From : Dr.Abdelrahman Kamel <kam12005@hotmail.com>
Sent : Friday, April 9, 2004 9:36 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 






كهنوتية الإرهـــــــاب
د. عبد الرحمن كامل عبد الرحمن محمود
استاذ المناهج وطرق التدريس المساعد في جامعة القاهرة
كلية التربية في الفيوم
خاص بعرب تايمز

 


توجد مجموعة من المسلمات تمثل خطرا حقيقيا على العقل البشري في سعيه الدائم نحو المعرفة ، يتقبلها كثير من الناس دون أي مناقشة أو نقد، ومن ثم تصل ــ لديهم ــ إلى حد اعتبارها " حقائق " لا يجوز نقدها .

وتحتاج مثل هذه المسلمات إلى مراجعة دائمة ، ونقد مستمر ، لفحص محتواها ، والكشف عن الدوافع الرئيسية وراء محاولة ترسيخها في أذهان الجماهير ، فإنها في إطار الفكر الديني تكتسب قدسية طاغية ، تسمح باستغلالها من جانب الجماعات الإرهابية لإحكام سيطرتها ، وتخدير المنضمين إليها ، وعزلهم عن أي فعالية نشطة في مجال العقل أو الفكر الواقعي .

وقد تجاوزت نظرة تلك الجماعات الإرهابية حدود الحوار الخالص إلى التكفير ، ووصلت إلى مدى هائل من التطرف ، أضف إلى ذلك أن " الإلحاد " صار " تهمة جاهزة" توصم بها كل أنواع المعارضة لتلك الجماعات الإرهابية .

لقد تسلطت الكهنوتية على العقيدة الدينية للإرهابيين بالقهر والتحكم ، وما تدعيه من سلطة إلاهية تمنح صكوك الغفران ، أو تصدر قرار التكفير والحرمان .

إن السؤال الذي يفرض نفسه : هل يوجد بالفعل إسلام نموذجي معياري موضوعي منفصل عن فهم جماعة بشرية في ظروف تاريخية واجتماعية متميزة ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا اختلف المسلمون في فهم الإسلام ؟ ولماذا تعددت التصورات من بيئة إلى بيئة أخرى ؟ ومن فترة زمانية إلى فترة زمانية أخرى؟ ولماذا نحتاج للاجتهاد والقياس وهما من الأصول التشريعية التي أجمع الفقهاء على ضرورتها مع خلافهم حول طبيعة الإجماع ، ومداه ؟

إن تاريخ تفسير القرآن ليس إلا تاريخ الجماعات الإسلامية المختلفة ، والقوى المتعارضة لصياغة موقف مبالغ فيه ، لا يصدقه الواقع ، بل قد يكون شطحات خيال ، أكثر من كونه تفسيرا، وربما يكفينا للدلالة على الاساطير التفسيرية التي ذهب إليها كثير من المفسرين ، وصدقها ضعاف المؤرخين أن القرآن ــ على سبيل المثال ــ لما ذكر عادا ، فإنه قال : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد " الفجر / آية 6 ــ 7 فقد أدخل بعض المفسرين والمؤرخين في تفسير وشرح هاتين الآيتين مبالغات ، رواها كعب الأحبار ، ووهب بن منية ، وغيرهما ، ومن ثم فقد وصل إلينا من أخبارها أن رجالها كانوا طوالا كالنخل ، لم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ، ومتانتها ، وأن عادا إنما تزوج من ألف امرأة ، وعاش مائتي سنة وألف ، ثم مات بعد أن رأى من صلبه أربعة آلاف ولد ، كما رأى كذلك البطن العاشر من أعقابه ، وكان الملك من بعده في الأكبر من ولده ــ وهو شديد ــ الذي حكم 850 سنة ، ثم جاء من بعده أخوه " شداد " حيث حكم 950 سنة ، سيطر فيها على كل ممالك العالم ( [1] ) .

لقد تضخم التفسير ، مما دفع أحمد بن حنبل إلى أن يقول كلمته المشهورة : " ثلاثة ليس لها أصل : التفسير ، والملاحم ، والمغازي " أي ليس لها إسناد ، لأن الغالب عليها المراسيل ــ أي الكلام المرسل ــ وهي في كتب التفسير كثيرة ( [2] ) .

ويبدو لنا أن من الخيرأن يجعل المرء له مبادئ واقعية ــ بعيدا عن شطحات الخيال ، والأوهام ، وزبد الوعود ، ومعسول الكلام ــ فيكون محكوما بيقينه ، وفكره ، لا بظنه ، وخياله ، وأوهامه ، وبذلك يكون بناؤه قارا في حيزه الإنساني .


---------------------------------

[1] )) المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر ( بيروت ، الجزء الثاني ، 1973 م . ) ص ص : 12 ــ 13
، المقدسي : البدء والتاريخ ( القاهرة : مطبعة باريس ، الجزء الثالث ، 1903 م . ) ص 37 .
، الطبري : جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( القاهرة : دار المعارف ، الجزء الثلاثون ، 1969م . ) ص 176
، القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( القاهرة : دار الشعب ، الجزء العشرون ، 1969 م ــ 1970 م . ) ص ص : 44 ــ 46


[2] ))
ابن تيمية : مقدمة في أصول التفسير طبعة دمشق ، 1936 م . ص 19
، محمد رشيد رضا : تفسير المنار ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الجزء الأول ، 1973 م . ) ص 8 .