مقارنة عادلة بين برنامجين لفيصل القاسم:
حسبنا الباشا باشا ... تاري الباشا زلمة
محمد تامالت
 (كاتب وصحفي جزائري مقيم بلندن)
خاص بعرب تايمز
mohamed-tamalt@maktoob.com




لا بد أن أعترف أن من الدوافع القوية التي دفعتني الى أن أكتب لعرب تايمز الآن والأن فقط رغم أنني أتابعها منذ سنتين, هو ذلك الاتهام الذي نقله الدكتور لطيف يحي شبيه الطاغية عدي عن سفيرعربي وضعها في زمرة الجرائد الارهابية (وليغفر لي تذكيره بذلك الماضي الأسود بالرغم من أنني شعرت وأنا أتحدث اليه منذ أيام بأنه يريد أن بهدمه ويبني عليه مستقبلا مشرقا بتفاعل فيه مع العالم كمثقف لا كمجند سابق. ولكن ما حيلتي وحس الإثارة الصحفية لا يريد أن يفارقني).
 ولعل السبب الآخر الذي أريد أن أكتب هذاالمقال من أجله هو رغبتي في المساهمة الفاعلة والجدية ومع سبق الاصرار والترصد في هدم الوثن الأكذوبة, وثن النفاق السياسي المطلي بأصباغ الدعوات الارتجالية غير المدروسة وغير العفوية بالمقابل لهدم المعبد العربي حجرا حجرا ثم اقامة بيعة هلامية أو هيكل أسطوري على أنقاضه باسم الديمقراطية وحرية التعبير التي تختفي وراء براءتها يد حاقدة ظالمة أسيرة للمصالح الفردية للعور والعرج والمعوقين سياسيا وفكريا.

ولانني وجدت ضالتي منذ أيام في برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي يديره الإعلامي السوري فيصل القاسم, ولأنني أيضا كنت اتهمته منذ سنة حين ألقى محاضرة في احدى جامعات لندن بأن برنامجه يعكس مصالح دولة بعينها في المنطقة أول حرف من اسمها قاف وآخر حرف هو الراء يتوسطهما طاء قرطاج القرن العشرين (وقرطاج لمن لا يعرف كانت حاضرة الفينيقيين الذين تحدوا الدول الكبرى بمالهم وتجارتهم حتى أوقعهم ذلك في شر أعمالهم كما تتحدى قطر العالم بجزيرتها الا أمريكا بالطبع), لكل ذلك فانه كان لا بد من أن أذكر شواهد تختفي الشمس حياء من وضوحها على اتهامي الذي رفضه فيصل القاسم جملة وتفصيلا. ورأيت أن أفضل السبل الى ذلك هو أن أقارن بين حلقتين أعدهما المذيع الشهير: الأولى حول الاستبداد في البحرين في عز خلافها مع جارتها مالكة الجزيرة (بثت الحلقة كما يوضحه موقع الجزيرة في 13 فبراير 2001 أي ثلاثة أسابيع قبل أن تفصل محكمة لاهاي في الخلاف على جزر حُوار بين الدولتين) والثانية حول الحملات الموجهة ضد سوريا وانظروا الى الفارق بين الطرحين.

والحقيقة أن وضع القاسم كان حرجا وهو يعلن في حلقة البحرين أنه سيدير البرنامج بضيف واحد فقد حدث أن الضيف الثاني المتأمل فيه الدفاع عن النظام "إداه بُمبة" واعتذر ساعة قبل البرنامج عن الحضور بالرغم من أنه كان في قطر, ولكي يغطي صاحبنا على هذه الحركة الدبلوماسية الذكية التي أفقدته الحركة بحيث لم يستطع أن يعوض المنسحب بكومبارس من أولئك الموجودين على لائحة الجزيرة فقد اتهم البرلماني المعتذر بأنه تلقى أمرا بالانسحاب وكان مصدره في هذه المعلومة الخطيرة "قيل" وما أسهلها من عبارة يستخدمها المذيع كثيرا مثلما فعل مع مواطن عربي انتقد قناة الجزيرة في برنامجه فاضطر مكرها الى أن يسمع وصلة ردحية مؤداها هو أن هذا الغلبان كان يتوسل في مرات كثيرة على أعتاب القناة لكي تسمح له بالحديث في واحدة من برامجها.

اتهم فيصل البحربن بأنها "تعج بالمعتقلين، وحقوق الإنسان في خبر كان، والتعذيب والاضطهاد والقمع والإبعاد نصيب المعارضين" في وقت اكتفى حين وصف الوضع في سورية (التي يقبع المعتقل في سجنها 30 سنة دون أن يعرف أهله أين هو بالضبط والتي محا قائد سرايا الدفاع بها شعبا من الخارطة دون أن يهتز له رمش ثم أصبح سادنا آخر من سدنة حرية التعبير والاعلام العربي الحر) بالحديث في مقدمته عن أجهزة أمن تساهم في" تسيير الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية في البلاد" وعن "حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لا شريك له" وكأن البلاد لم تتحول الى جمهورية ملكية تديرها عائلة, وكأنه لا تحكمها أقلية دينية لم يشر اليها البرنامح مرة واحدة بالرغم من أن عبارة شيعة وردت 21 مرة في البرنامج المنتقد لتسلط النظام البحريني على الأغلبية المذهبية. وبالرغم من أن حلقة سورية التي أذيعت منذ منذ أقل من أسبوعين كانت بطبيعة الحال نتيجة لتأزم الأوضاع بعد مظاهرات قام بها سوريون أكراد الا أن الباشا حولها بأسلوب الثلاث ورقات الذي يتقنه الحواة الى حلقة عن المؤامرة الكبرى ضد سوريا, وكأنه يصرف نظر صبي جائع عن قطعة شوكولاتة سويسرية جذبت انتباه بأن بحدثه عن فوائد الصوم وأضرار الدسم والسكريات على الأجساد الهزيلة, حتى أن الضيف (الكردي كما يبدو) والذي جاء ليعارض تحول الى مدافع عن نفسه ضد تهم العمالة للامبريالبة والاستعمار ومادونا وبيفرلي هيلز ورقصني يا جدع.

وهكذا ففي الوقت الذي وجد المعارض البحريني في غياب خصمه راحته الكاملة في الاتهام والمحاكمة دون أن تتفق قريحته ولا قريحة من استضافه عن عنتريات تجاه تلك الدولة التي تستخدم الاعلام للحصول على مكاسب ترابية (وهو ما أنكره الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري حين سألته عن ذلك بعد محاضرة ألقاها بالمعهد الملكي للشؤون الدولية منذ أقل من شهر متحديا اياي أن أذكر حالة بعينها وقذ فعلت كما أراد) في هذا الوقت كان مشجب التدخل الأجنبي والمؤامرة الحاقدة وفيفي عبده ظل هو الخشبة التي تعاق بها المذيع (السوري بالطبع) وسعادة السفير المدافع عن النظام الذي كان يستقبل الأسئلة برحابة صدر ما دامت كلها تصب في سياق هل أنت طيب كريم أم كريم طيب أما كلام المعارض فهو في رأي فيصل القاسم كلام انشاء كما وصفه صراحة. لا بل ان المعارض البحريني أكد بصفاقة يحسد عليها أن قطر لا تقف وراءه بالرغم من المصادفة البريئة جدا التي جعلت الحلقة تبث والنزاع الحدودي ينتظر الحل العاجل (يكاد المريب يقول خذوني). وحتى حين تدخل أحدهم لينبه للعلاقة بين البرنامج والنزاع قطع القاسم الخط عليه مؤكدا أن الدور هو على كل الدول العربية بالتساوي وكأنه جزار يشحذ سكينه لقطيع الأنظمة العربية البالية, وقد جاء دور سورية بعد سنتين وانقلب السكين الى مزمار وأنا لا زلت أنتظر دور قطر التي ستجعل من سكين القاسم موسى للحلاقة على طريقة حلاقي باريس لا على طريقة حلق الذقون التي بشر بها علي عبد الله صالح.

ولأن السيد القاسم لن تطاله فلقة النظام البحريني فانه فتح عليه النار بلا خوف, لكنه يعلم أن البلد الذي جاء منه والذي كان موضوع الحلقة ما قبل الأخيرة لن يكتفي بطرد أخيه الفنان المغمور كما فعلت مصر التي حعلت المسكين القاسم في محاضرته بلندن بعيط وخلا الانجليز بعيطوعلى ضحية أعداء الحريات الذي سكت عن الكلام القباح (وهي بالقاف لا الميم يا أخي المصحح على وزن بابا أُبّح) بعدها مباشرة ويتوقف عن حصصه الموجهة ضد النظام المصري واللتي بلغت أوجها بالصدفة البريئة بعد بروز الخلافات بين الدولتين حول أحقية تمثيل العرب أمام المعلم الكبير كما تبرز اليوم مع السعودبة. ولمن لا يعرف المعلم الكبير فليسأل عنه الشيخ حمد بن جاسم.

وبأسلوب مكشوف لا ينطلي الا على التلفزيونات العربية التي تتذاكى على المشاهد العربي يدعي القاسم أنه لا يعرف شيئا عن تهديد تعرضت له معارضة بحرينية على يد ضابط مخابرات حمار بكل المقاييس اسمه عادل فليفل ثم وفي دقائق يعلن أن المعنية على التلفون رغم أننا نعلم جميعا أن الخطوط في مثل هذه البرامج تكون مشغولة في أكثر الأحايين, أما في الحالة السورية فقد سمح لرياض الترك بالكلام وهو من أبرز المعارضين السوريين المعتقلين سابقا والمضيق عليهم لاحقا خلال الدقيقة الأخيرة للبرنامج (وهذه ليست نكتة) لتستهلك الدقيقة مقدمة لا طائل منها ثم يعلن القاسم عن نهاية البرنامج أما الآخرون فتطرقوا الى عموميات ولكن أحدا منهم لم يتطرق الى حالات بعينها كما أراد الترك أن يفعل في الغالب وكما غلب عليه الأمر في برنامج البحرين. أو ليست هذه الأنظمة العربية الغبية هي التي جعلت تجار المعارضة الذين تؤويهم سجون الفايف ستار ومعتقلات الشيراتون والميريديان نجوما لامعين؟ اللعنة كل اللعنة على أنظمتنا الفاسدة البليدة التي جعلت القاسم وأمثال القاسم يجعلون من مأساة الأمة العربية ملهاة يضحكون بها الانجليز كما فعل القاسم في لندن, شي يفور الدم يا زلمة.