From : nazar haidar <nazarhaidar@hotmail.com
Sent : Wednesday, April 21, 2004 4:44 PM
 

مجلس الحكم ... يمزح
نزار حيدر
خاص بعرب تايمز



فجأة ، تذكر مجلس الحكم الانتقالي ، أن في العراق مواطنين ، من المستحسن إستشارتهم في العملية السياسة ، فأصدر أمس الأول بيانا خاطبهم فيه بقوله : (يعلن المجلس لكافة أبناء شعبنا العراقي عن رغبته بضرورة الإدلاء بآرائهم ــ فيما يخص عملية نقل السلطة ــ) وأضاف بلهجته الركيكة المعهودة : (إننا ، ومن منطلق الحرص على الاستماع إلى آراء أوسع قطاعات شرائح المجتمع العراقي ، نأمل مساهمة العراقيين كافة وبصورة فاعلة) .
وللإنصاف ، لا أبالغ إذا وصفت البيان ، بأنه أفضل وأهم ما صدر عن المجلس لحد الآن ، وإن جاء متأخرا عن موعد صدوره مدة (250) يوما فقط ، لا غير .
ترى ، لماذا تذكر المجلس (مواطنيه) الآن ؟ وبعبارة أخرى ، لماذا نسيهم أو تجاهلهم طوال الأشهر التسعة المنصرمة ؟ .
من الواضح جدا ، فإن بيان المجلس جاء في هذا الوقت بالذات ، لامتصاص نقمة شعبية اتسعت خلال الأسابيع القليلة الماضية على وجه التحديد .
إنه يشير إلى مدى عمق الأزمة التي يعيشها المجلس ، وهو في شهره الأخير ، كما أنه بمثابة المحاولة الأخيرة التي يسعى المجلس لبذلها ، من أجل تطييب خاطر كل العراقيين الذين لم يأخذ المجلس برأيهم أو يعير إهتماما لتحفظاتهم إزاء العديد من القضايا الهامة التي صدرت عنه ، خاصة قانون إدارة الدولة ، الذي أثار الكثير من التحفظات من مختلف قطاعات المجتمع العراقي ، وعلى رأسها المرجعيات والقيادات الدينية ، كما أثار الكثير من الأزمات الخطيرة .
كان يجب على مجلس الحكم أن يصدر مثل هذا البيان ويعود إلى الشعب العراقي لحظة تأسيسه ، ليصغ إليه قبل أن يناقش كل القضايا الهامة والحساسة ، لأن العراقيين هم المعني الأول والأخير بها ، وهذا ما طالبته به في نص مقالتي (إلى مجلس الحكم ... مع التحية) والتي كنت قد نشرتها إبان تأسيس المجلس .
أو على الأقل ، كان عليه أن يعود إليه في ثلاث محطات مفصلية هامة هي :
يوم أن بحث مشروع نقل السلطة ، الذي وقعه فيما بعد ، مع الحاكم المدني الاميركي بول بريمر في (15 تشرين الثاني) من العام المنصرم .
ويوم أن بحث قانون إدارة الدولة ، الذي وقعه يوم (8 آذار) المنصرم .
ويوم أن استقبل مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة السيد الأخضر الإبراهيمي ، عندما ناقش معه السبل الممكنة لنقل السلطة .
وفي أضعف الإيمان ، كان عليه أن يصدر بيانه هذا ، قبل الأزمة الأخيرة التي لا زالت تعصف بالعراق منذ قرابة الشهر ، والتي كانت السبب في دق آخر مسمار في نعش المجلس .
إن من حق العراقيين ، أن ينظروا إلى البيان بعين الشك والريبة ، إذ ماذا عساهم أن يفعلوا من اجل تصحيح كل هذا الكم الهائل من الأخطاء التي ارتكبها الاحتلال والمجلس على مدى العام المنصرم ؟ والتي راح يتحدث بها وعنها ، حتى كبار رجال إدارة الرئيس بوش ، منهم وزير الخارجية كولن باول ؟ وماذا عساهم أن يصلحوا مما أفسده المجلس ؟ ولم يبق على الموعد المحدد لنقل السلطة ، سوى أيام قلائل ؟ .
لقد صب المجلس ، وبالتعاون والتنسيق فقط مع الاحتلال ، قالب عراق ما بعد النظام الشمولي بالصورة التي يراها ، والتي كان منطلقها ، وللأسف الشديد ، تصورات فئوية وطائفية وعنصرية وحزبية ، وأحيانا عشائرية ، ضيقة ، لم تكن في وقت من الأوقات منطلقات وطنية عامة ، ولذلك فان كل من يفكر بالاستجابة لبيان المجلس الأخير ، ويقرر التشاور ومن ثم الانخراط بمشروع المجلس ــ بريمر ، سيكون محكوما بهذا القالب من خلال محكوميته بسقف :
أولا : قانون إدارة الدولة الذي لا يمكن التلاعب به ، حسب ما نص عليه في البند (أ) من المادة الثالثة من الباب الأول (المبادئ الأساسية) لغاية نهاية العام 2005 .
ثانيا : التوافق الذي نص عليه البند (ج) من المادة (36) الباب الخامس (السلطة التنفيذية الانتقالية) ، ومن الواضح فان التوافق يتعارض كليا مع مبدأ الديمقراطية الذي يقوم على أساس (صوت واحد ، لمواطن واحد) .
ثالثا : الفترة الزمنية الضيقة جدا ، والتي حددت خياراته وأفقدته فرص الحوار الوطني المفتوح والشامل .
إن كل الدلائل تشير، إلى أن الولايات المتحدة الاميركية متفقة مع الأمم المتحدة على صيغة معينة لنقل السلطة نهاية حزيران القادم ، والتي تحدث عنها السيد الإبراهيمي بعد إنتهاء جولته الأخيرة في العراق ، ما يعني بأن البيان لم يعد أكثر من أسلوب لامتصاص نقمة الناس واعتراضاتهم وتحفظاتهم من جانب ، ومحاولة لإعطاء الأزمة الذاتية التي تعصف بالمجلس ، بعدا شعبيا من خلال رمي الكرة في ملعب الناس الذين يعرفون جيدا بأن المجلس ما كان ليطلب منهم المشورة إلا بعد أن حاصرهم بالزمن الضيق والخيارات المحددة التي لن تحل أفضلها صيغة ، الأزمة التي يمر بها العراق حاليا ، وإلا ، هل يعقل بأن المجلس والاحتلال لم يتفقوا بعد على صيغة نقل السلطة ؟ التي لم يبق على موعدها سوى أيام قلائل ؟ .
كلنا يعرف بأن مهمة مجلس الحكم انحصرت ، يوم أن تأسس في تموز من العام الماضي ، في أمر واحد فقط وهو ، البحث في آلية نقل السلطة من الاحتلال إلى العراقيين ولذلك ، فإما أنه بالفعل لم يتفق على الصيغة بعد ، فماذا كان يفعل إذن خلال التسعة أشهر الماضية ؟ أو انه كان ينتظر من العراقيين أن يساعدونه ويشيرون عليه قبل أن يتفق على الصيغة ، فلماذا لم يستشرهم خلال الأشهر التسعة الماضية ؟ ولماذا لم تستجب لآرائهم التي عبروا عنها بكل الطرق ؟ وقبل كل ذلك ، لماذا إذن وقع على قانون إدارة الدولة الذي حدد المسار ودعا العراقيين إلى الانخراط فيه من دون زيادة أو نقصان ؟ ألا يجد المجلس في كل ذلك ، تناقضا واضحا وشرنقة التفت على عنقه ويريدها الآن أن تلتف على رقبة الشعب العراقي كذلك ؟ .
إن أغلبية مطلقة من العراقيين اعترضت على القانون ، وعلى رأسها المرجعيات والقيادات الدينية والأحزاب الوطنية خارج مجلس الحكم ، بل وحتى أغلبية أعضاء مجلس الحكم نفسه ، ولذلك فان كل من يريد أن يتعاون أو ينخرط في خارطة الاحتلال ومجلس الحكم ، عليه أولا ، وقبل كل شئ ، أن يسقط من حساباته كل اعتراضاته ويسحب كل تحفظاته على القانون ، الذي سيسخر لخدمته وتنفيذ بنوده ، وهذا ما يتطلب منه أن يراجع اقرب طبيب أخصائي في اللياقة البدنية ليعيد هيكلة شخصيته بما يتلاءم وحجم القالب الذي يلزم أن يدخل فيه ، ويأخذ شكله وهيكله .
ولو سلمنا بالرأي القائل بان المجلس فشل في الاتفاق على صيغة سليمة لنقل السلطة طوال الأشهر التسعة المنصرمة ، فهل ينتظر هذا المجلس العتيد أن يتفق العراقيون على صيغة من هذا القبيل في فترة الشهر المتبقي لموعد نقل السلطة ؟ مع الأخذ بنظر الاعتبار رأي الإدارة الاميركية التي تفضل أن تكون الصيغة جاهزة نهاية الشهر القادم ، لتمارس مهامها تحت إشراف الاحتلال المباشر لمدة شهر قبل حلول الثلاثين من حزيران القادم ؟ .
إنها مزحة ، أليس كذلك ؟ .
للأسف الشديد ، فلقد سوف المجلس بالزمن لدرجة كبيرة ، إذ لم يعد أمامه إلا أن يختار أفضل السبل السيئة ، وليس أفضلها بشكل عام ، لان أفضل السبل وأحسنها ، كما هو معروف ، هو سبيل الانتخابات العامة ، والتي لا يمكن اختيارها الآن بعد أن سوف المجلس والاحتلال كل هذه المدة الزمنية الطويلة حتى حاصر العراقيين بزاوية حادة لا تساعد أحدا على التفكير بشكل سليم لإنقاذ البلاد من الأزمة ، ولم يبق أمام العراقيين متسعا من الوقت يكفي لان يختاروا هذا السبيل ، إذ لم تبق سوى أسابيع محدودة جدا لا أعتقد أن بإمكان المجلس أن يقنع اليوم أي مواطن عراقي بأنه لم يكن في نيته الاستمرار في التسويف بالزمن ، لتحديد خيارات العراقيين في اختيار أسلوب نقل السلطة ، وأنه لم يكن يقصد أو يتعمد إحراج أحد ، فبعد أن قال العراقيون كلمتهم منذ البداية ، فحددوا الانتخابات العامة كأفضل أسلوب وأسلم طريق لنقل السلطة إليهم ، يكون من العبث أن يدعوهم المجلس اليوم ، وقبل ستة أسابيع فقط من حلول الموعد المقرر، لمساعدته في البحث عن صيغة نقل السلطة .
بات من الواضح اليوم ، بأن الاحتلال ومجلسه لم يكن يرغب في إشراك العراقيين بالنقاشات الهامة والمفصلية ، كما أنه لم يكن ليحبذ الإصغاء إلى صوت العقل ، أو يسمع إلى رأي الشعب العراقي في واحدة من أخطر القضايا الوطنية المفصلية ، ألا وهو موضوعة نقل السلطة ، فلو كان يرغب بذلك ، لأصغى إلى ما قاله الشارع العراقي خلال الأشهر التسعة المنصرمة .
إن الاحتلال والمجلس سوف لن يسمعا جديدا من العراقيين ، إنهما سيسمعان منهم ما ظلا يرفضانه أو يتحججا لرفضه على مدى العام المنصرم .
لقد قال العراقيون بأن (الانتخابات) هي أفضل وسيلة لنقل السلطة ، ولكن ، كيف يمكن تجاوز الأزمة الآن ؟ وكيف يمكن أن يساعد المجلس نفسه ويساعده العراقيون لتجاوزها ، ولم يبق على الموعد المقرر سوى أسابيع معدودة ؟ .
برأيي ، فقد يكون من الممكن تجاوز الأزمة والبحث في أفضل السبل السيئة ــ كما قلت ــ من خلال :
أولا : أن يبادر مجلس الحكم (وبالتوافق) إلى إلغاء حق النقض (الفيتو) الوارد في نصوص الباب الأول (المبادئ الأساسية) المادة الثالثة الفقرة (أ) ، والباب الخامس (السلطة التنفيذية الانتقالية) المادة (36) البند (ج) ، والباب التاسع (المرحلة ما بعد الانتقالية) المادة (61) البند (ج) ليطلق يد العراقيين التي كبلها القانون بهذه النصوص ، وليمنحهم المبرر للتراجع عن تحفظاتهم على القانون ، وبالتالي يمنحهم فرصة التفكير في التشاور والتعاون معه ، لان من اعترض على القانون ، لن يجد المبرر للقبول به ، من دون أن يتم الأخذ بنظر الاعتبار، اعتراضاته وتحفظاته .
ثانيا : الدعوة لعقد مؤتمرات عامة ــ وإن كانت مصغرة ــ في مختلف مناطق العراق ، وتحت إشراف الأمم المتحدة ، لاختيار أعضاء المجلس الوطني عبر صندوق الاقتراع ، بانتخابات حرة ونزيهة ، على قاعدة (صوت واحد ، لمواطن واحد) .
أما إذا تعذر ذلك ، فيفضل تمثيل مختلف القوى الوطنية العراقية في المجلس المرتقب ، على أن يمنح صلاحية كاملة ، غير منقوصة بالتوافق أو ملغاة سلفا بالفيتو ، ليأخذ على عاتقه مسؤولية إستلام السلطة من الاحتلال ، عبر حكومة وطنية ينتخبها ، أو ما أشبه ، شريطة أن يحدد مفهوم (نقل السلطة) بشكل دقيق وصريح ، ليس منها المفهوم الذي تتحدث عنه سلطة الاحتلال ، أو المنصوص
عليه في قانون إدارة الدولة .
في هذه الحالة ، ربما سيكون بمقدور هذا المجلس أن يعيد للعملية السياسية محتواها الحقيقي وهيبتها ومصداقيتها ، بعد أن فشل مجلس الحكم فشلا ذريعا في الحفاظ على ماء وجهه ووجهها على حد سواء ، لدرجة التندر .
رابعا : كذلك ، يلزم أن يبادر المجلس فورا ، إلى تحديد أقرب موعد لإجراء الانتخابات العامة والتحضير لها ، من خلال إيجاد آلياتها المطلوبة ، مثل تدوين قانون الأحزاب ، والتعداد السكاني وغير ذلك ، وعدم التسويف بأي شكل من الأشكال ، مهما كانت الظروف الأمنية التي ظل يتذرع بها الاحتلال ومجلسه ، لعرقلة الانتخابات المبكرة ، لتحديد مدة صلاحيات هذا المجلس من جانب ، ولإثبات حسن نية على جدية الجميع وحرصهم الأكيد في العودة إلى صندوق الاقتراع بأقرب فرصة ممكنة .
السؤال المهم الذي يجب أن يجيب عليه ، الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي هو :
ماذا لو لم يستجب العراقيون لنداء البيان ؟ فرفضوا التعاون والتشاور معه للبحث في صيغة نقل السلطة ؟ .
أولا : هل سيعترف المجلس بفشله ؟ أم سيواصل لعبة البحث عن الأعذار والحجج ، ورمي الكرة في كل الملاعب إلا ملعبه ، وهو الوحيد الموجود في الساحة حاليا ؟ .
ثانيا : وهل سيعترف المجلس حينها بأنه بالفعل لا يمتلك أي رصيد في الشارع العراقي ؟ وان ما سيتفق عليه المجلس والاحتلال من صيغة لنقل السلطة ــ أو ما اتفقا عليه بالفعل ــ فاقد للشرعية جملة وتفصيلا ، وانه سيكون سببا مباشرا لازمات جديدة تعصف بالعراق ، لا يتحمل مسؤوليتها سوى الاحتلال والمجلس ، حصرا ؟ ويعترف بان العراقيين عرفوا جيدا ما أراده المجلس من هذا البيان ، وهو إضفاء الشرعية على خطوته الأخيرة التي ستتوج كل خطواته الخطأ السابقة ؟ .
دعنا إذن من هذه المزحة الثقيلة ، لنبحث بالفعل ، في الصيغ العملية والمقبولة لدى الجميع ، لنؤمن عملية نقل حقيقية للسلطة ، يتفق عليها الجميع من دون أن يستفرد بها أحد ، لأنها الأهم والأخطر من بين كل الخطوات الأخرى .
المهم أن نخطو الخطوة الصحيحة ، في الاتجاه الصحيح ، وفي الوقت الصحيح حتى لا نندم على شئ غدا .
يخطئ من يظن أن بإمكانه أن يضحك على ذقون العراقيين ، الذين خبرتهم تجربة النظام الشمولي أيما خبرة ، وإذا سكتوا على شئ يرفضونه ، لا يعني أبدا أنهم يقبلون به ، إنما يؤجلون الكلام لمصلحة ما ، فالسكوت هنا ليس من علامات الرضا أبدا .
لقد ارتكب مجلس الحكم أخطاءه لوحده من دون أن يستشير أحدا من العراقيين ، فلماذا يحاول اليوم تحميل كل العراقيين مسؤولية أخطاءه ؟ .
لماذا لا يتحلى المجلس بالشجاعة اللازمة ، ليعترف بأخطائه ويتحمل مسؤوليتها لوحده ، ليبقى العراقيون يعيشون الأمل ؟ .
لنتذكر معا بأن (الاعتراف بالخطأ فضيلة) أوليس ذلك أفضل ؟ .