|
محمد تامالت
كاتب وصحفي جزائري مقيم في لندن
خاص بعرب تايمز
mohamed-tamalt@maktoob.com
كان- من فرانسوا ميتران الى دونالد
رامسفيلد-
التعذيب طريقا للديمقراطية
هذه الصورة لجزائرية من جبال أوراس قتلت جنديا فرنسيا حاول اغتصابها فتعرضت
لأجل ذلك إلى
اغتصاب جماعي وإلى تعذيب
متواصل من رفاقه, لم ينته هذا العذاب الا باعدامها في نفس الأسبوع من سنة 1957.
الجزائرية "هنية" لم تجد من ينقذها آنذاك من ارهاب الدولة ولم يقف معها
الإعلاميون الغربيون الذين كان أكثرهم يغمضون أعينهم عن تجاوزات الديمقراطية
الفرنسية كما أن تعذيبها المنظم هي وغيرها لم يدفع الفرنسيين الى نصب محاكمات
للمسؤولين المباشرين عن هذا السلوك البهيمي وأولهم الرئيس السابق فرانسوا
ميتران.
ميتران كان وزيرا للداخلية حين اندلعت الثورة الجزائرية سنة 1954 وكان أول
تعليق منه حول بوادرها أن أية محاولة جزائرية للانفصال لن يكون جوابها الا
الحرب. وهو المتهم الرئيسي باعطاء التعذيب صبغة قانونية, فالعارفون يجزمون أن
الرجل كان صاحب القرار السياسي الذي سمح لقوات المظليين الفرنسية بممارسة
التعذيب من أجل الحصول على اعترافات الفدائيين الذين يتم اعتقالهم. وهو نفسه
اعترف لمستشاره جاك أتالي بأنه في فترة ما من الثورة حين كان حارسا للأختام
ووزيرا للعدل سمح باضفاء الشرعية على التعذيب من خلال الأمرية التي أعطى فيها
كل الصلاحيات لقوات المظليين خلال مراحل التحقيق وحتى مثول الفدائيين أمام
محكمة عسكرية. مستشار ميتران يقول ان رئيس الجمهورية السابق ندم على فعلته, لكن
التاريخ لم يسجل منه ولا من غيره من رموز فرنسا جان دارك اعتذارا عما بدر ولو
على سبيل رفع العتب.
باعتراف الجنرالين جاك ماسو و بول اوزاريس كان التعذيب يمارس بشكل منهجي وبأمر
سياسي, لكن اعتراف هؤلاء بما اقترفت ايديهم لم يحرك أي ساكن في ديمقراطية
الزيف؛ كتاب اوزاريس الذي يصف فيه بعض جرائمه جعل المحكمة تغرمه على اعترافاته
ولم يجعلها تطالبه بالاعتذار على الأقل أما أن تحبسه كما فعلت منذسنوات قليلة
مع موريس بابون محافظ الشرطة المتهم بتعذيب اليهود فذلك أمر لم يحدث ولا أظنه
سيحدث. وتعريجا على موقف اليهود ورغم أن جزءا غير يسير منهم ساهم آنذاك بما
استطاع في قمع حرب الاستقلال بالتعذيب حينا وبالقتل أحيانا الا أن منهم صفوة لم
تطع هوى أحبار الصهيونية وواجهت المجتمع الفرنسي بحقائق التعذيب على صفحات
الجرائد والكتب فكان من هؤلاء هنري علاق وجيزيل حليمي وآخرون ممن هم في الغالب
من أبناء التيار اليساري.
الحرب القذرة نظرية اتقن قواعدها ميتران, دوّن الرجل اسمه ببراعة في سجل
المخادعين الذين يستحلون كل شيئ للبقاء في السلطة أو الوصول اليها فقد سجل له
التاريخ المعاصر تلك الحيلة المنحطة التي لجأ اليها في 12 أكتوبر 1959 لكي يرفع
من شعبيته أيام اكتسحت شعبية الرئيس السابق شارل دوغول فرنسا؛ الرجل وببرودة دم
المجرم المحترف دبر عملية اغتيال وهمية يقته ضد نفسه ليزيد من شعبيته واتفق مع
صديقه روبرت بيكي أن يكلف شخصا اسمه آبيل باطلاق الرصاص على سيارة السيناتور
الذي كان استبعد من الحكومة ليتهم ميتران خصومه من"الفاشيين " بأنهم وراء
محاولة اغتياله.
شغل حادث المرصد l’Observatoire كما دعي اعلام الديمقراطية الفرنسية المزيفة
ولكن يدي "الضحية" الملطختين بدم الأبرياء في حرب الجزائر لم تلفت انتباه أحد
من منافقي الريشة والقلم الذين يظلون يتغنون الى اليوم وليل نهار بحرية القاتل
في قتل ضحاياه وأخوة القتلة بعضهم ببعض ومساواة السفاحين بأولئك الذين أياديهم
طاهرة لم يمسسها سوء الغدر ودنسه.
هو هكذا اعلام الديمقراطية, اعلام يساوي بين شارون التمساح البشري العجوز
المتخم بالجثت وبين الشهيدة ريم الرياشي التي اخرجها سكوت الرجال على جرح
فلسطين من بيتها لترتفع روحها الشريفة الى السماء تدوس بجسدها الطاهر جثت أربعة
من مسلحي المجتمع الاسرائيلي سليل عصابات الهاغانا , اعلام يجعل من هذه وشعبها
ارهابيين كما يحول مجتمعا تحكمه ديكتاتورية الثيوقراطيين المسلحين الى ضحايا
لارهاب الأطفال والنساء.
هذه هي الحرب القذرة أتقن فنونها ميتران ويتقنها رامسفيلد اليوم, بررها الاعلام
الأمريكي بالرسالة السماوية لقوات المارينز الذين من حبهم للعراقيين حملوا
اليهم الديمقراطية على طائرات ال بي 52 كما بررها الاعلام الفرنسي قبل ذلك
بخدعة (عذب ارهابيا كي تنقذ بريئا) وفق منطق سادي استحلالي يرى في التعذيب
ضرورة لانقاذ الديمقراطية من خطر الانفصاليين. والمطلوب مع ذلك أن نصدقجريدة
كالنيويورك تايمز ونعذرها لأن المسكينة قد خدعت على يد أحمد الجلبي كما خدع
الايرانيون جورج بوش ولتحيا الديمقراطية الغربية وليسقط الرفض داخلنا.
|