الكافي الوافي في فك طلاسم القذافي
ضحايا محاولات القذافي ارضاء الغرب
الحلقة الثالثة
بقلم : د. احمد ابو مطر
كاتب فلسطيني مقيم بين السويد والنرويج
نشر هذا المقال في "عرب تايمز" في ديسمبر عام 1992



بعد ان ادرك القذافي ان هجوم الدول الغربية جاد هذه المرة عليه وعلى نظامه خاصة بعد تطبيق قرار مجلس الامن القاضي بفرض العقوبات للمرة الثانية من 15-8-92 وحتى 15-12-92 وان مجلس الامن سوف يعود في هذا التاريخ للنظر فيما اذا امتثل العقيد لشروط الغرب ام لا كي يرفع العقوبات ام يجددها للمرة الثالثة سارع العقيد لارضاء امريكا باتخاذ العديد من الاجراءات التي اوردنا اهمها في الحلقة السابقة وقد بدأ العقيد بتطبيق هذه الاجراءات وهدم العديد من الهياكل الادارية والسياسية والاعلامية التي قامت على 0جماهيريته) وقد بدأت عملية الهدم هذه تطال العديد ممن يمكن اعتبارهم (ضحايا) محاولات القذافي لارضاء الغرب وهذه الضحايا حتى اكتوبر 1992 هي:
1- جمعية الدعوة الاسلامية وهي جمعية اسلامية تعمل في مدجال الدعوة الاسلامية في مختلف القارات اسسها العقيد القذافي عام 1973 وكان يرئس مجلس ادارتها الدكتور محمد الشريف وزير تربية ليبي سابق وقد كان للجمعية مكاتب وممثلون فيما لا يقل عن ثلاثين عاصمة في الدول الاسيوية والافريقية وامتدت نشاطاتها لتشمل كافة العواصم التي توجد فيها جاليات اسلامية وقد حاول العقيد في السنوات الثلاث الاخيرة دعم نشاطاتها الاعلامية فالحق بها بعض الاعلاميين الليبيين مثل القصاص (زياد علي) والاعلامي (علي ماريا) رئيس تحرير مجلة الثقافة العربية وسفير ليبيا في ابوظبي سابقا وقد اشتهرت الجمعية في سنوات تأسيسها الاولى بحثها وترغيبها غير المسمين من العرب والاجانب على دخول الاسلام مقابل (35000) دولار لمن يشهر اسلامه امام شيوخ الجمعية وقد لاقت هذه الدعوة - والتي تبدو الان وكأنها نكتة- استجابة واسعة بين العديد ممن استهوتهم هذه المبالغ من الدولارات الى حد ان العديد من الصحفيين والكتاب كان يتمنى لو انه ولد مسيحيا كي يستفيد من هذه الثروة التي لا تكلف صاحبها سوى الوقوف امام شيوخ الجمعية والنطق بالشهادتين ( اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله) وفي اعوام 74 و 75 و 76 و 77 نطق بهاتين الشهادتين العديد من الصحفيين الغربيين الذين كانوا يزورون طرابلس او يعملون فيها وكان اشهر من استغل هذه الدعوة الناقد المصري غالي شكري والملاكم الامريكي محمد علي كلاي الذي نقدته الجمعية حوالي خمسة ملايين دولار عام 1979 مقابل اشهار اسلامه ومن اجل بناء مسجد في نيويورك واتذكر اننا كنا تلك الليلة من عام 1979 في فندق الشاطئ الذهبي الذي كان ايامها الفندق الوحيد من فنادق الدرجة الاولى في طرابلس ودخل محمد علي كلاي صالة الفندق وهو يصفر ويرقص نشوة وطربا فهرعنا نسأل عن اسباب هذه النشوة فاجابنا صحفي سوري اسمه (احمد مراد) كندي الجنسية ومقيم في كندا وكان يرافقه للترجمة انه - اي كلاي- ربما يصاب الليلة بالجنون لانه لا يصدق وجود (مهابيل) ينقدون خمسة ملايين دولار من اجل نطقه بالشهادتين اما احمد مراد فقد فاز ايضا بعقود طائلة من اجل طباعة الكتاب الاخضر - نسخة انجليزية- وتوزيعه في كندا ومن اجل اقناع اساتذة الجامعات الكندية بكتابة دراسات وشروح للكتاب الاخضر.
وقد انفق العقيد القذافي مئات الملايين على جمعية الدعوة الاسلامية لان مكاتبها في مختلف العواصم كانت توزع القرآن الكريم والكتب الاسلامية والكتاب الاخضر وخطب وبيانات العقيد الذي كان يطرح نفسه في الدول الاسلامية - غير العربية- على انه (مفكر اسلامي) يعمل من اجل الصحوة الاسلامية وتوحيد جهود العالم الاسلامي كما ان مكاتبها كانت مرتعا وغطاء للعديد من عناصر مخابراته وامنه خاصة في مجال تعقب اعضاء المعارضة الليبية واغتيالهم وفي السنوات الاربع الاخيرة دخلت جمعية الدعوة الاسلامية مجال الاستثمار العقاري في داخل ليبيا وخارجها فاقامت مشاريع استثمارية كان اهمها ابراج المكاتب الخمسة وهي عبارة عن خمسة عمارات (12 طابقا) اقامتها على شاطئ البحر جوار فندق باب البحر وقد خصصت هذه الابراج الفخمة مكاتب للشركات والسفارات الاجنبية فقط على ان تؤجر لها بالعملات الصعبة وقد كانت هذه الابراج الخمسة حتى عام 1990 اضخم مشروع عقاري في ليبيا.
وقد اعلن العقيد القذافي عبر اجهزة (مؤتمر الشعب العام) في دورته الاخيرة (آب اغسطس) الماضي الغاء هذه الجمعية واقفالها نهائيا ووقف نشاطاتها وتصفية ممتلكاتها وتوزيع العاملين فيها على الدوائر الحكومية الليبية وهو يدرك ان هذا القرار يعني لدى الدوائر الغربية اقفال مكاتب الامن والمخابرات التي كانت تعمل تحت غطاء ولافتات هذه الجمعية وبذلك تكون جمعية الدعوة الاسلامية اول الضحايا في محاولات العقيد استمالة الغرب واسترضائه.
2- مؤتمر الشعب العربي هو اسم الهيئة التي شكلها القذافي عام 1977 عقب زيارة السادات لاسرائيل حيث اعلن آنذاك انه يشكل مؤتمر الشعب العربي ليقوم بمحاكمة السادات على جريمته المتمثلة في زيارة اسرائيل واستقدم لذلك العديد من السياسيين والمحامين العرب خاصة من المعارضة المصرية وعقدوا محاكمة شكلية للسادات حكموا عليه فيها بالاعدام ولما وجد القذافي انه يمكن استغلال هذا المؤتمر لبناء علاقات جديدة والتبشير بافكاره (الخضراء) طلب رصد الاموال اللازمة لجعل (مؤتمر الشعب العربي) هيئة عربية دائمة مقرها طرابلس وبالفعل تم تخصيص جناح في (قصر الشعب) ليكون مقرا للمؤتمر ولما كثر زبائنه وعملاؤه انتقل المقر الى بناء كامل ضخم من ثلاثة طوابق في وسط العاصمة التجاري في شارع الفاتح قريبا من الشاطئ خلف (الفندق الكبير) افخم فنادق طرابلس لتكون اقامة الوفود سهلة وغير متعبة في التنقل هذا وقد تشكلت للمؤتمر (امانة عامة) برئاسة الليبي (عمر الحامدي) وعضوية حوالي 12 عضوا تم اختيارهم من مختلف الاحزاب العربية ذات التوجه والبضاعة القومية وكان من اعضاء الامانة العامة القومية : د. احمد مجدلاوي وناجي علوش عن فلسطين و د. احمد السنوسي عن لبنان و >ز احمد عبد العال عن مصر وعلي هاشم محسن عن العراق وابو عيسى عن الاردن وابراهيم الخراز من ليبيا وكان اطرف اعلان صدر عن (مؤتمر الشعب العربي) هو اعلان بعض اعضاء الامانة العامة المصريين ان حادث اغتيال السادات في حادث المنصة الشهير عام 1981 كان تنفيذا لقرار مؤتمر الشعب العربي عام 1977 باعدامه هذا وقد تخصص المؤتمر في عقد الندوات والمؤتمرات التي تخدم توجه القذافي وقد مثلت عام 1980 - وكنت مدرسا في جتمعة البصرة- الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في حلقة دراسية عقدها مؤتمر الشعب العربي في تونس حول (اساليب تدريس الادب العربي في الجامعات العربية) كما شاركت عام 1981 في ندوة فكرية عقدها المؤتمر في تونس ايضا حول الغزو الفكري الغربي للاقطار العربية حيث قدمت دراسة حول دور الانظمة العربية في قمع الفكر القومي التقدمي وفتح الابواب امام الفكر الغربي الذي يضيع ملامح الشخصية العربية بهدف صهرها في السلوك الغربي وفي نهاية الندوة اقترح عمر الحامدي رئيس مؤتمر الشعب العربي توجيه برقية شكر وتقدير للمناضل الحبيب بورقيبة لسماحه بعقد الندوة في تونس وسأل ان كان يوجد من يعترض على ذلك من المشاركين الرسميين في الندوة فكنت الوحيد الذي اعترض على ارسال البرقية مبررا اعتراضي بان نظام الحبيب بورقيبة لا يختلف عن اغلب الانظمة العربية التي ادانتها العديد من الدراسات في الندوة لذلك فمن غير المنطقي تخصيصه بارسال برقية الشكر والتقدير المقترحة فاحتد عمر الحامدي واعلن ان هذا الرأي مجرد رأي صاحبه ولا يوجد من بين المشاركين من يعترض ثم قرأ نص برقية الشكر والتقدير المعدة سلفا ووجهها باسمه وباسم مؤتمر الشعب العربي لفخامة المناضل الحبيب بورقيبة تثمينا لموافقته على الندوة في تونس وجهوده في مجال مكافحة الغزو الفكري!! وعند انتهاء الندوة وخروجنا من القاعة شدني عمر الحامدي من كتفي محتدا هائجا قائلا لي على مسمع الجميع : الحق مو عليك الحق علي اللي دعيتك للندوة وفعلا لم ادع لندوات وفعاليات (مؤتمر الشعب العربي) من عام 1981 ولمدة سبع سنوات وبعد ان انتهت مدة العقوبة ضدي دعاني السلطان عمر الحامدي عام 1988 للمشاركة في مؤتمر (احزاب المعارضة الرسمية المعترف بها في اقطارها) الذي عقد في طرابلس وكانت فرصة كي احضر مهزلة اخرى من مهازل مؤتمر الشعب العربي كانت فكرة المؤتمر في البداية ان يكون مؤتمرا لاحزاب المعارضة العربية وكان هذا يعني دعوة احزاب المعارضة التي تقف موقفا معارضا وربما عدائيا من حكومات وانظمة اقطارها ولا حرج لدى القذافي من دعوة احزاب المعارضة علنية او سرية في اغلب الاقطار العربية لكن التطبيق الكامل لهذا المفهوم كان يعني دعوة احزاب المعارضة السورية والعراقية واليمنية والجزائرية وهذا يوتر علاقات القذافي مع انظمة البلدان الاربعة المذكورة التي كانت حليفة او شبه حليفة له فاعاد القذافي التفكير في امر هذا المؤتمر خاصة بعد تجميد حزب البعث السوري لمشاركته في نشاطات الامانة العامة لمؤتمر الشعب العربي وبعد تفكير طويل اهتدى القذافي وعمر الحامدي لمسرحية هزلية ولا مسرحيات الفرنسي موليير اذ قررا عقد المؤتمر لاحزاب المعارضة العربية المعترف بها رسميا في اقطارها مثل حزب التجمع التقدمي الوحدوي في مصر وبهذا الاخراج التافه لم تدع اية احزاب معارضة سورية او عراقية ويمنية وجزائرية فليس في هذه الدول احزاب معارضة معترف بها وبذلك ازال القذافي عن نفسه الحرج كما اعتقد وشارك في المؤتمر ممثلون لجبهة الانقاذ الوطني الفلسطيني بصفتها احزاب معارضة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
هذا وقد اصبح - عبر السنوات الماضية- مؤتمر الشعب العربي اقطاعية خاصة لمالكها وصاحبها العقيد القذافي ووكيله العام فيها عمر الحامدي يشترون من خلالها الاقلام والذمم ويوزعون العملاء والرشاوي وهكذا ما ان ادرك القذافي الصباح وايقن ان تهديدات الامريكان جادة حتى انحنى سريعا وبدا بتفكيك مؤتمر الشعب العربي فلم يعد هناك حاجة قذافية لا للشعب العربي ولا لمؤتمر يحمل اسمه وفي الطريق العديد من الضحايا سنكتب عنها عند حلول موعد سقوطها وهو قريب ما دام الاخ العقيد جاد هذه المرة في مصالحة الامريكان وربما مصاهرتهم!!