اسرار مثيرة وراء زيارة الليبيين لاسرائيل
من يعقوب نمرودي الى القذافي الى الاعتراف!!
بقلم : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1994


هل يمكن اعتبار زيارة مائتي مواطن ليبي للقدس المحتلة يوم الاحد 30-5-93 التي استمرت ثلاثة ايام مجرد زيارة عادية؟ هل يمكن عدم الوقوف عندها لانها مجرد زيارة مواطنين عرب لمدينة عربية رغم وقوعها تحت الاحتلال؟ انها مجر تساؤلات امام حدث خطير لا نعتقد - كما دلت الاحداث والمعلومات- انه وليد لحظته فقد تم التخطيط له منذ اربعة اشهر على الاقل لان منظمة التحرير الفلسطينية التي اكد عضو لجنتها التنفيذية سليمان النجاب كانت قد استشيرت في الموضوع قبل ثلاثة شهور ورفضته ونصحت العقيد القذافي بالعدول عنه وعدم التفكير فيه وقد اصبح واضحا ومؤكدا ان الفكرة من اساسها من اعداد ووضع القذافي نفسه وقد درسها في بادئ الامر مع تاجر السلاح الاسرائيلي اليهودي من اصل ليبي يعقوب نمرودي في الاسبوع الاول من شهر فبراير 1993 اثناء زيارة سرية له لطرابلس وكان قد وصلها برا من القاهرة يرافقه ابراهيم البشاري وزير خارجية ليبيا السابق وممثلها الدائم في الجامعة العربية في مقرها الدائم بالقاهرة وقد اكدت مصادر موثوقة ان الزيارة دامت اربعة ايام ونزل اثنائها يعقوب نمرودي في الفندق الكبير بطرابلس في الجناح رقم 413 وكان المسؤول عنه وعن تحركاته اثناء الزيارة المقدم سالم ابو شريدة من المخابرات العسكرية الليبية وسكرتيرة حسناء من السكرتيرات المقلربات للقذافي اسمها (فاطمة محمود تاجري) وهي التي نسب اليها يعقوب نمرودي انها ابلغته "بأن القذافي يعتزم المجيء والاعتراف بدولة اسرائيل قبل نهاية هذا العام".
هذا وقد اكدت مصادر مطلعة ان (يعقوب نمرودي) قد انزل في الفندق الكبير تحت اسم (الحاج محمد سالم الشرتوني) وكانت فاطمة تاجري سكرتيرة القذافي تقدمه في ردهات الفندق على انه تاجر ليبي معترب مقيم في ايطاليا واثناء هذه الزيارة قام يعقوب نمرودي باكثر من جولة في شوارع طرابلس وتفقد مزرعة كبيرة قرب مطار طرابلس الدولي كان يملكها رئيس الجمعية العالمية لليهود الليبي الاصل رفائيل فلاح المقيم في ايطاليا وكان موجودا في تل ابيب اثناء زيارة الليبيين لها هذا وقد علم من مصادر مطلعة ان سكرتيرة القذافي ابلغته ايضا ان مزعة (رفائيل فلاح) سوف تعاد اليه رغم وضع العميد ابو بكر يونس يده عليها واستعمالها استراحة له ولعشيقاته واستنادا الى هذه التطمينات اعلن رفائيل فلاح (54 عاما) "ان العقيد القذافي دعا مئات اليهود من اصل ليبي المقيمين في اسرائيل ودول اخرى بزيارة ليبيا في يوليو تموز القادم".
كل هذه المعلومات والتحركات تؤكد الاصرار والتخطيط المسبقين للقذافي لاتمام هذه الزيارة وذلك لاعطاء اشارة مباشرة للدول الغربية عن استعداده للاعتراف باسرائيل ونبذه لكل اساليب دعم الارهاب السابقة التي عرف بها فقط من اجل رفع الحصار المفروض على نظامه منذ 15 ابريل نيسان 1992 وذلك بعد ان جرب طوال اكثر من عام كل الوسائل مع الدول الغربية لرفع الحصار فلم تفلح وقد اقدم القذافي على هذه الخطوة الخيانية قبل 15 يوليو تموز القادم موعد اجتماع مجلس الامن للنظر من جديد في مسألة العقوبات خاصة بعد تواتر معلومة غربية عن ان الحصار هذه المرة ربما يشمل حظرا نفطيا وقد اكد ذلك يعقوب نمرودي نفسه عندما صرح قائلا:" اجتمعت مع اكبر مستشاري القذافي وخططنا هذه الزيارة والقذافي يأمل في المقابل ان تساهم اسرائيل في قبول ليبيا في العالم الغربي ويتوقع منا ان نساعده في موقفه الراهن".
ان الزيارات المذكورة لمسؤولين اسرائيليين لطرابلس وتصريحاتهم وتصريحات مساعدي القذافي وسكرتيراته عندما تضاف الى الترتيبات الاجرائية لهذه الزيارة تؤكد ان تطبيعا عمليا واقعيا اقامه القذافي مع العدو الاسرائيلي استعدادا للاعتراف به فعلا ... كيف تمت الاجراءات الميدانية لهذه الزيارة القذرة؟ وصل الزوار الليبيون الى القاهرة برا حيث نزلوا في فندق شيراتون الجزيرة حيث كان في استقبالهم السفير الليبي وموظفو السفارة ورغم ان يوم السبت عطلة يهودية رسمية يمنع فيها العمل مهما كان الا ان السفارة الاسرائيلية فتحت ابوابها يوم السبت 29-5 كي تختم تأشيرات الدخول الاسرائيلية على جوازات سفر الليبيين هذا وقد حمل احمد عز العرب مدير وكالة السياحة المصرية (يونيفرسال بروجيكت توريزم) التي تمثل شركة (زيارا ترافيل) السياحية الاسرائيلية التي يملكها يعقوب نمرودي جوازات سفر الليبيين ال 195 الى السفارة الاسرائيلية لوضع تأشيرات الدخول عليها وقبل وضع التأشيرات طلب القنصل الاسرائيلي موافقة خطية على زيارتهم من السفارة الليبية وبسرعة فائقة وصلت الموافقة الليبية موقعة من السفير الليبي بالقاهرة وخلال دقائق ختم القنصل الاسرائيلي تأشيرات الدخول الاسرائيلية على الجوازات الليبية ذات اللون الاخضر (تيمنا بالكتاب الاخضر) وظهر الاحد 30-5-93 توجهت خمسة حافلات تابعة للشركة الوطنية الليبية للنقل الى طريق سيناء حاملة الزوار الليبيين متجهة الى مركز رفح الحدودي حيث كان في استقبالهم وزير السياحة الاسرائيلي "عوزي برعام" نفسه لان اسرائيل تعتبرها زيارة سياسية وليست سياحية وقد القى كلمة ترحيبية فيهم قال فيها:" اننا نرحب بالعقيد معمر القذافي في اسرائيل" واعتبر ان القذافي ارسل الليبيين لزيارة اسرائيل "لان ذلك يخدم مصلحة علاقاته مع الولايات المتحدة الامريكية لكن اسرائيل اذا ما حققت منافع من هذه الخطوة على المدى الطويل فسأكون مسرورا" وكان في استقبال الزوار الليبيين يعقوب نمرودي الذي صرح امامهم قائلا:" ان القذافي سيقوم بزيارة اسرائيل هذا العام بعد ان يعترف بها طبعا ان زيارتكم هذه استلزمت خمس سنوات من المباحثات على اعلى مستوى مع السلطات الليبية" وبعد وصولهم الى اسرائيل توجهوا الى فندق (هيات) الفاخر في القدس الشرقية الذي يتحاشى الدبلوماسيون الغربيون اقامة حفلات الاستقبال الرسمية فيه لانهم يعتبرون ان الارض التي اقامته اسرائيل عليها ارض محتلة عام 1967.
هذا وقد قوبل الزوار الليبيون بمظاهرات احتجاج من فلسطينيي الارض المحتلة وقد هاجم مسؤولو الاوقاف الاسلامية في القدس هذه الزيارة واعتبروها تجميلا لوجه اسرائيل وسياستها القمعية فمن خلالها تستطيع الدولة العبرية الادعاء ان حكمها واحتلالها للقدس لا يحول دون اصحاب كل الديانات من ممارسة طقوسهم العقائدية بحرية وامان في الوقت الذي تمنع فلسطينيو القدس نفسها من التوجه للصلاة في المسجد الاقصى وقد علق الياس فريج رئيس بلدية بيت لحم وعضو الوفد الفلسطيني لمحادثات السلام على الزيارة بقوله:" لقد عودنا القذافي على كل غريب ومستهجن ولكن ارساله مواطنيه لزيارة اسرائيل ما هو الا تطبيع واعتراف بالدولة العبرية التي تحتل ارضنا وتنكر علينا ابسط حقوق الانسان" اما الدكتور جمال الازايدة استاذ الشريعة الاسلامية في الجامعة الاسلامية بغزة فقد صرح لوكالة رويتر قائلا:" ان القذافي الذي الغى العمل بالتقويم الهجري منذ حوالي 15 سنة وابتدع تقويما قذافيا يبتدئ بوفاة الرسول والذي طالب جهارا بالغاء بعض آيات القرآن الكريم والذي الغى العمل باسماء الشهور الهجرية واعاها اسماءا قذافية مثل النار النوار الربيع الطير ... الخ ليس غريبا عليه ان يستبيح مقدساتنا فيرسل زواره ليعطوا المحتل صفة شرعية وقانونية".
بعد كل هذا السرد الوقائعي الموثق لهذه الزيارة اللعنه نود ان نسجل الحقائق التالية:
1- ان القذافي من اجل استمراره في السلطة ومن اجل فك الحصار الغربي المفروض على نظامه مستعد لكل شيء بما فيه الاعتراف باسرائيل وهذه الزيارة ليست الا خطوة اعترافية واضحة لا يمكن الجدل والخلاف حولها.
2- لا يمكن ان تنطلي على ابسط واسذج العرب انها زيارة 0حجاج) فالحج يكون هناك الى الكعبة والبيت الحرام في مكة المكرمة والمدينة المنورة وليس صحيحا كما اثبت ليبيون من الزوار انفسهم انهم منعوا من دخول الاراضي السعودية كما ادعى ادعى القذافي واعلامه لان موسم الحج الحالي الذي انتهى قبل اسابيع قليلة شهده وشارك فيه اكثر من ستة الاف حاج ليبي وصلوا بمختلف الطرق رغم الحظر الجوي المفروض على النظام القذافي ان افتراءات القذافي تفترض غباءنا وجهلنا وهذا ما لا نرضاه ولا نقبله لان كيفية وصول الحجاج الى الاراضي المقدسة وهي مسؤوليتهم ومسؤولية دولهم وليس مطلوبا ولا منطقيا ان تجتهد حكومات اخرى في كيفية ايصال الحجاج الليبيين متحدية الحصار الجوي الدولي المفروض على بلادهم بسبب عنتريات وعنجهيات القذافي التي تبخرت كلها وانتهت بالاعتراف الواقعي باسرائيل.
3- وكي نعرف ان (الرجال معادن) فعلا وندرك الفارق بين وطني حقيقي ودع الوطنية نذكر القذافي فقط بفتوى بطرك اقباط مصر الاب شنودة التي اصدرها عام 1967 وحرم فيها على الاقباط زيارة القدس طالما هي محتلة وما زال الاقباط ملتزمون بهذه الفتوى رغم زيارة السادات وتوقيعه لمعاهدة الصلح مع اسرائيل ... اين موقع فتوى القذافي قياسا بفتوى الاب شنودة؟
ان هذه الزيارة الخيانة تعتبر آخر مسمار يدق في نعش البطولات الزائفة التي طالما ادعاها القذافي موهما البسطاء والسذج انه بطل عروبي وعالمي يخطط لتحرير فلسطين والاندلس والهنود الحمر!! ... انها زيارة العار التي يأمل القذافي منها ان ترضى عنه امريكا وحليفاتها وينسوا له جريمة (لوكربي) وغيرها وهذا ما لا نعتقده لان من ينصاع ويكع ويستجدي بطريقة القذافي لا بد ان يدفع اكثر واكثر ولا بد ان يستمر في خلع ملابسه قطعة قطعة حتى يصبح عاريا حتى من ورقة التوت فماذا في جيب وعقل القذافي بعد ؟ فلننتظر فهو كالحاوي عودنا على المفاجآت والاعاجيب!!