهؤلاء الثلاثة هم ى: احمد عبيدات وسعد الدين الشاذلي وفتحي الشقاقي ، وكان من الواضح ان احمد عبيدات ، رئيس الوزراء ورئيس المخابرات السابق في الاردن هو العقل المدبر والمنظم والمخطط لجلسات المؤتمر ، وكان اكثر المشاركين عزوفا عن مخالصة الصحفيين ، لعله الحس الامني لديه ، الذي جعله يظن ان الصحفيين الذين تغص بهم قاعات قصر الصداقة وردهاته لابد وانهم يمثلون اجهزة وانظمة تري في المؤتمرات الاسلامية خطرا يجب مراقبته والتجسس عليه . من هنا لم يكن اجراء حوار معه مطمحا لاي صحافي لان مثل هذه المحاولة ستعتبر مضيعة للوقت في مؤتمر في العديد من النجوم الذين يسعون هم انفسهم خلف الاضواء ان لم يكن حبا بها فلعرض وجهات نظر الجهات التي يمثلونها . سعد الدين الشاذلي مثلا ، يمكن ان يملا الحوار معه عشرات الصفحات ، لان دورة في حرب اكتوبر ثم صدامه مع السادات ومنفاه الاختياري في الجزائر ثم موقفه خلال حرب الخليج وعودته الى مصر لمواجهة الاحكام الصادرة ضده ؛ كل هذا يجعل الشاذلي موضوعا مثيرا لايه صحيفة تبحث عن ( خبطات ) .


النجوم كثيرون ، لعل ابرزهم زعيم تنظيم الجهاد فتحي الشقاقي ، الذي رصدت المخابرات الإسرائيلية عدة ملايين من الدولارات ثمنا لراسه والشيخ انور هدام ، الرجل الذي يمسك بخيوط العنف والسلام في الجزائر ، وصلاح مختار الذي حمل الى المؤتمر موقف صدام حسين والشيخ نعيم قاسم المزاحم الاول علي زعامة ( حزب الله ) ، الحزب الذي اصبح كابوسا لجنود اسرائيل في الجنوب ، وابو خالد العملة ، الضابط الفتحاوي الذي قاد انشقاقا عسكريا علي زعامة عرفات وغيرهم كثير .


احمد عبيدات كانت له ( هيبة ) خاصة ، فطوله الفارع واناقته الاوروبية وعسكريتة في ادارة الجلسات ، ثم ارتباط اسمه لبجهاز المخابرات في الاردن اكثر الاجهزة الامنية تطورا في الشرق الاوسط ( بعد الموساد طبعا ) ، كل ذلك يجعل اللقاء به حلم أي صحافي يبحث عن مادة صحافية خارج نطاق الاخبار والتصريحات والتحليلات المجانية التي يمررها مندوبو الوكالات والصحف الى مؤسساتهم .


وتحقق لي هذا الحلم صدفة ، ليس لاني صحافي سوداني يمكن ان يطمئن الىه احمد عبيدات اكثر من اطمئنانه الى اخرين ، ولكن لان علاقتي باحد مرافقي عبيدات مكنتني من الاجتماع به في احدي غرف الاستراحة ثلاث مرات خلال حفل الافتتاح ، الذي راسه احمد عبيدات .


كانت معلوماتي عن احمد عبيدات ـ قبل حضوري المؤتمر ـ محدودة ، لا تزيد عما قراته عنه في ( عرب تايمز ) ، ثم سمعت جانبا بلمثيرا عنه من احد مرافقي ابو خالد العملة ، الذي قال لي ان عبيدات زج به في السجن ، وانه كان الرجل الثاني في جهاز المخابرات اـ بعد محمد رسول الكيلاني ـ عندما بدأ الصدام الدموي مع الفلسطينيين في ايلول ،وكان موكلا بكشف التنظيمات والخلايا السرية التي شكلها الفلسطينيون في الاردن بعد انسحابهم من الاردن ، وبعد المواجهة الدموية في احراش الشمال التي استشهد خلالها ( ابو علي اياد ) ووقع ( صاحبنا ) يومها في الاسر ، قبل ان يخرج في عفو عام ويلتحق بالمنظمة في لبنان ، ثم ينشق عنها لمع ابو خالد العملة ، وتشاء الاقدار ان بلتقي بجلادة في الخرطوم .


كانت حكاية هذا المرفق هي ( المفتاح ) الذي جحعلني ادخل الى عالم احمد عبيدات السري واستنطقه كما لم ينطق من قبل ، ويبدو ان احساس احمد عبيدات بالذنب تجاه هذا الرجل ، هو الذي جعله ينفتح في الحديث طولا وعرضنا ، حتي ان رئيس التحرير ، لما ( فكست ) له الحوار ، اتصل بي وهو في حالة من الدهشة والفرح ، الدهشة لان مراسله في الخرطوم استطاع ان يستنطق اخطر رجل في الاردن والفرح لان الحوار ( خبطة ) صحافية بكل ما في هذه الكلمة من معني .


عندما دخل احمد عبيدات الى غرفة الاستراحة تقدمت الىه مرحبا ، فظن اني من المرافقين او من موظفي المراسم ، فتركته علي ظنه الى ان تناول زجاجة مياة مثلجة وجلس علي مقعد وثير وسط الغرفة .. وقلت له :
• هل عرفتم الضيف الذي كان علي يمين ابو خالد العملة والذي سلم عليكم بحرارة ؟
رفع راسه علامة علي احساسة برابة السؤال .... فأكملت سؤالى : هو يقول انك عذبته ووضعته في السجن بعد معارك ايلول ؟ !
كان لعبارتي هذه وقع الصاعقة عليه ، اهتزت الزجاجة المثلجة في يده ونظر الى من حوله من المرافقين واعضاء امانة المؤتمر ليقرا في عيونهم ردود الفعل ولسان حالة يقول : انا هنا كداعية اسلامي ولست كجلاد .
بتضايق شديد سألني : لماذا اخبرك ببذلك ى؟
• قلت : لاني صحافي ؟!
زم حاجبية ، ولم يسالني عن اسم الصحيفة التي اكتب الىها ا، ربما لاني سوداني ومن ثم سيبدو تساؤله ساذجا ... حاول ان يعتدل في جلسته اكثر ، وان يتظاهر بالموضوعية .. قال :
** انا لم اعذب احدا .. لقد كنت مسؤولا في دائرة المخابرات العامة ، وعمليات التعذيب والعقاب والاستجواب يقوم بها ضباط اقل رتبه مني بكثير .
** قلت : هذا يعني انك تقر بان التعذيب كان قد مورس ضد الفلسطينيين ؟!
** بعد ايلول لجات المخابرات الى التعذيب خلال عمليات االاستجواب للكشف مخازن السلاح السرية والخلايا السرية ولم يكن التعذيب مقصورا علي الفلسطينيين ..ز
• من اتخاذ قرار التعذيب ؟
• الجهات العليا .
• هل تقصد الملك حسين ؟
• .......................
• لماذا فصلك الملك حسين من مجلس الاعيان الاردني ؟
• الملك لم يفصلني ... الامير حسن ولي العهد هو الذي استدعاني رو ( اقتراح ) علي تقديم استقالتي ربسبب انزعاجه من البيان الذي لالقيته في اجتماع المجلس ضد المعاهدة .
• هل أيعقل أن يبادر الأمير حسن إلى فصل عضو بارز في مجلس الأعيان دون إن يأخذ الضوء الأخضر من الملك ؟
• تسعون في المئة من القرارات بالتي يأخذها الأمير حسن ، سواء كانت الاقتصادية أو السياسة ، لا يستشير بها أحدا من المسؤولين وان كان يستشير شركاء له أو مستشارين ؟!
• شركاء في ماذا ؟
• في البزنس طبعا .
• هو الأمير حسن تاجر ؟
• ليس تاجرا ( يضحك ... ) ولكنه شريك في معظم الشركات الكبيرة والبنوك .
• أية بنوك ؟
• بنك البت راء مثلا ... الأمير حسن كان شريكا لأحمد الجبلي .
• في بيانك الذي القيته بعد توقيع المعاهدة الاردنية الاسرئيلية اشرت الى رموز الفساد والرشوة خاصة الذين انتفعوا من خطة تطوير وادي الاردن بحوالى مليار دولار .. لماذا لم تثر مثل هذه الاسئلة عندما كنت رئيسا للوزراء او رئيسا للمخابرات ؟
• انا اول من رفع لشعار ( من اين لك هذا ) لكن القصر منعني من اغتيال المتهمين بالفساد والرشوة او التحقيق معهم .
• لماذا لا تقوم الآن بالكشف عن رموز الفساد والرشوة خاصة وان في الاردن الىوم ديمقراطية وبرلمانا منتخبا وصحافة حرة ؟
• ومجلس النواب لا يجرؤ علي مخالفة القصر والنواب في أكثرهم من الوزراء أو المسئولين الذين ساهموا في تلك المرحلة فمن سيحاكم من ...؟ لو كان لدينا ( برلمان ) لما تم الانفراد بالقرار السياسي والاقتصادي في قضايا مصرية مثل قضايا الحرب والسلام وظاهرة الفساد المالي والتسيب الإداري كانت محصلاة حالة من انعدام المساءلة القانونية في العديد من مؤسسات الدولة .
• اعترف الملك حسين بأنه اجري لقاءان سرية مع الإسرائيليين منذ اكثر من عشرين سنة ، فهل كنت مطلعا علي هذه الاتصالات بصفتك رئيسا للمخابرات ثم رئيسا للوزراء ؟
• لقد قرأت عن لقاءات الملك السرية بالإسرائيليين في الصحف لا.
• هل يعتقل أن يجري الملك مثل هذه اللقاءات دون علم رئيس مخابراته ؟
• ..................
• يقول بعض الصحفيين الأردنيين انك تسير علي نهج رئيس الوزراء الأردني السابق الذي اغتيل في القاهرة وصفي التل ؟ لا
• نحن من منطقة واحدة ولكن بيننا اختلافات كثيرة ، ويبدو أن ربط اسمي به يعود إلى اني كلفت بملفه بعد الاغتيال ثم منعت من مواصلة التحقيق أو بالا خري سحب الملف مني .
• لماذا ؟
• ....................
• كيف تفسر وجودك في هذا المؤتمر رغم انك لا تمثل ايه منظمة او حزب او حركة إسلامية بما في ذلك الحركات الإسلامية في الأردن ؟
• حسن الترابي صديقي وهذا المؤتمر لا يمثل بالضرورة الأحزاب والمنظمات .... هو مؤتمر ( شعبي ) كما هو واضح من اسمه .
• ما رأيك بالكلمة التي ألقاها الأمين العام للمؤتمر الدكتور حسن الترابي خاصة الفقرات التي هاجم فيها اتفاقية السلام ؟
• موقفه مماثل لموقفي ... نحن الآن في الزمن الإسرائيلي ، وقد رهنت المعاهدة بلدنا الأردن رهنا كاملا للجانب الإسرائيلي خاصة فيما يتعلق بمياه نهري الأردن واليرموك وقضايا النازحين واللاجئين وأخيرا ألاماكن المقدسة في القدس . وما ورد في الاتفاقية بخصوص القدس سيؤدي في المستقبل إلى نزاع عربي ـ عربي وينقل الصراع العربي الصهيوني الذي كان قائما قبل اوسلو إلى نزاع أردني ـ فلسطيني .
• هل صحيح انك تطمع بتولي الحكم في الأردن بعد مرحلة الملك حسين ؟

.. ( يضحك ... اسكت بحتي الأمير حسن ما يسمعنا ) .
هل تعرف أسامة بن لادن ؟
طبعا .. عرفني عليه الأخ حسن الترابي .
لماذا عينوا أحد أقاربك في موقعك بمجلس الأعيان ؟