|
استدعاء الموروث الشعبي
في الاعمال الادبية الاماراتية الشعرية والنثرية
نص محاضرة القاهاها اسامة فوزي في الشارقة عام 1983
ونشرت في عدة مطبوعات وصحف عربية
منها مجلة الطليعة الادبية العراقية
1 2
بعد أن فرغت من إشارتي المجملة لأبرز المأثورات الشعبية فى الإمارات والجهود
المبذولة فى توثيقها(1) تبادر إلى ذهنى تساؤل حول مدى استيعاب الأدباء فى
الإمارات لهذه المأثورات فى أعمالهم الأدبية ،ومن ثم الكيفية التي وظفت بها هذه
المأثورات فى إطار خدمة المضمون الأدبي ، شكلاً وموضوعاً فضلاً عن جدوى هذا
التوظيف ومحصلته .
( )
لقد أثيرت هذه القضية فى العديد من الأوساط الأدبية العربية ، وظهرت دراسات
كثيرة تسعى فى إطار هذه الظاهرة وتتقصى ملامحها فى الأعمال الإبداعية مع اختلاف
فى الأهداف ، فبعض الدراسات أرادت إغناء المدون من المأثور الشعبى بالإشارة إلى
ما يرد منة فى الأعمال الإبداعية وبعضها الآخر أخضع هذه المدونات للدراسة
والتحليل الوظيفي(2)، وكان أخرها رسالة الدكتوراه التي وضعها الدكتور صبري مسلم
عن المأثور الشعبي فى الرواية العراقية(3) .
( )
ومما لاجدال فيه أن أولئك الدارسين قد وجدوا كماً كبيراً من الأعمال الإبداعية
التي تتضمن مأثورات شعبية ، وهو كم يسمح للناقد والباحث أن يسعى اثر الظاهرة
بحرية ، بل ويمكنه لكثرتها وتعددها أن يضعها في مدارس وتيارات ، لكن الأمر
بالنسبة للإمارات يبدو شاقاً ، فالأعمال الإبداعية المطبوعة التي يمكن إخضاعها
للدراسة لا تزيد عن عدد أصابع اليدين ، وبعضها لا يحتمل أكثر من إشارة واحدة
،لأن المأثور الشعبي نفسه ورد عند الخاطر فى السياق لكن ذلك لا يمنع أن نبادر
إلي وضع أول دراسة من نوعها ، تستقصي المأثور الشعبي فى الأعمال الإبداعية
(الأدبية ) فى الإمارات وتستبطن ما وصلت إليه من أفاق على صعيدي الشكل والمضمون
.
( )
بادي ذي بدء أحب أن أشير إلى أن الأعمال الأدبية التي تتناولها هذه الدراسة
بالاستقصاء والتحليل هي تلك التي وضعها كتاب وأدباء من الإمارات ،وأمكن لكاتب
هذه السطور أن يطلع عليها وان يحصل على نسخ مطبوعة منها ،وإذا تصادف أن سقطت
الإشارة إلى مطبوع أدبي معين رغم تضمنه مأثورات شعبية محلية فيكون ذلك عفو
القصد ليس إلا (4) ، مع التأكيد بأن الأعمال الأدبية للكتاب المتجنسين قد سقطت
عن عمد ، لأنها تخرج عن إطار الهدف العام من هذه الدراسة ، وهو تقصي المأثور
الشعبي المحلي فى أعمال الأدباء المحليين الأصليين ، الذين عاشوا هذا المأثور
وتأثروا به وأعادوا تشكيلة في أعمالهم الأدبية ... وقد نعود إلى دراسة الأعمال
الأدبية للمتجنسين أو للأدباء العرب المقيمين ، الذين أشاروا بدورهم إلى
المأثور الشعبي المحلي و ذلك في دراسة قادمة (5) .
( )
الأعمال الأدبية التي سنخضعها للدراسة تتضمن رواية واحدة هي رواية ( شاهندة )
لراشد عبد الله والنسخة التي سنعتمدها هي الطبعة الثانية الصادرة في يناير 1976
عن المركز العربي للصحافة في القاهرة .. كما سنعرض لمجموعات قصصية وشعرية فضلاً
عن خواطر مطبوعة على النحو التالي :-
المجموعات الشعرية
1. سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمة التي لا تعرفه / احمد راشد ثاني /
العربية للنشر والتوزيع /دمشق / 1981م .
2. نفحات من الخليج / عارف الشيخ عبد الله الحسن / مطبعة دبي / 1981م .
3. ذكريات / عارف الشيخ عبد الله الحسن /دار الطباعة المحمدية / القاهرة
1/1/1977م
4. المسيرة / الدكتور مانع سعيد العتيبه / الطبعة الأولى – مطابع دار الفجر /
أبو ظبي / حزيران /1981م .
5. هنا بار بني عبس الدعوة عامة / حبيب الصايغ / دار الكلمة .
6. التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه / حبيب الصايغ / دار الكلمة / 1981م
.
7. بيروت 11 وجمرة العقبة / عارف الخاجة / بدون تاريخ .
8. غربة في زمن العشق / رؤى سالم / مطابع البيان / بدون تاريخ .
9. قصائد إلى بيروت / حبيب الصايغ / مركز الإنماء الثقافي –أبو ظبي الطبعة
الأولى / تموز يوليو 1982م.
10. لوعة البعد / أحمد راشد سعيدان – بدون تاريخ .
حصاد السنين / الدكتور أحمد أمين المدني / المطبعة الوطنية –دبي / 1968م .
المجموعات القصصية
1. حب من نوع أخر / محمد المر / مطابع البيان / 1983م .
2. ذلك الزمان / عبد الرضا السبواني / من منشورات وزارة الإعلام / بدون تاريخ .
3. الفرصة الأخيرة / محمد المر / مطابع البيان – بدون تاريخ .
السباحة في عيني خليج تيوحش / عبد الحميد أ حمد / دار الكلمة – بيروت 1982م .
الخواطر
1. خطوة فوق الأرض / ظبية خميس / دار الكلمة – 1981م .
2. منتهى العذاب / فرح مختار / من منشورات وزارة الأعلام / المطبعة العصرية /
بدون تاريخ .
3- أنا المرأة الأرض كل الضلوع / ظبية خميس / لندن – نوفمبر 1982م .
( )
وغني عن الذكر أن تناولنا للمأثورات الشعبية الواردة في الأعمال الأدبية في
الإمارات سيكون تناولاً لها بمفهومها العام الذي يعني الحياة الشعبية بكل
جوانبها (حيث التناول الشامل للمادة الثقافية وتاريخها والاقتصاد والتكنيك
والاستيطان والفنون والعادات والمؤسسات الاجتماعية والمعتقدات والقصص والمعرفة
المأثورة وما يسمى بصفة عامة فولكلور ) وهو – كما يذكر فوزي العنتيل(6) الفخم
العلمي المعاصر لعلم الفلكلور .
( )
ومما يجدر ذكره أن استدعاء الأديب للمورث الشعبي يدخل غالباً في إطار سعيه نحو
إيجاد بدائل للرمز المجرد ، بحيث يكتب الموروث الشعبي داخل العمل الأدبي حجم
الرمز ويضمن بالتالي تواصلاً أكبر مع القارىْ الذي يشكل له الموروث الشعبي
جزءاً من مكونات الذاكرة والوجدان وقلة قليلة تورد المأثور الشعبي رغبة في بعثه
من جديد --- وبطبيعة الحال يختلف استدعاء المأثور الشعبي من كاتب إلى أخر ، ومن
المؤكد أن تناول الشاعر لهذا المأثور ، ومن ثم توظيفه له في قصائده يختلف
كثيراً عن تناول القاص أو الروائي ، وإن كنت أرى أن الشعراء أكثر إقبالاً على
توظيف المأثور الشعبي بمفهومه العام من غيرهم .
( )
ومن المسلم به أن دخول الموروث الشعبي بما في ذلك الأساطير إلى أدبنا العربي
يعتبر دخولاً متأخراً بالقياس إلى الآداب الغربية ، لا بل يمكن القول أن
التواصل الثقافي مع الغرب في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن ومن ثم
الإطلاع على التجارب الأدبية في أوربا ، التي قطعت آنذاك شوطاً في عملية
(معمرة) البناء الأدبي على أسس من الموروثات والأساطير ، هو العامل الرئيسي في
تبلور بذور هذا التيار في أدبنا المعاصر ، وساعد في هذا التبلور ،ومن ثم تشجيع
الأدباء العرب على دخول هذه المغامرة ، أتجاة طه حسين نحو الأساطير اليونانية
وترجمته لها وحثه طلابه على دراستها والتعرف على خباياها وتعزز هذا الاتجاه
أكثر بظهور مدرسة (أبولو) التي اتخذت من معرفة الأساطير القديمة اسماً ومنهجاً
على اعتبار أنها تراث أنساني هو خلاصة تجارب الإنسان وثقافته .
( )
ومن يبحث في البدايات سيجد أن استدعاء الموروث الشعبي في الأدب العربي كان
يقتصر على الأساطير والخرافات ، وكان هذا الاستدعاء أو التوظيف ساذجاً كما
نلاحظ في ملحمة (عبقر) لشفيق معلوف وغيرها من الملاحم الشعرية العربية التي
أتفق النقاد على تسميتها بالمطولات الشعرية لعدم توفر عناصر الملحمة الإغريقية
بينها ، وكانت هذه الملاحم قليلة ، في عددها ، وفي عدد أبياتها ، لأن النظم
يخضع لعدد محدد من القوافي المنتهية بروي واحد ، وقد يصل الناظم بمطولته إلى
ألف بيت ، ولكن من أين له بالألف الثانية – فضلاً عن أن التطويل كان – دائماً –
يؤثر على مستوى الأبيات كما نلاحظ في (عمرية) حافظ إبراهيم أو إلياذة أحمد محرم
– ولا نجد في هذه البدايات ما يستحق الذكر سوى أن الشعراء أعادوا سرد هذه
الأساطير أو الحكايات نظماً ،ولم يكن استدعاء (الموروث) لهدف وظيفي وتلك إحدى
سمات هذه المرحلة.
( )
لكن مدرسة أبولو كانت أكثر نضجاً في التعامل مع الموروث الشعبي في إطار العمل
الإبداعي ، حيث نجح بعض روادها في انبعاث الأسطورة داخل رحم القصيدة الشعرية
ضمن إسقاط تاريخي يأخذ بعداً رمز ياً ووظيفياً يرقى بالمستوى الفني للقصيدة
فضلاً عن تعميق المضمون ، وبرز علي محمود طه في هذا المجال بصفته صاحب أول
محاولة حقيقية (لاستخدام الأساطير القديمة استخداماً فنياً خارج سياقها
التاريخي القديم ، فقد كان يحرص في القصائد التي أقام موضوعها على أساس
ميثولوجي على أن يغرق القرىْ في جو أسطوري سواء بما يجلبه من التراث اليوناني
أو يضفيه عليها من خياله الرومانسي المجنح) (7).
تفاوتت عملية توظيف الموروثات الشعبية في الإمارات – في الأعمال الإبداعية –
بين أديب وأخر فوجدنا توجهاً من قبل البعض نحو الأساطير حيث يتكرر ذكراها في
قصائد جيب الصياغ ، ووجدنا توجهاً أخر نحو التاريخ الإسلامي – في معظم قصائد
عارف الخاجة – بينما يوثق الدكتور مانع العتيبة في قصائده الموروث الشعبي من
عادات وتقاليد كانت سائدة في عصر الغوص ونجد مثل ذلك في قصص محمد المر و عبد
الحميد أحمد و عبد الرضا السجوانى مع تفاوت في عملية توظيف هذا الموروث .
استخدام الموروث الشعبي في الأعمال الأدبية النثرية في الإمارات يختلف بالتأكيد
عن استخدامه في الأعمال الشعرية ، بخاصة وأننا لا نجد حتى ألان إنتاجا محليا
علي صعيد الرواية أو القصة القصيرة ، يرقي إلى مستوي الموجه الجديدة التي
يمثلها ( ماركيز ) اصدق تمثيل ، وهي الموجه التي تعرف من الموروث الشعبي
والأسطوري كل عناصرها البنائية الجديدة وتمزجها بالواقع فيغدو الموروث الشعبي
والأسطوري رمزا له عدة مستويات من الدلالات ، قد يكون أحياء هذا الموروث واعادة
بعثة واحدا منها ، لكنه بالتأكيد أضعفها واقلها بروزا.
( )
وغني عن الذكر أن استخدام الموروث الشعبي أو الأسطوري عند الشعراء يختلف من
واحد لاخر باختلاف المستوي الثقافي والإبداعي كما انه يختلف بالنسبة لشاعر واحد
تبعا لاختلاف تجربته من قصيدة إلى أخرى ، كما أن أغراض هذا الاستخدام تختلف هي
الأخرى باختلاف الشعراء وثقافاتهم وتجاربهم ، فضلا عن اختلاف الظروف الموضوعية
المحيطة ، وفي هذا الإطار يمكن القول أن بواعث استخدام الشاعر حبيب الصايغ من
الإمارات لرمز عنترة العبسي في ديوانه ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة ) ،
وطريقة هذا الاستخدام او التوظيف تختلف قطعا عن بواعث فدوي طوقان في قصيدتها (
كوابيس الليل والنهار ) ، رغم أن القصيدتين تبعثان القصة من كومنها وتعزفان علي
وتر العلاقة بين عنترة بن شداد وحبيبته عبلة وسنعود لهذه النقطة فيما بعد .
( )
وبادئ ذي بدء علينا أن نشير إلى أن شعراء الامارات ليسوا بمنقطعين عن حركة
الشعر في العالم العربي ومن ثم فأننا نجد في تجاربهم الشعرية كل المزايا
والسمات الفنية التي نجدها في الشعر العربي الحديث ومنها طبعا استخدام الموروث
، وهي سمة فنية تعود إلى العصر العربي الأول حيث نجد إشارات أسطورية وخرافية
كثيرة في قصائد أمية بن أبى الصلت ونجدها بشكل اقل في قصائد النابغة الذبياني
وزهير بن سامي ، ولكن ظهورها الفعال والمؤثر ـ في الشعر ـ بدأ كما أسلفنا مع
صدور مجلة ( ابولو ) التي كانت ترفع شعار التواصل مع الأساطير القديمة لأنها
إنتاج إنساني لا يمكن تجاهلة .
( )
أما التعاطي الجدي والفلسفي والفني العميق مع هذه الظاهرة فقد بدأ فعليا مع بدر
شاكر السياب الذي استطاع أن يوظف الأسطورة علي وجه التحديد لخدمة المضمون الذي
يريده دون أن يشعرك بتطفلها علي السياق وعلي الرغم من أهمية هذا الموضوع ، الا
انك لا تجد دراسة واحدة شاملة تتطرق إليه من كل الجوانب ، غير دراسة الدكتور
علي البطل وهي جديرة بالاطلاع والدراسة بخاصة وان الدكتور لا يتقصي الرمز
الأسطوري في شعر السياب فحسب بل ويضع منهجا يمكن أن يفيد منه الشعراء الذين
مازالوا يفضلون ارتياد هذه المجاهيل ، وغني عن القول ان الأسطورة او الموروث
الشعبي سيتحول إلى نقيصة فنيه تثقل كاهل القصيدة اذا لم يحسن الشاعر توظيفها .
( )
وفي هذا المجال ربط الباحث بين مراحل السياب الحياتية ومراحله الفنية التي
استخدم فيها الأسطورة ...... ففي مطلع حياته السياسية ، كان السياب اشتراكيا ،
لذا لجأ إلى الأساطير التي تنشر بالثورة والتغير مثل أسطورة عشتار وتموز ....
وعندما أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا كتبت السياب قصائد تحمل في طياتها رموزا
يمكن إسقاطها علي الواقع ، فكثرت إشاراته لذي قار حيث الانتصار العربي علي
الفرس و ( العنقاء ) الطائر الأسطوري الذي يخرج من الصحراء العربية فوق
الأعاصير ... أما عندما هده المرض ظهور شخصية المسيح في قصائده يحمل الأمل
والبشارة بالشفاء .. وظهرت كذلك شخصيات أيوب وعولسي وغيرهما .
( )
من قراءة سريعة للدواوين الشعرية الصادرة في الإمارات يمكن القول ان الشعراء
المحليين قد تأثروا بهذه الظاهرة السيابية ، ولكن بطريقة متفاوته ، فالشاعر
عارف الشيخ يكتفي في كل دواوينه الشعرية المطبوعة بإشارة واحدة إلى أسطورة (
إيزيس ) ـ في ديوانه ذكريات ـ بينما نجد إكثارا من ذكر الأساطير في قصائد حبيب
الصايغ ، حيث يرد ذكر ( بابل ) في ديوانه ( هنا بار بني عبسي ) ... فضلا عن
الأساطير الدينية ، حتى انه جعل ( سفر التكوين ) عنوانا لاحدي قصائد ديوانه (
التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) وهناك إشارات ليهوذا وفرعون وغيرهما
فضلا عن الإشارات التاريخية الإسلامية المتمثلة بأسماء عمار بن ياسر وبلال بن
رباح وأبا ذر وهند وحمزة والحسين وادم وحواء ... الخ ونجد مثل ذلك عند الشاعر
عارف الخاجة فديوانه ( بيروت ) يتضمن عشرات من هذا الإشارات الإسلامية ، فهناك
الاوس والخزرج وقنيقناع والنضير وعبد الرحمن الداخل والاشعري وواصل بن عطاء
..... الخ وترد أسطورة شهريار في ديوانه ( غربة في زمن العشق ) لرؤى سالم وهكذا
.....
( )
وتسهيلا لغرض هذه المأثورات والأساطير وطريقة استخدمها وتوظيفها في الشعر
المحلي أرى أن أتناول كل موروث علي حده فاتقصي ظهوره في الدواوين المطبوعة
واحاول أن اسبر أغواره داخل مصادره الأصلية ومن ثم التعرف علي الصلات الفنية
والمضمونية التي أقامها الشاعر بين الأصل ... والواقع ... وعلي ضوء هذا ستدور
الدراسة حول المحاور التالية :-
أ ـ استخدام التراث الشعبي ( الفولكلور )
ب ـ استخدام الأسطورة اليونانية أو الآشورية أو البابلية
ج ـ استخدام التراث الديني الإسلامي
د ـ استخدام التراث الديني اليهودي والمسيحي .
من المؤكد أن الشاعر يلجأ إلى استخدام الموروث الشعبي او الأسطوري او الديني في
قصائده لتحقيق غاية من أربع غايات .............. من هو قد يهدف من جراء ذلك
الاستخدام إلى تكريس الانتماء القومي من خلال ربط واقعة بالجذور ونحن نجد مثل
هذا في قصائد الشعراء الفلسطينيين ، بخاصة وانهم يخوضون صراعا حضاريا وقوميا مع
الحركة الصهيونية التي تحاول ادعاء كل شيء لنفسها ، حتى الثوب الفلسطيني
.......... وقد يكون استخدام الموروث بهدف تحقيق أقصى درجات الأمان الشخصي (
التقنية ) ، بخاصة في الدول التي تحجر علي الفكر والكلمة ، فيلجأ الشاعر إلى
الموروث الشعبي لتوظيف دلالاته ورموزه المعروفة لنقد الأوضاع دون أن يخاطر
بأمنه الشخصي وهناك غاية ثالثة ، فنية خالصة ، وهي محاولة النهوض بتقنية
القصيدة من خلال تفجير رموز جديدة لها ارتباط بالوجدان الشعبي وغير مجردة عن
هذا الوجدان .. وهناك غاية رابعة كانت محورا أساسيا لمدرسة ( ابولو ) وهي بعث
الموروث من جديد وتعريف الاخرين به.... وفي ركب هذا الاتجاه تسير تجربة الدكتور
مانع العتيبة الشعرية في ديوانه ( المسيرة ) .
ديوان المسيرة لمانع العتيبة
( )
الشاعر نفسه يعترف في المقدمة التي كتبها لديوانه بهذه الغاية فهو يريد ان يقوم
بعمل شعري يحكي قصة بلاده ومسميتها الطويلة خلال العصور التي تعاقبت علي هذه
الأرض الطبية ... ويضيف الدكتور أن قصدته الطويلة ـ ويسميها الملحمة ـ تروي قصة
شعب الإمارات من خلال ثلاث مراحل تاريخية .... تمثل الأولى عصر اللؤلؤ حيث يتم
البحث عنه في فصل الصيف بينما يجد أبناء المنطقة الوقت لممارسة هوايتهم المفضلة
وهي الصيد بالصقور ... والمرحلة الثانية تتمثل في الفترة الزمنية التي فصلت بين
عصر اللؤلؤ وعصر البترول " .وهي الفترة التي عمي فيها البلاد كساد اقتصادي
وتمثل الثالثة عصر البترول " .
واكثر من هذا فأننا نجد في المقدمة شرحا لرموز القصيدة فالأسرة التي تحكي
الملحمة قصتها تتكون من الأولاد ويرمزون إلى الشعب ومن إلام وترمز إلى الأرض
....... الخ ثم يستطرد الشاعر في شرح ( حقائق تاريخية ) عن تلك الفترة .
( )
ومع أنى اختلف مع الشاعر في وصفه لقصيدته المطولة بالملحمة ، إذ أن للملاحم
سماتها التي لا نجدها ألا عند الإغريق ، ذلك أن الملحمة تفترض عالما أسطوريا
وخرافيا وخارقا تدور فيه ، ومع أنى أميل إلى تسمية القصيدة بالمطولة القصصية أو
الحكاية القصصية المنظومة ، ألا أني اتفق مع الشاعر في رؤيته للقصيدة ورموزها
الظاهرة التي لا تحتمل اكثر مما هو ظاهر فيها ، فالرمز هنا ، واستلام الموروث ،
لا يهدف إلى تقية بقدر ما يهدف إلى خلق نواة درامية ينسج الشاعر حولها قصة من
الواقع ، وبدل آن يباشرنا به ، اتخذ من أسرة بسيطة رمزا للوطن وجعل يسرد لنا
الموروث الشعبي في إطاره وتسلسلة التاريخي ، ليقدم ما يشبه الوثيقة التاريخية
الشعرية .
( )
ومن هنا كان لزاما علي الشاعر أن يعزف كلماته وصورة من الموروث الشعبي (
الفولكلور ) الذي يمثل لحمة وسداة المرحلتين الأولى والثانية من حياة المنطقة
وقد فعل ذلك ، حيث ورد ذكر الغوص علي اللؤلؤ في الصفحات 8 ، 19 ، 26 ومخاطر
البحر في صفحة 13 وحديث النخيل في صفحة 16 والصيف في الصفحة 19 وعادات السفر
وركوب البحر في صفحة 21 بما تتضمنه من تقاليد غنائية شعبية وغيرها ، فنجد ـ
مثلا ـ ذكرا للنهام في الصفحتين 23 ، 25 ونجد وصفا تفصيليا دقيقا لعملية الغوص
علي اللؤلؤ في صفحة 26 وصفا للعودة من البحر في صفحة 30 وذكرا للافلاج في صفحة
33 والصيد بالصقور في صفحة 37 كما نجد وصفا لحالة الناس أبان القحط الذي أصاب
البلاد في صفحة 40 وهكذا .
( )
أن إيراد أو استدعاء الموروث الشعبي كان هدفا بحد ذاته ، لذا نجد ان القصيدة
مجبولة به ، ومع كثرة المفردات والموروثات والإشارات الفلكلورية لن نجد رموزا
أخري تقف وراءها غير ما ذكرناه وذكره الشاعر في مقدمته ، بمعني أن بعث الموروث
الشعبي كما هو في ظاهرة ، فضلا عن توثيقه وارشفته ، كان أساسا بنيت عليه هذه
المطولة .
( )
بقي أن نشير ألي أن الشاعر يمتلك ـ علي صعيد الشكل ـ القوافي حيث تتداعي بين
يديه في منظومة واحدة ، ولعله في تغييره للقافية والروي بين فقرة واخري كان
يهدف إلى إكساب المطولة جوا دراميا متجاوبا يتواءم من النسق القصيصي الذي أراده
. لا يمكن اختزال تجربة حبيب الصايغ الشعرية في مقالة واحدة ، بخاصة وان حبيب
الصايغ في ديوانه ( التصريح الأخير للناطق باسم نفسه ) هو غيره في ديوانه ( هنا
بار بني عبسي والدعوة عامة ) ثم هو شخص ثالث في ( قصائد من بيروت ) ، لكن
الإطار الهام للتجربة واحد ، ويتلخص هذا الإطار في النقاط التالية :-
1- تجربة حبيب الصايغ علي الصعيد التقيني ولدت ناضجة وان كانت مضامنية تتراوح
بين النضج وبين العادي .
2- يسيطر الشاعر علي الوزن الشعري ولا يقع في أغلاط نحوية أو عروضية ، وسيطرة
الشاعر علي وزن الشعري تعني انه لاينقاد إلى الموسيقي بل هي تنقاد إليه .
3- يعزم الشاعر باستلهام الموروث الأسطوري والديني والتاريخي ومن ثم إسقاطه علي
الواقع وإكسابه حجم الرمز ، وهذه النقطة بالتحديد هي محور اهتمام هذه المقالة
في إطار العنوان الكبير الذي وضعناه لهذه السلسلة وهي استخدام الموروث في
الأعمال الشعرية لشعراء الإمارات .
دواوين حبيب الصايغ
( )
الانطباع الأول الذي يخرج به قارئ الدواوين الثلاثة لحبيب الصايغ يتلخص في
التساؤل حول أسباب نجاح الشاعر في ديوانه ( هنا بار بني عبسي ) في توظيف
المأثور الشعبي التاريخي المتمثل بحكاية عنتر وعبلة ،
ثم أسباب فشلة في استلهام الأساطير والموروثات الدينية الإسلامية واليهودية
والميسحية في ديوانه الثاني ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) .
( )
وشخصه عنترة العبسي من الشخصيات الأدبية التاريخية الحقيقية ، اختلطت مع
الخرافة والخوارق في وجدان الناس ، وسبب ذلك ما يروي عن حبه لابنه عمه عبلة بنت
مالك ، وتذكر الحكايات أن مهر عبلة ذاد عن ألف ناقة عصفورية لا تواجد إلا في
حوزة ملوك الحيرة ذوي البأس الشديد ، أحضرها عنترة بعد سلسلة من الأحداث
والمغامرات دخلها الكثير مما لا يتقبله عقل ، وتصف كتب التاريخ عنترة بأوصاف
كثيرة ، منها الفروسية والشاعرية والنجدة والإخلاص والولاء ، وتحكي هذه الكتب
والأشعار المنسوبة اليه جزءا من همومة ومعاناته الشخصية فمع أن أباه كان من
اشرف قبيلة عبس ، ألا أن أمه حبشية كانت تدعي ( زبيبة ) وتمشيا مع أعراف
القبيلة فان والد عنترة لم يعترف بأبوته بل اعتبره عبدا من عبيده وعلي عادة
القبيلة كان هناك حالة واحدة للاعتراف به ابنا وهي ان يثبت شجاعته .
( )
معظم الشعراء العرب الذين وظفوا هذه الأسطورة التاريخية ذات الجذور الحقيقية في
أشعارهم اكتفوا ببعد واحد هو علاقة عنترة بعبلة ، فها هي فدوي طوقان في ديوانها
( علي قمة الدنيا وحيدا ) وفي إطار توجهما نحو تكريس الفداء الفلسطيني تستحضر
الحكاية في قصيدتها ( كوابيس الليل والنهار ) وتسقطها علي الواقع الفلسطيني من
خلال خلق تعادل رمزي بين الفدائي ( عنترة ) واخلاصه وحبه المتناهي لفلسطين (
عبلة ) وظل هذا المستوي من العلاقة بين الواقع والتاريخ يدور في هذا الإطار حتى
اكسب بقية أفراد القبيلة رموزها الحاضرة ..... ففي هذه الحالة يكون ( بنو عبس )
الذين ( طعنوا ظهري في ليلة عدد ظلماء ) هم العرب ..... ويكون زوج عبلة ( ورد
)هو العدو الصهيوني ( عنترة العبسي ينادي من خلف السور
يا عبل تزوجك الغرباء واني العاشق ) .
( )
يحسب لحبيب الصايغ انه في مطولته ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة )التي تقع في
715 سطرا شعريا وتشكل وحدها الديوان الشعري الأول له يقع في 59 صفحة من القطع
الصغير ، أقول : يحسب لحبيب الصايغ انه تعامل مع هذه الأسطورة التاريخية بجميع
أبعادها الرمزية وليس ببعد واحد فقط ، وقد سمح له طول القصيدة المتناهي ان يغوص
في كل خصوصيات هذه الحكاية الأسطورية وان يترجمها إلى رموز وان يسقطها علي ارض
الواقع في تناغم حافظ فيه الشاعر علي النسق العام للحكاية .... وربطه برموز من
الحاضر .... وكان تعامله مع ابعاد شخصية عنترة تأخذ بعين الاعتبار عدة مستويات
.:-
• فعنترة رمز للفروسية والشجاعة .
• وهو رمز للحب والإخلاص .
• وهو رائد من رواد الحب العذري .
• وهو شاعر
• وهو عفيف النفس رقيق الأحاسيس
• وهو ( أهم فارس احتفظت به ذاكره العرب في أجيالهم التالية إلى يومنا هذا ) ـ
كما يقول الدكتور شوقي ضيف
• وهو العبد الذي يسعي إلى الحرية .
• وهو محرر العبيد .
• وبالمقابل فان عبلة رمز للطهارة والجمال .
• وعبسي رمز لنكران الجميل .
• وزبيبة رمز للعطاء والخلق .
• وشداد العبسي رمز لسيطرة عقل القبيلة .
• وشيبوب رمز للوفاء الأخوي
( )
كل هذه الأبعاد تجدها في قصيدة حبيب الصايغ ، وحتى في عنوانها ( هنا بار بني
عبس الدعوة عامة ) الذي يستفزك ويسلمك مفاتيح الرمز في القصيدة ..... تاريخ
القبيلة اصبح مشربا للعابدين والدعوة عامة بكل مجانيتها ..... الإسقاط التاريخي
في القصيدة يمر في دوائر ثلاث بينها تماس مباشر :
• دائرة ذاتية هي انعكاس لتجربة شخصية جدا .
• دائرة اجتماعية هي الوليد الشرعي للمعايشة الحقيقية للظروف الموضوعية المحيطة
.
• دائرة إنسانية يكتمل بها الإطار .
تبدأ القصيدة بافتتاحية الوحدة والضياع والقلق التي يعيشها عنترة العربي في
حاضرة :-
تشاغبني البيد في ذروة الوحدة العاقلة
وزوادتي فوق ظهري
وعمري نفق
ظلام تمدد في الوقت ثم احترق
ولا شيء حولي سواي
وظلي ..... يراودني عن نقائي الجريح
ويلفظ باقي الرمق
هذه الافتتاحية لا تطول ، حيث يبدأ التاريخ يتسرب إلها من خلال شخصياته الشهيرة
( ابن ماجد) ، ( القراصنة ) ، ( زبيبة ) ، عبسي ( خراسان ) ، ( مكة ) ......
الخ .
( )
بين الدائرتين الأولى ، حيث الذات والوحدة والضياع ، والثانية ، حيث التاريخ
يشارك الشاعر همومه ، تظل معزوفة الوحدة تتردد :-
وحيد أنا
ضائع كالفصول الشريدة
ان الرثاء انتهاء الحضارات
فلتربطوني الي شاهد القبر
كيما اغني
في وعي عنترة العربي كانت عبلة ـ ومعادلها الوطن ، الحرية ـ بمثابة الحلم ،
الذي يمكن الوصول إليه وتحقيقه ، بتجاوز الواقع ، فهل استطاع عنترة العبسي ،
العبد الأسود ،الحبشي ، أن يتجاوز واقعه الاجتماعي وقانونه الصارم :-
تطلين يا عبل
يحتضر النبض
بين شفاه القبيلة
يخلع وجهك جلد الحريم
ويستيقظ الشبق المدلهم
وينبت في الطين حلم
ويذبل في الجو غيم
وتمتد بين السرات وبين الدخان
جسور من الوهم
هل أنت يا عبل وهم ؟
في قصيدة فدوي طوقان كان الرمز تعادليا كما رأينا ، فعنترة هو الفدائي وعبلة هي
فلسطين ... أما هنا فالأبعاد والرموز تتداخل وتعطي اكثر من احتمال ، قد تكون
عبلة هي الرمز المقابل للثورة أو الخلاص أو الحرية أو الوطن ، لا ندري ،
فالمعادلة عند الصايغ ليست هندسية تطابقية وأنا هي ـ كما قلنا ـ إيحاء بحالة
وإرهاص بوجدان ..... عبلة في النهاية هي الحلم ، وإذا كان عنترة قد استطاع أن
يختزل المسافة ما بين الحلم والواقع رغم قوانين القبيلة فما يمنع ألان تكرار
المحاولة !!
( )
أن ميزة الشاعر حبيب الصايغ في تعاملة مع حكاية ( عنترة وعبلة ) تكمن في قدرته
علي بعث دلالات كثيرة تنجم في سياقها العام مع الواقع ، ـ حيث تحقق الحوار بين
الماضي والحاضر فتوفرت بذلك خاصية درامية لعمله الشعري ساعدته علي التطويل
المشار اليه والذي غطي مختلف الأبعاد الإنسانية فمر الحكاية ....... كل ذلك ضمن
توازن في إقامة هذا الحوار بحيث لا يطغي السياق علي الرمز ولا يطعني الرمز علي
الواقع .
( )
أن نجاح الشاعر حبيب الصايغ في استدعاء شخصيات عنترة العبسي ومن معه هو الذي
يدفعنا إلى الدهشة من فشل الشاعر نفسه في استدعاء الأسطورة والشخصيات التوراتية
والإسلامية في ديوانه الثاني ، فأين الحلقة المفقودة وكيف تسني للشاعر أن ينجح
في عمله الشعري الأول ويفشل في الثاني ؟! في قصيدته الأولى ( قراءة جديدة في
سفر التكوين ) من ديوانه الثاني ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه )
يستدعي الشاعر حبيب الصايغ رمزا من رموز التوراة هو ( سفر التكوين ) ويجعله
عنوانا لقصيدته ، فضلا عن نثر بعض عناصره داخل رحم القصيدة ..... مثل ( جنات
عدن ) و ( الطوفان ) .
( )
وغني عن الذكر أن للرمز الأسطوري أو الديني ـ كما يقول الدكتور علي البطل ـ
دلالته الخاصة السابقة علي العمل الفني الجديد ولن يتاح للشاعر تفجير الدلالة
المطلوبة في عمله الفني ألا عندما يوائم بين الرمز والسياق الذي يضمنه له ،
يكون الرمز أداة تؤكد المشاعر التي يريد الشاعر أثارتها في القصيدة وهي معادلة
تمكن حبيب الصايغ من تحقيقها في استحضاره لشخصية عنترة بن شداد كما بينا في
السابق لكنه هنا في ديوانه الثاني يخفق الشاعر في إيجاد هذه المعادلة ، حيث لا
يستطيع القاري أن يكتشف الوشائج التي تربط بين الحالة الشعرية الحارة والرمز
التوراتي في ( سفر |