|
From :
Dr.Abdelrahman Kamel <kam12005@hotmail.com>
Sent : Sunday, April 11, 2004 5:35 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : لغة العلم ولغة الدين
لغة العلم ولغة الدين
د . / عبد الرحمن كامل عبد الرحمن محمود
استاذ المناهج وطرق التدريس المساعد في كلية التربية في الفيوم
جامعة القاهرة
خاص بعرب تايمز
kam12005@yahoo.com
من المسلمات أن اللغة الدينية ـ بصفة خاصة ـ تكون لغة مجازية غالبا ، تختلف عن
لغة العلم الاصطلاحية المحددة فى معانيها ، والواضحة فى دلالتها ، ولذلك فإن
التأويل بفرض نفسه ـ في اللغة الدينية ـ كأسلوب لفهم المعانى القريبة والبعيدة
، البينة والمستثرة ، اللابسة لوقائعها والمستعارة لماثلات مستجدة ، ومن ثم
وجدت المفاهيم اللغوية الخاطئة ، ففي جو " الدروشــة " أصبحت المعرفة لا تكتسب
بعقل ، ولا بتجريب ، وإنما هى " نور يقذفه الله فى قلب عبده المؤمن " وأصحابها
أسموا أنفسهم بالعارفين ، ووصلوا بروحانيتهم إلى كنز المعرفة الربانية ، كما
يزعمون ، لهم ألقاب ، تتعدد صورها : فهذا شيخ ، وهذا ملا ، وذاك آية الله ،
وحجة الإسلام ، وشيخ المشايخ ، وصاحب الحوزة ، وما إلى ذلك من ألقاب .
ويتبدى سحر الكلمة وقوة تأثيرها فى الفهم الأسطورى للعالم عند مثل هؤلاء
المتدينين ، وبخاصة الإرهابيون منهم ، فالكلمة فى فهمهم ليست أداة صياغة لذلك
العالم فحسب ، بل يعتقدون أنها تمكنهم من السيطرة عليه ، والتحكم والتأثير فيه
، إن الكلمة لديهم تعاويذ ، ورقى : تشفى من مرض ، وتحمى من ضرر ، تجلب سعدا ،
وتبطل نحسا ، تنصر حليفا ، وتهزم عدوا ، تنزل مطرا ، وتوقف سيلا….إلخ
إنهم يخرجون على الناس مدعين " المعرفة الدينية " وقواعد تفسيرها ، ليضعوا
أعناق العباد فى أى شكيمة أرادوا ، مسدلينَ على وجوههم أقنعة " المثل العليا "
التى يسعون إلى تحقيقها ، والويل عندئذ لمن أخذته فى الأمر ريبة ، او اجترأ على
طرح سؤال على الملأ ، وفيم الريبة ؟ وفيم السؤال ؟ إن " القواعد " بحكم طبيعتها
، ومنطقها تبرر نفسها . خذ قواعد لعبة الكرة مثلاََ ، فهل يحق للاعب ، وهو فى
معمعان اللعب أن يسأل : لماذا يكون خط الجزاء هنا وليس هناك ؟ ولماذا يجوز مس
الكرة بالقدم، ولا يجوز مسها بالأصابع ؟ لا ، إنها " قواعد " اللعبة التى تقبل
ابتداء ، ولأنه بغيرها لا يكون لعباَ يمكن الحكم عليه بالصواب أو الخطأ ، وكذلك
فالحكم في لعبة الكرة هو حاكم له أمر ، وأمره نافذ ، وهكذا قل فى كل ضروب "
القواعد " بما فيها قواعد الأديان .
فمما يرويه الطبرى عن ابن عباس رواية مؤداها أنه لم يتقبل القراءة المشهورة
للآية القرآنية " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" (البقرة/137) على
أساس أنها تثبت مثلا لله يمكن الإيمان به فقال ابن عباس : لا تقولوا " فإن
آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " فـإنـه ليس لله مثل، ولكن قولوا : " فإن
آمنوا بالذى آمنتم به فقد اهتدوا " ( [1] )
ومن المحتمل أن ابن عباس كان مدفوعا إلى ذلك رغبة منه فى نفى أى شبيه أو مثل
لله ، خصوصا مع ما ذهب إليه ابن سبأ من تأليه الأئمة والقول بالرجعة.
كما توقف كثير من المسلمين عند بعض الآيات متسائلين عن المعنى الحقيقى وراء
صورتها اللفظية ، فيروى الطبرى أنه "لما نزلت "وسع كرسيه السماوات والأرض"
(البقرة/ 255) قال أصحاب النبى يا رسول الله ، هذا الكرسى وسع السماوات والأرض
، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى : " وما قدروا الله حق قدره " (الزمر/ 67) إلى
قوله: "سبحانه وتعالى عما يشركون" وإذا كان الرسول قد سكت عن تساؤل المتسائلين
، تاركا لله الرد عليهم ، واستنكار هذا السؤال ، فإن ابن عباس يفسر الآية على
أن "كرسيه : علمه" ( [2] )
وإذا كان التقدم شرطا أساسيا للحضارة فإن الجانب العقلى وحده من الإنسان بما
ينتجه من العلوم هو الذى يتقدم ، فالفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا أو غيرها
من فروع العلم ليست اليوم كما كانت بالأمس ، واختلاف يومها عن أمسها هو
الاختلاف الذى يتحتم فيه أن تكون حصيلة الأمس أفقر من حصيلة اليوم ، وأكثر منها
تعرضا للخطأ ، وأما الآداب ، والفنون فكلمة "التقدم" بالنسبة إليها ليست بذات
معنى ، فقد لا يستطيع شاعر من شعرائنا اليوم أن يجارى امرأ القيس ، وقد لا
يستطيع أحد من رواة الحكايات فى يومنا أن يقترب من الذروة الأدبية التى بلغتها
ألف ليلة وليلة . إن التقدم لا يكون إلا فى معرفتنا العلمية ، وأما ما هو خاص
بالوجدان ، فلا أظن أن الأم العصرية الثكلى تبكى فقيدها على نحو أكمل من بكاء
الأمهات بالأمس، ولا أن يفنى عاشق فى عشق حبيبته بأكثر مما فنى قيس فى عشق
ليلاه . فلابد أن ننظر النظرة العقلية التى ترجو أن يجيئ المستقبل أكثر تحضرا ـ
بمعنى أغزر علما ـ من الحاضر ومن الماضى على السواء.
إن المعرفة العلمية كلها مرهونة بما هو مادى وبما هو واقع فى نطاق التجربة
الحسية ، فإذا كانت هناك حالات وعمليات وجدانية أو عقلية أرجعناها كلها إلى
أساس فسيولوجى ، فمهما تكن النظرية العلمية ، ومهما يكن موضوعها ، فما لم تكن
قابلة للرد إلى ما هو واقع فى التجربة الحسية ، تجردت من علميتها ، وأصبحت
لغواََ .
والمعنى الحقيقي للفكرة – أى فكرة – هو مجموع التصرفات العملية التى نؤديها
بناء عليها ، فإذا كان لديك ما تزعم له أنه " فكرة " ثم بحثت فلم تجد عملاَ
واحداََ تؤديه بناء عليها ، فاعلم أنها ليست من الفكر فى شئ ، وليس معنى ما
تقدم أنك يجب أن تقيد كل لفظ تلفظه بعمل يتبعه ، حيث توجد مجالات كثيرة تستطيع
فيها أن تمرح بلفظ غير مسئول ،أما حيث تقف أمامنا بعض مشكلات الحياة ، تتحدى
مطالبة بالحلول ، فها هنا لن يزحزح اللفظ جبالها ، مهما زخرفته ببيان ، وبديع ،
وضبطت له الوزن ، والقافية ، مثلما فعل الصدام حسين بالشعر الذي قاله في بداية
حرب أمريكا لتحرير العراق من سطوته ، ها هنا كان يجب عليه أن يرسم خطة واقعية
للعمل الذى يؤديه حيال المشكلة القائمة بدلا من الشعر ، ومعسول الكلام ، وذلك
وحده هو جواز المرور الذى كان يمكنه من الدخول فى أجواء هذا العصر به .
فإذا كان محتوما على الإنسان فى حياته العملية أن يتقيد بالواقع كما هو واقع ،
وبالظواهر كما هى ظاهرة لحواسه ، فله فى الفن متسع ، يصول فيه ، ويجول ،لأنه فى
الفن يستطيع ألا يتقيد بالواقع ، وأن يخلق لنفسه طبيعة أخرى غير الطبيعة التى
تصدمه بظواهرها ، ومن هنا نشأت مدراس الفن الحديث والتي تتفق كلها على نقطة
مشتركة هى أن الفنان لا يطلب منه أن يصور الواقع ، ومن حقه أن يتخيل لنفسه ما
شاء له خياله .
وإذا كانت اللغة وعاء التعليم ، ووسيلة المجتمع لتأكيد الهوية الثقافية
الحضارية ، فإن هذا يعنى أن التعليم يجب أن يعتمد على التفكير العلمى ، ومهارات
الانسان فى التعبيرعن تفكيره فى لغة علمية.
وعليه فيبدو من الضروري أننا فى حاجة لتعليم لغة علمية ومناهج علمية لتربية
إرادة إنسان عصرى ، من أبرز ملامحه :
أ ـ إنسان يكسر حدة الولاء للفكر القديم غير العقلانى ، ويهدم جدار الرتابة ،
والجمود ، ويتحرر من قيود ومخاوف غير مرئية ، ويفكر تفكيرا علميا عالميا.
ب ـ قوة اجتماعية جديدة ، تسدد هجماتها إلى العلاقات القديمة ؛ لتطور نفسها ،
وتحقق فى ذات الوقت مصالح المجموع الشعبي.
ج ـ نظرة رحبة إلى العالم تقضى على الضيق الانعزالى ، لترتاد المجهول ، ولتكشف
حدود هذا العالم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) الطبرى (محمد بن جرير): جامع البيان عن
تأويل آى القرآن، تحقيق محمود محمد شاكر (القاهرة: دار المعارف، الجزء الثالث ،
1971م) ص 114
[2] ) الطبرى (محمد بن جرير): جامع البيان عن
تأويل آى القرآن، تحقيق محمود محمد شاكر (القاهرة: دار المعارف ، الجزء الخامس
، 1971 م) ص ص : 297ــ 299
|