كتاب السكاكيني حياته مواقفه وآثاره "
ليوسف
أيوب حداد
منشورات الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
375 صفحة
عرض وقراءة : أسامة فوزي
نشر هذا المقال في عام 1983

قي توجه جديد وجاد للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين لأحياء التراث الفلسطيني وإعادة نشر البدايات وتكريم الرياديين من أبناء فلسطين ، أصدر الاتحاد كتاب ( خليل السكاكيني حياته مواقفه وآثاره ) للباحث يوسف أيوب حداد ، ويعتبر هذا الكتاب ؛ الصادر في بيروت في 375 صفحة من الحجم الكبير أحدث كتاب يصدره الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين .

(2)
وخليل السكاكيني يكاد يكون أسماً مجهولاً في العالم العربي ، ولكنه بالنسبة للفلسطينين هو علي رأس الرواد سواء في المجالات الوطنية أو الاجتماعية والثقافية والتربوية والفكرية ، وكان في طليعة المفكرين العرب الذين تنبهوا للخطر الصهيوني في مراحله الأولي ، فحذروا منه وانتهجوا في مواجهته كل أساليب الصراع والصدام ، ابتداءً من تبلور هذا الخطر في أواخر الحكم العثماني وحتي وقوعه في شكل احتلال مسلح عام 1948.

(3)
الكتاب الني بين أيدينا يعتبر أول دراسة شاملة ، جامعة لهذه الشخصية الفذة ، وهو يكشف في فصوله العديدة عن السكاكيني كرجل ثورة متعددة الميادين ، متنوعة الجوانب ... فقد كان ثورة في السياسة ، سواء علي الأتراك أو الإنجليز ومن ثم على الصهاينة ... وكان ثورة على الوجاهات التقليدية من المرتزقة والمرتشين والخونة... وكان ثورة في النظام التربوي والتعليمي – من دعوة لتغيير المناهج إلي تكريس للجديد في الأساليب التربوية – وهو ثورة علي أدب الارتزاق والصفة ، وثورة على التجحر في مفاهيم الكنيسة ومحصلة كل ذلك ريادته للثورة الاجتماعية بكل تفاصيلها ؛ التقاليد البالية، التباين الطبقي ، سيطرة رجال الدين على الشعب... الخ . ويؤكد هذا المرلف الضخم عن الرجل أن السكاكيني لم يسجل ثورته هذه بالقلم فحسب وإنما سطرها مواقف علمية جريئة في كل المناسبات المتاحة، فضلاً عن ممارساته اليومية وأعماله ، التي هي ترجمة فعلية لثورته وأفكاره.
(4)
كما أن أهمية الكتاب لا تنبع فقط من كونه أرشيفاً وتأريخاً يعتمد علي إنتاج السكاكيني المطبوع فقط وإنما – وهذه ميزة هامة فيه – يركز علي الأرشيف الشفاهي المنقول عن الناس ، وقد ذكر المؤلف أنه استغرق في أعداد دراسته عن السكاكيني ثلاث سنوات أجري خلالها مقابلات متعددة مع عدد وافر من الذين عايشوا الرجل وزاملوه في العمل الأدبي والسياسي والتربوي فضلاً عن إجراء مقابلات متعددة مع بعض الذين تتلمذوا على يديه، ومنهم كريمتيه هالة ودمية ، وصدق المؤلف حينما ذكر في مقدمته أن اعداد هذه الدراسة هو ( واجب وطني ) ذلك أن السكاكيني كان نموذجاً حياً للإنسان الفلسطيني ورمزاً لقوميته وانتمائه الإنساني وذكاءه وعبقريته وصداميته.

(5)
التصدير الذي كتبه الدكتور أنيس الصايغ للكتاب يشير إلي الغبن الذي لحق بالرجل من جراء تجاهله أو الجهل به ، عربياً وعالمياً ، وفي التصدير إشارة إلي أن أعمق دراسة عن السكاكيني وضعتها كاتبه يهودية صهيونية ، مما يؤكد التفات الصهاينة – قبل العرب – إلي تلمس قدرات هذا الكاتب والمفكر العبقري من باب أنه يشكل ظاهرة خطيرة في مواجهة الصهيونية وعوامل التمدد فيها ، علماً بأن السكاكيني كان من أوائل المفكرين الفلسطينين الذين أدركوا حقيقة ارتباط الصهيونية كعقدة وكحركة وكعمل سياسي بالاستعمار في وقت فشل فيه الكثيرون – وحتي من رجالات الحركة الوطنية – في إدراك هذا الربط ، وتورطوا في الدعوة إلي التعاون مع إنجلترا ( لحماية فلسطين).

(6)
خليل السكاكيني من مواليد القدس في 23/1/1878م ، تلقي تعليمه الأولي في مدارس وكليات القدس ، ثم هاجر إلي بريطانيا فالولايات المتحدة للعمل والدراسة والابتعاد عن الجو العثماني الخانق الذي كتم أنفاس العرب آنذاك ، لكنه سرعان ما عاد إلي القدس ( بعد أن تشرب مبدأ ينتشه الفيلسوف الألماني ) واكتسب خبرة جديدة ضافية كانت مدرسته وزاده في حياته ، وفي القدس عمل في الصحافة – منقحاً – ثم صحفياً فمدرساً ، وكان يصف نفسه فيقول : ( أنا أستمد شريعتي من نفسي وعقلي واختباراتي وحياتي اليومية ) لذا كان أول صدام له مع الكنيسة يطقوسها وروحانيتها المثالية ، ثم اصطدم بالمناهج التربوية العقيمة.. وسافر إلي دمشق ومنها التحق بالثورة العربية ونشط في الميدان الثقافي بهدف ( إيقاظ الشعور القومي وبناء الإنسان الجديد والسير بأمته في معارج التقدم والنمو والفلاح ) ، لذا كان من أوائل من أبصروا خيوط التآمر علي الوطن – قبل أن تتضح معالمها إلي العلانية – وفي أوائل سنة 1919 عاد إلي القدس ليدخل في مواجهة مع الاحتلال البريطاني والزعامات العائلية ذات النفوذ والمصالح الشخصية ، ونشط في التحريض للحيلولة دون تطبيق معاهدة سايكسي بيكو – ثم للحيلولة دون تهديد فلسطين وهو القائل : ( إذا لم نتحد في مقاومة الصهيونية ذهبت فلسطين من أيدينا وعرضنا غيرنا للخطر ).

(7 )
خليل السكاكيني كان أول من أسس مقهي للصعاليك في القدس كانت تقع علي مشارف ( باب الخليل ) حيث كان يجتمع بكبار رجالات السياسة والفكر في هذه المقهي، وكان هذا المقهي مقصداً للأدباء وندوة للشعراء وللصحفيين ورجال الحكومة وزعماء البلاد وقد كرسه كتاب وشعراء فلسطين في ذلك الوقت زعيماً للصعاليك واعترف بفضله كتاب مصر وسوريا، وكان السكاكيني صعلوكاً في كل توجهاته لا يرضي بغير الإصلاح ( الجذري ) لمشاكل السياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والتربية والتعليم ، كما انعكست صعلكته كأوضح ما يكون في أدبه، فأدبه كان دائماً ( أدباً واقعياً ، يستمدوا ضيعه من الحياة والمجتمع البشري ويعالج القضايا الإنسانية الأخلاقية والعقائدية والاجتماعية ويناضل لتحسين الحياة وأوضاعها وللرقي بحياة البشرية).

( 8 )
إن كتاب يوسف أيوب حداد ، لا يرسم فقط سيرة حياة أديب مناضل فلسطيني دفع حياته ثمناً لثوريته وكان حتي يوم وفاته الأبن البار لبلاده ، وإنما هو أيضاً – من خلال سيرة السكاكيني – يؤرخ لفترة من أهم الفترات في تاريخ فلسطين ، تبدأ مع خيوط المؤامرة وتنتهي بظهور الكيان الصهيوني ، فلعمري كأن السكاكيني قُدّر له أن يكون شاهداً على القضية .. لذا فإننا نرحب بهذا الكتاب القيم لأنه يضيف ملفاً متكاملاً عن القضية من خلال شخصية فذة هي شخصية خليل السكاكيني.