|
From : NAZAR HAIDAR
<nazarhr@hotmail.com>
Sent : Thursday, April 1, 2004 4:27 AM
Subject : للنشر رجاء مع التقدير
Attachment : GREATESTTREASON.doc (61 KB)
الرجاء فتح الملف لنشر المقالة ، وهي بعنوان ؛
أعظم الخيانة
نـــــــــــــــــــــــــزار حيدر
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
أعظم
الخيانة
نزار حيدر
رحم الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (أعدمه نظام الطاغية الذليل في 9 نيسان
1980) ، فلقد سمعته مرة يقول ، وهو يتحدث إلى مجموعة من الشباب الجامعي ــ كنت
من بينهم ــ تكدسوا في غرفته المتواضعة ، في منزله البسيط ، في أحد أحياء مدينة
النجف الاشرف القديمة ، معلقا على تاريخ الصراع الطويل الممتد عبر العصور، بين
الحق ورجاله ، من جانب ، والباطل وأزلامه ، من جانب ثان ، سمعته يقول : (إذا
جاءتنا سلطة هارون الرشيد ، ولم نفعل بالإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ما فعله
به الرشيد ، عندها فقط سنعرف أننا من رجال الحق ، وليس من أعوان الباطل ،
فالأدعياء كثيرون ، أضاف الصدر ، أما الصادقين فقليلون ، إنهم نادرون) قالها
بألم وحسرة ، وكأنه ينظر إلى المستقبل ، ويقرأ القادم من بعيد.
وأضاف يقول : (لا تنخدعوا بما يقوله الرجل ، عندما يكون خال الوفاض من السلطة ،
أية سلطة ، بل انظروا إلى ما سيفعله عندما تصل إليه سلطة ما ، فقيمة المرء
بأعماله وليس بأقواله ، وبأفعاله وليس بادعاءاته ، وان حقيقة معدن الإنسان ،
تظهر عندما يتعرض للامتحان والتحدي ، وليس في زمن الاسترخاء).
وتمر الأيام ، لتأت بعض سلطة الرشيد ، إلى عدد ممن يدعي أنه من تلامذة الصدر ،
فكانت البداية أنهم اظهروا تهالكا على السلطة لم يسبق له نظير حتى من متدين
عادي ، أما النهاية ، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون ،
فتوقيعهم على ما سينتهي برجال الحق ما أصابهم أيام هارون الرشيد ، من ظلم وقمع
ونفي ومطاردة وتكميم للأفواه ومصادرة للحقوق ، ليس باسم الدين هذه المرة ،
وإنما باسم الديمقراطية .
هذا البعض الذي ظل ، وعلى مدى ربع قرن ، يتاجر باسم الصدر وفكره ودمه الطاهر
وقضيته وكتبه وانتمائه ــ هكذا كان يدعي ــ فأصم آذان مستمعيه بخطبه الرنانة ،
عن أفكار الصدر ، وملأ صفحات وسائل الإعلام بالمقالات الطويلة والعريضة ، التي
كان يزينها بفقرات مقتبسة من رؤى الصدر في موضوعة خلافة الإنسان وآراءه في
الدستور من وجهة نظر الإسلام ، وما إلى ذلك ، وقاد حروبا ضد هذا الفريق وذاك
المرجع وذلك التنظيم تحت شعار (من ليس معنا ، فهو علينا) فأطلق النار على كل من
لم يحمل اسم الصدر ، وتوسل بسياسة التسقيط للقضاء على منافسيه ، بحجة أنهم لا
ينتمون إلى خط الصدر ، وسعى لإقصاء من يختلف معه في رأي أو فكرة ، بحجة أنه لا
ينتمي إلى مدرسة الصدر، التي كانت بالنسبة له ن الميزان الذي يزن فيه الحق
والباطل ، والأساس الذي يبني عليه علاقاته مع الآخر ، وكان كل الظن أنه ، سيدعو
إلى تشييد (المدرسة الإسلامية) التي تبناها ونظر لها الشهيد الصدر في كتبه
القيمة ، لحظة أن يحصل على بعض القدرة والسلطة التي تمكنه من ذلك ، وإذا به
يخون الصدر ومدرسته ، والأمة وأهدافها ، والشهداء ودماءهم ، وليتبين للجميع ،
أنه لم يكن ليختلف عن كل الأدعياء الآخرين ، مهما اختلفت الأسماء والأزياء
والرسوم والألوان والشعارات ، لأنه ، وببساطة، (عند الامتحان ، يكرم المرء أو
يهان) ، كما تقول الحكمة الراقية .
إنه لم يكن أكثر من تاجر ، ليس بالنفط وعلب السردين وملابس الجينز ، وإنما
بدماء الشهداء وسمعة المرجعيات وقيم الفقهاء وأسماء القادة ، وبالتاريخ الغابر
الذي لم يعد يشفع لأحد ، ما لم يكن حاضره نزيها ، لأن قيمة المرء تقاس بيومه
وليس بتاريخه ، وبما ينجزه وليس بما يقوله أو بما فعله في الماضي ، وتلك هي
أسوا التجارة وأعظم الخيانة .
ولذلك ، جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) : (أعظم الخيانة ، خيانة الأمة
) .
فلماذا يا ترى ، أن أعظم الخيانة ، هي خيانة الأمة ؟ وما هي صفات الخائن لأمته
؟ ولماذا يخونها ؟ وكيف ؟ .
أولا : لأن هذا النوع من الخيانة ، تظل آثارها المدمرة تنتقل من جيل إلى جيل
بمرور الزمن ، فلا تصيب فردا بعينه أو جيلا واحدا ــ هو الذي يشهد الخيانة ــ
فحسب ، وإنما ستصاب بها عدة أجيال متعاقبة ، وبقراءة سريعة للتاريخ ، نلاحظ أن
هذا النوع من الخيانات ، هو بالفعل الأخطر من بين كل الأنواع الأخرى .
حتى مع موت الخائن للأمة واندثار جسده في التراب ، إلا أن آثار خيانته تبقى
تؤثر في الأجيال ، أثر الميت في الحي ، وأثر الرائحة النتنة في العطور الفواحة
، فهل ترى ما هو أسوأ من هذه الخيانة ؟ .
إن خيانة الأمة ، مصادرة باطلة لحقوق أجيال متعاقبة ، وأنها مصادرة الأموات
لحياة الأحياء ، ومصادرة جيل سينقضي وينقرض ويقبر، إن عاجلا أم آجلا ، لحياة
أجيال ستولد في المستقبل لترى أنها محكومة ، ظلما وعدوانا وبغير وجه حق ، بسقوف
واطئة بناها أموات من الكونكريت المسلح ، ما يحول بينها وبين التمتع بحقوقها
المتوالدة ، في الزمن المتجدد ، وفي حياتها الجديدة .
ثانيا : ومن صفات الخائن لأمته ، أنه ضيق الأفق ، فعندما يتخذ قرارا ، لا ينظر
إلى أبعد من أنفه ، ولا يتحسس إلا حيث موطئ قدميه ، ولا يضع أمام عينيه إلا
مصالحه الخاصة ، فينسى أنه بالخيانة ، يدمر أمة ويحطم آمال ويسحق حقوق ، طالما
ناضل الأحرار والشرفاء من أجل انتزاعها والحصول عليها لتتمتع بها الأجيال
القادمة .
لا أدري كيف يجيز الخائن لنفسه ، أن يكبر على حساب دماء الشهداء ؟ ويتسلق
السلطة على أكوام رفات الأبرياء ؟ وينهض بالإتكاء على آهات وأنين وحسرات
ألأرامل والأيتام ؟ .
أجزم أنه لم يعثر على عظمة واحدة تعود لأحد أفراد عائلته أو أقربائه أو حتى
عشيرته ، في مقبرة جماعية واحدة من المقابر الكثيرة التي لا زال يكتشفها
العراقيون في مختلف مناطق العراق منذ سقوط الطاغية الذليل ، ولذلك لم يعر أي
اهتمام لكل التضحيات ، ولم يعط بالا لأنهار الدم التي امتدت من أقصى الشمال إلى
أدنى الجنوب ، لتحفر نهرا ثالثا إلى جانب نهري دجلة والفرات . ولكن ، أو ليس في
نفسه بقية من دين أو أخلاق أو مروءة أو حتى غيرة ، ليكف عن هرائه وتصفيقه لنفسه
، ولما أنجزه من خيانة للأمة ، سيلعنه عليها التاريخ والأجيال المتعاقبة ، إذا
ما مرت من دون تصحيح ؟ .
لا أدري ، ربما يظن أن من الممكن أن يحول النكسة إلى نهوض ، والفشل إلى نجاح ،
والهزيمة إلى انتصار ، لو ملأ الجو صراخا وعويلا ، أو، لو أنه ملأ الشاشة
الصغيرة بصوره وبلقطات إستعراضية عنترية تشمئز منها نفس العاقل .
أو ربما يظن بأن الناس سيغفرون له خيانته ، إذا ملأ الدنيا صخبا في محاولة منه
لركوب الموج والميل مع الناس ، كلما رأى موقفا شعبيا ضد ما أنجره ، في محاولة
منه للهرب من المسؤولية .
ثالثا : فلماذا الخيانة إذن ؟ .
لأنه لا يرى إلا السلطة التي همه أن يصل إليها بأي شكل من الأشكال ، وليذهب
الدين والقيم والمبادئ والتاريخ والتضحيات وكل شئ ، فداءا لسلطته ، إذا كانت هي
التي ستعبد له الطريق ، للوصول إليها .
ولأنه ضعيف مستضعف أمام الآخرين ، أعداءا أو منافسين لا فرق ، لذلك لا يقدر على
التحدي ، ولا يصبر على الزمن ، ولا يطيق تحمل سياسة عظ الأصابع إلى أمد غير
محدود ، فلا بد إذن أن يصرخ ، ولأنه لا يريد الصراخ ، حتى لا يكتشف الناس
هزيمته ، لذلك تراه يضغط على مراكز القوى الحقيقية ، للتنازل عن رصيد الأمة
لتوضيفه في خدمته ، لأنه لا يمتلك ، في الأساس ، أي رصيد شخصي يمكنه الاعتماد
عليه في لعبة السياسة والسلطة .
والأسوأ ، أنه لا يعرف كيف يدير اللعبة ، فتراه ينجز ما يمكن به أعداءه أو
خصومه ، لا فرق ، من ابتزازه ، ولأنه لا يملك ما يمكن أن يخسره ، لذلك يلجأ إلى
المخزون الاحتياطي ، ليقدمه ثمنا لخياناته .
إنه لا يعترف بخطأ يرتكبه ، ولذلك فليس له فضيلة واحدة .
يظن أن الثرثرة تساعده على تصحيح الخطأ ، من خلال خلط الحابل بالنابل ، كما
يقولون ، ناسيا أو متناسيا بأن (إمساك اللسان يصرف الخطأ) كما تقول الحكمة .
تراه يستحضر كل تجاربه ، ويستعرض كامل قوته ، إذا واجهه صديق بحقيقة ما ، ولكنه
لا ينبس ببنت شفة ، ويصمت صمت أهل القبور ، وينسى كل شئ ، لدرجة الانبطاح ، إذا
واجهه الخصم ، خاصة إذا شعر بأنه المنفذ المفترض للوصول إلى السلطة .
إنه يحاول أن يبرر خيانته بشتى السبل وبكل الطرق ، مسخرا البيان اللطيف والكلام
الجميل والحجج والبراهين ، ولكن من دون نتيجة ، فإن من خان قبله ، كان يبرر ،
كذلك ، ما يقدم عليه .
إن الموقع مسؤولية ، والمسؤولية أمانة ، ولقد أمرنا الله تعالى أن نؤدي
الأمانات إلى أهلها ، أما الخائن ، فليس في ذهنه شئ من هذا الفهم ، لأن السلطة
أعمت عينيه ، وأغلقت على فكره ، وأصمت أذنيه ، فهو لا يرى إلا السلطة ، مهما
كانت حقيرة المحتوى ، قصيرة الأمد .
إن من لا يجد في نفسه القدرة على صيانة الأمانة ، فلماذا لا يعيدها إلى أهلها،
ويسلمها إلى من يجد في نفسه القدرة على صيانتها واحترامها والحفاظ عليها من
السرقة أو القتل ؟ .
إن تعرض الخائن إلى الضغط أو الترغيب والترهيب ، لا يبرر فعلته ، فإذا كان
المرء مجبورا على خيانة ما يخصه ، وما يجوز التصرف به ، فإنه ليس مجبورا على
خيانة ما لم يخصه ، أو ما يخص الأمة بالكامل ، وما لم يفوضه احد بالتصرف به ،
إذ أن هناك أكثر من فرصة لإعادة الأمانة إلى من هو أكفأ منه وأقوى وأجرأ وأشجع
، على الاحتفاظ بها وانتزاع الحقوق .
لطالما دعا العراقيون ، الطاغية الذليل إلى الاستقالة ، كلما أقدم على خيانة ،
فلماذا لا يستقيل من خان الأمة ، وهو بعد في بداية الطريق ؟ .
إن الخائن لأمته ، لا يصغ إلى نداءات العقل والمنطق ، بل يحاول دائما أن يفرض
خياناته على الأمة ، بأي شكل من الأشكال .
إذا وجد نفسه يغرق في خيانته ، يحاول فورا جر الأمة وراءه ، على طريقة الطاغية
الذليل ، الذي كان شعاره المفضل دائما : (علي وعلى … أمتي) لأنه يعتقد أنها (لو
عمت هانت) ، لماذا ؟ لأن الخائن يرفض أن يكون الضحية المحتملة من أجل إنقاذ ما
تبقى ، فيسعى إلى تحطيم كل السدود الأخرى التي من الممكن أن تلعب دورا تصحيحيا
للمسار المنحرف .
ولو تخيل الخائن بأنه سيموت صبيحة الغد ، ترى أين سيكون مصيره ؟ بالتأكيد ليس
في صفحة بيضاء من صفحات التاريخ المشرق ، وإنما في مزبلة من مزابل التاريخ ،
التي تنتظر المتهالكين والخائنين والمغفلين ، من أمثاله ، لتقبرهم ، وهي تصرخ
وتنادي ، هل من مزيد ؟ .
|