غسان زكريا او الكاتب عندما يصبح ارجوازا!!
بقلم الدكتور : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " في الاول من ابريل عام 1993


يثير العدد (487) من مجلة (سوراقيا) الصادر في 14 كانون الاول (ديسمبر) 1992 ملاحظات عدة لا بد من الوقوف عندها ومناقشتها لانها ذات صلة بشرف المهنة الصحفية ان كان قد بقي لها شرف في صحافتنا العربية ولدى غالبية صحافيينا العرب ان هذا العدد من (سوراقيا) يعطي اقذر صورة عن سلوكيات الصحافة والصحفيين الذين لا مبدأ عندهم فهم يغيرون سياستهم ومواقفهم وكتاباتهم حسب المصلحة الشخصية ففي كل وقت اصدقاء وخصوم وفجأة يصبح اصدقاء الامس خصوم اليوم وخصوم اليوم اصدقاء المستقبل وهكذا فاذا المجلة والكتابة بازار رخيص تمدح من يدفع وتشتم من يحجب ولا اعتقد ان مجلة تذبذبت مواقفها مثل (سوراقيا) او كتابات انتقلت من الشيء الى نقيضه مثل كتابات (غسان زكريا) والحقيقة ان المجلة في بداية صدورها مثلت نوعا جديدا من الصحافة العربية واعتقدنا انها سدت فراغا كبيرا في سوق الصحافة العربية المباعة لكل الدول والحكومات والاحزاب والغائب الوحيد عنها ومنها حكومة وحزب الصدق العربي الا انها في السنوات الاربع الاخيرة بدأت تدريجيا تكشف عن نيتها للدفاع عمن يدفع مهما كان وتهاجم وتلفق ضد من لا يدفع ايا كان ولا يمكن ان ينسى قراؤها العدد الذي اصطحب فيه غسان زكريا ورافق الملياردير عدنان خاشقجي في طائرته الخاصة بعد الافراج عنه من سجون الولايات المتحدة الامريكية ليجري معه وعنه تحقيقا ولا مدائح العصرين الاموي والعباسي مبرئا اياه من كل التهم التي سجنته من اجلها المحاكم الامريكية لنكتشف بعد ذلك انها تحقيقات ولقاءات مدفوعة الثمن رغم تفردها انها اول لقاءات صحفية تمت على ارتفاع 32 الف قدم وهذا وحده يوحي بارتفاع الثمن
والان نعود الى العدد 487 من سوراقيا
في الصفحة الرابعة من العدد المذكور ينشر غسان زكريا نداءا للقراء تحت عنوان (ساهموا معنا في دفع غرامتنا) يطلب من القراء الذين تعز عليهم سوراقيا ليسارعوا الى المساهمة في اكتتاب لتأمين الغرامة المطلوبة التي حكم بها في دعوى جهاد الخازن ومقدارها مائة وخمسة وعشرون الف جنيه استرليني هل يتصور قارئ عاقل او معتوه حجم هذه الوقاحة؟ غسان زكريا يتقلب في اكاذيبه ضد الاخرين يعادي ويصادق يهجو ويمدح حسب مصالحه الشخصية وعندما يقع في مطب افتراءاته ضد الاخرين ويغرمه القضاء يلجأ للقراء ليدفعوا ثمن ادعاءاته وافتراءاته من يصدق هذا؟ وسيرى غسان زكريا كم من القراء الحمقى سيجد يساهمون معه في دفع غرامته هذه؟ وانا كقارئ من قراء سوراقيا اكتب بهذه الحدة لانني وجدت ان هذا الاعلان استغفال لكل قرائها وضحك على ذقونهم فهل كان غسان زكريا يقاسمنا ما يدفعه له من يمدحهم ويصفق لهم كي نقاسمه غرامة من افترى عليهم؟ هل غسان زكريا يعتقد ان المثل القائل (رزق الهبل على المجانين) ينطبق علينا كقراء سوراقيا؟ اذا كان الاول من المثل ينطبق عليه فنحن كقراء نرفض ان ينطبق علينا الجزء الثاني منه.
اما موضوعات العدد فاغلبها من الغلاف الى الغلاف مخصصة للرئيس السوري حافظ الاسد وسورية فعلى الغلاف صورة للرئيس الاسد وفي داخل العدد الموضوعات السورية التالية:
* في الصفحة الخامسة افتتاحية العدد بعنوان (لا تخسروا سورية) بقلم غسان زكريا نفسه
* موضوع الغلاف من صفحة 8 الى صفحة 15 (3 صفحات) بعنوان (المرجع والمرجعية) عن الرئيس الاسد وسورية
* في الصفحة 23 يكتب عن (ثائر جبل العرب) عن سلطان باشا الاطرش وباخراج ساذج عبر ادعاء ان قارئا تونسيا طلب هذه المعلومات في صفحة ( لكل سؤال و جواب).
ونحن لسنا ضد ان يخصص عدد من (سوراقيا) او اية مجلة عربية للحديث عن اية دولة عربية ورئيسها او ملكها او اميرها ولكننا ضد هذا النوع من الاكاذيب وهذا الاحتقار لعقل القارئ العربي سواء كان عن سورية او اي قطر عربي ففي هذا المجال دور المجلة الصادقة ان تعطينا الحقيقة اما الاكاذيب فهي لا تنطلي الا عرى صاحبها قابض ثمنها ان المبالغات الكاذبة عن دور سورية وقوتها ومكانتها في السياسة العالمية نعتقد ان الرئيس الاسد نفسه لا يقبلها لانه قبل غيره يعرف حجم بلده ودورها سواء في السياسة العربية ام الدولية ونعتقد انه لم يضحك انسان من هذه الاكاذيب والمبالغات عن سورية وقوتها اكثر مما ضحك الرئيس الاسد محتقرا هذا الصنف من الكتاب الذين لا يصفهم حقيقة سوى المثل القائل (ان لم تستح فافعل ما شئت) والان تعالوا نستعرض بعض هذه الاكاذيب ثم نضحك ثم نبصق!!
في صفحة (5) يقول غسان زكريا :" في مسرح الصراع العربي العبراني لا قوة تقابله غير القوة السورية هي قوة العرب ان ضعفت تهددت القوة العربية جميعها". ان هذا التحليل ساذج وضحك على عقول القراء لان سورية نفسها ادركت منذ سنوات انها لا تستطيع الصمود اما قوة العدو العسكرية لا وحدها ولا مجتمعة مع قوة دولة اخرى مثل مصر كما حدث في حرب التحريك عام 1973 لذلك انخرطت سورية راضية قانعة بمسيرة السلام مع العدو الاسرائيلي وترشح كافة الاوساط ان الحلول على الجبهة السورية-الاسرائيلية ستسبق اية حلول على جهات اخرى.
في موضوع الغلاف المنشور بدءا من ص 8 يقول :" اذا كانت لسورية منزلة خاصة في قلوب ابنائها وفي قلوب العرب فان منزلتها الخاصة في التاريخ العالمي قديمة وحديثة وهي التي تجعل منها الان بقيادة الرئيس حافظ الاسد نقطة ارتكاز اساسية او ربما نقطة الارتكاز الاساسية في السياسة الدولية". هل هناك كذب ونفاق اكثر من هذا؟ كنا وما زلنا نتمنى ان تكون سورية او اي قطر عربي آخر يصبح فعلا (نقطة الارتكاز الاساسية في السياسة الدولية) فهذا يسعدنا ويثلج صدورنا ونصلي من اجله وندعو له لكن الامنيات والدعوات شيء والواقع شيء مختلف فاذا كانت روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفييتي بملايينها الثلاثمائة وبصواريخها النووية غير قادرة الان على ان تكون نقطة ارتكاز اساسية في السياسة الدولية وتلهث ذليلة في فلك السياسة والمواقف الامريكية فما بالك بسورية بملاييتها الاربعة عشرة وفقرها وحاجتها وقمع اجهزتها وما يزيد على عشرين الف معتقل سياسي هل هي قادرة على ان تكون حتى (نقطة) في بحر السياسة الدولية التي تحركها وتلعب بها كما تشاء هذا الكذب والافتراء!
في نفس الصفحة رقم 8 يقول غسان زكريا عن الرئيس حافظ الاسد:" حافظ التوازن في سورية هو بطبيعة الحال حافظ التوازن في العالم العربي وحافظ التوازن في العالم العربي يأخذ صفة نقطة الاتكاز لحفظ التوازن في العالم كله .." هل صحيح هذا؟ وهل يصدق غسان زكريا نفسه هذه الاكاذيب وهذا النفاق المكشوف؟ وهل يعتقد ان الرئيس الاسد يصدق ذلك؟ لا نعتقد ذلك لاننا كلنا نعرف والرئيس الاسد يعرف انه فعلا لا حافظ للتوازن لا في العالم العربي وحده وفي العالم كله ولا حتى في سورية وحدها ان كاتبا يكتب هذه الاكاذيب التي لا تنطلي على احد فعلا لا يستحق الا الشتيمة وبدلا من سكوته وقبوله الشتيمة مع الشكر والتقدير يطالبنا بأن نشاركه دفع غرامته! نعتقد ان الرئيس الاسد نفسه قد فقد التوازن وهو يضحك من وعلى هذا الكاتب المنافق!
في نفس الصفحة 8 يقول غسان زكريا:" الدور المرجعي المتحقق في سورية اليوم هو دور مطلق بمعنى انه يتعدى الشأن السوري الى كافة الشؤون العربية والعالمية فلا مناص من مراجعة دمشق". من يصدق هذه الاكاذيب المطلقة وقائلها لا مناص له من مراجعة اقرب مستشفى للمجانين فعن اي مرجع ومرجعية تتحدث فحتى الولايات المتحدة العظمى الوحيدة الان لا تدعي هذه المرجعية الله يرجع لك بعض العقل والصدق والضمير!
لقد استفزتني اكاذيب غسان زكريا هذه ونفاقه المكشوف ورحت افكر في السبب فاذا الجواب اجده في صفحة 28 من عدد (سوراقيا) نفسه اذ قرأت الخبر التالي:" بعد اربع وعشرين سنة بعدا عن الوطن فرضته ظروف مهنية قاهرة يعود غسان زكريا رئيس تحرير سوراقيا الى دمشق ملبيا دعوة الدكتور محمد سلمان وزير الاعلام ووزارته لتمضية بضعة ايام في البلاد السورية يطوف فيها مع الزميل سليمان الفرزلي باحثين عن عوامل النهوض والارتقاء السوريين".
اذا هذا هو سر الكذب والنفاق المفضوحين وحتى في صياغة خبر زيارته فهو يكذب فهو قد ظل غائبا عن الوطن كل هذا ربع القرن فقط ليس كما ذكر لاسباب مهنية قاهرة ولكننا كلنا نعرف انها اسباب امنية قاهرة فقد كان ملاحقا ومطلوبا للمخابرات السورية وطالما كتب هو نفسه في سوراقيا ذاتها عن ملاحقة المخابرات السورية وسجنها له ومطاردتها وهربه منها.
وكي لا نزايد على احد فعلينا الاقرار ان من حق اي صحفي وكاتب ان يسوي مشاكله مع مخابرات بلاده كي يعود لوطنه فالغربة قاتلة وكريهة ولكن هذه التسوية لا ينبغي ان تكون على حساب الحقيقة التي يقدمها للقراء وهم يدفعون ثمنها مما يدفعونه سعرا للمجلة او الصحيفة.
وقد دللت التحقيقات والمبالغات والمقابلات التي نشرها غسان زكريا في الاعداد اللاحقة من (سوراقيته) انه عاد للوطن واحتفى به وكسب الكثير من المسؤولين السياسيين والاعلاميين والمخابراتيين مبروك وصحتين على قلبك ولكنك فعلا خسرت القراء والحقيقة فعمر الكذب قصير وكل (سوراقية) وانت بسورية!