بعد التوقيع على اتفاقية رابين-عرفات
ما هو مستقبل الثقافة الوطنية الفلسطينية؟
بقلم : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1995



كان يوم الثالث عشر من ايلول سبتمبر 1993 يوما فاصلا في تاريخ القضية الفلسطينية لان توقيع اتفاقية سلام بين طرف فلسطيني وبين دولة الاحتلال الاسرائيلي يختلف جذريا عن اتفاقية الصلح المصرية الاسرائيلية التي وقعها السادات مع مناحيم بيجن عام 1979 لان توقيع الطرف الفلسطيني يعني ان اهل البلاد الاصليين واصحابها التاريخيين الشرعيين وقعوا اعترافا صريحا بالتنازل عن وطنهم وحقوقهم وهذا يعني تاريخيا انهم وحدهم الذين يتحملون مسؤولية ذلك امام العالم والتاريخ حاضرا ومستقبلا وهذا ما كانت تسعى له وتتمناه كافة الدول العربية فلم يكن اي نظام او حاكم يقبل ان يوقع نيابة عن الفلسطينيين ليسجل على نفسه انه هو الذي باع وفرط في حقوق تاريخية خاصة لان لهذه الحقوق بعدها الاسلامي من خلال ارتباط القدس والمسجد الاقصى وقبة الصخرة بوجدان مئات الملايين من المسلمين في كافة قارات العالم وهذا يفسر تبني غالبية الانظمة والحكام العرب المقولة (نقبل بما يقبل به الفلسطينيون).
الاتفاقية والمجال الثقافي
وكما حدث بعد توقيع اتفاقية الصلح المصرية-الاسرائيلية فان آثار وانعكاسات ونتائج اتفاقية رابين-عرفات لن تتوقف في الميدان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاستيطاني ولكن العديد من بنود الاتفاقية وملاحقها السرية نصت على شروط ثقافية يتوجب على الطرف الفلسطيني الموقع على الاتفاقية الالتزام بها وتنفيذ هذا الالتزام ميدانيا في ميادين الاعلام والثقافة والتربية والتعليم وبدون العودة لايراد بعض نصوص اتفاقية الصلح المصرية-الاسرائيلية فان مقارنتها ببعض ما ورد في اتفاقية رابين-عرفات لنا خطورة المقاصد والنوايا الاسرائيلية المستقبلية فالطرف الاسرائيلي حسب ما هو وارد في الاتفاقية وملاحقها لا يسعى لاتفاقية (سلام) او اتفاقية (ترتيبات امنية وانسحاب) فقط ولكنه يسعى لتهيئة الوجدان والعقل الفلسطيني - وبالتالي العربي- لقبول اسرائيل طرفا اساسيا وطبيعيا وتاريخيا وشرعيا في المنطقة العربية لذلك نصت ملاحق الاتفاقية على ما يلي:
* البند الثاني من الملحق (1) ينص على :" تنهي منظمة التحرير الفلسطينية كافة الحملات الاعلامية المعادية لاسرائيل وتتعهد بالعمل على ايقاف اية حملات سياسية ... الخ".
* البند الاول من الملحق (4) الخاص بالتعاون الاعلامي واكد البند السابق اذ نص على:" تتفق منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية على وقف الحملات العدائية الاسرائيلية الفلسطينية".
* البند الثالث من الملحق السابق نص على:" يتفق الطرفان على وقف حملات العداء لليهود وحقهم التاريخي بفلسطين وكذلك حملات العداء للصهيوينة العالمية".

ماذا تعني هذه البنود عند التطبيق؟
وكما حدث عقب توقيع اتفاقية الصلح المصرية-الاسرائيلية فان البنود المذكورة تستدعي العديد من الاجراءات والالتزامات المطلوبة من الطرف الفلسطيني واهمها:
1- وقف الحملات الاعلامية والفكرية ضد الدولة الاسرائيلية وضد الحركة الصهيونية والكف عن اعتبارها دولة احتلال وحركة عنصرية وفي السياق يتوقف الطرف الفلسطيني عن استعمال مصطلحي (العدو الاسرائيلي) او (دولة الاحتلال الاسرائيلي).
2- التوقف عن تفنيد ادعاءات اليهود المتعلقة بحقهم التاريخي في فلسطين اي الاقرار والاعتراف صراحة بهذا الحق اليهودي التاريخي-التوراتي.

وللالتزام بتنفيذ هذه البنود خاصة كما يفهمها الجانب الاسرائيلي وكما حدث فعلا في مصر عقب توقيع اتفاقية الصلح فان الطرف الفلسطيني مطالب بما يلي:
* تغيير مناهج التربية والتعليم والكتب والمقررات المستعملة في مدارس الارض المحتلة وجامعاتها كي يحذف منها كل ما يتعارض مع البنود المذكورة.
* التوقف عن تأليف ونشر كتب ومطبوعات جديدة تتعارض مع البنود السابقة فاية كتب او مطبوعات تصف اسرائيل بانها (عدو) او الحركة الصهيونية بانها (عنصرية) او تنكر الحق التاريخي القومي لليهود في فلسطين كلها مرفوضة وممنوعة.
* تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني لحذف وشطب كل الفقرات التي تطالب بتحرير فلسطين ودحر الاحتلال الاسرائيلي والكفاح المسلح وفي الاسابيع الماضية صدر اكثر من تصريح لاكثر من واحد من مستشاري عرفات اعلنوا صراحة عن نية قيادة المنظمة واستعدادها لتعديل الميثاق وقبل شهور قليلة كان عرفات نفسه قد صرح للتلفزيون الفرنسي مبديا استعداده لذلك وقد وصف الميثاق الوطني في تلك المقابلة بانه اصبح (قديما) و (باليا).

وهذا يعني ان الطفل والطالب الفلسطيني في كل مراحل التعليم الاولى والجامعي سيبدآن بتلقي معلومات جديدة مطلوب منها ان تشكل نفسية جديدة تتنكر تدريجيا للتاريخ والجغرافيا وتتناسى الاحتلال الاسرائيلي وعدم اعتباره احتلالا وعلينا ان لا نعتبر هذا من قبيل التحليل المفرط في المبالغة والتشاؤم فقد حدث هذا فعلا في مصر اذ تمت كتابة المناهج التعليمية من جديد وتمت غربلتها بدقة وقد حذف منها فعلا كل ما يسيء لليهود او يذكر دولة اسرائيل كعدو او كمحتل وحتى آيات القرآن الكريم التي تحرص على معاداة اليهود او تذكر مفاسدهم وانحرافاتهم فقد تم استبعادها من كل المناهج التعليمية سواء في المدارس او الجامعات.
وهذه التغييرات اللاوطنية ومحاولات التطبيع اللاعادلة هي التي حدت بالاحزاب والشخصيات الوطنية المصرية لتشكيل ما عرف ب(لجنة الدفاع عن الثقافة القومية في مصر) وذلك في اطار ورعاية حزب التجمع التقدمي الوحدوي الذي يرأسه خالد محيي الدين التي نشطت في مجال محاربة التطبيع اللاعادل ومحاولات طمس الشخصية القومية الوطنية في مصر وقد اصدرت اللجنة عشرات البيانات والنداءات وما تزال حتى الآن تصدر نشرتها الدورية باسم (المواجهة) وقد نجحت اللجنة ونشطاؤها من المثقفين المصريين مرات عديدة في منع اسرائيل في المشاركة في معرض الكتاب الدولي في القاهرة وما تزال تحرض على عدم الاتصال الثقافي والاعلامي والصحفي بين الكتاب المصريين والاسرائيليين.

ازاء ذلك ما المطلوب فلسطينيا؟
ان المسألة في الساحة الفلسطينية اكثر صعوبة وتعقيدا لان الكاتب والصحفي والمبدع الفلسطيني عاش من الاساس ومن البداية وهو يحمل حق التعبير عن طموحات شعبه في التحرير والعودة وحق تقرير المصير وقد وضعت غالبية نتاج هؤلاء الكتاب والمبدعين والباحثين في خدمة هذه الاهداف الوطنية هذا الجيل من الكتاب والمبدعين ماذا سيكتب الآن؟ انه تساؤل طبيعي ومنطقي لان الجميع يعرف ان غالبية كتبهم ومطبوعاتهم التي كتبت ضمن الاطار المذكور كانت وما تزال ممنوعة من التداول في داخل (دولة اسرائيل) والاراضي المحتلة وكذلك ممنوع اعادة طبعها ونشرها وتوزيعها فماذا سيكتب هؤلاء المبدعون الان؟
حتى لو بقي الكتاب والمبدعون الباحثون الفلسطينيون على ولائهم الوطني الوطني لشعبهم وقضيتهم فان سلطات منطقة الحكم الذاتي لن تسمح لهم بنشر هذه الكتابات لان طبيعة صياغة بنود الاتفاقية وملاحقها جعلت يد الدولة الاسرائيلية تطال الاشراف على كل الميادين ومحاسبة سلطات الحكم الذاتي على كل خروج عن روح هذه البنود آخذين في عين الاعتبار الصفة غير الديمقراطية لغالبية الاسماء التي تردد ذكرها في الاسابيع الماضية على انها سوق تتسلم مقاليد السلطة فيمنطقة الحكم الذاتي واغلبها من اجل البقاء في السلطة والصورة مستعد للتقيد بروح الاتفاقية وبنودها كما تريد اسرائيل ان لم يكن اكثر ...
ماذا سنكتب بعد الآن؟ انه سؤال مطروح على الكتاب والمبدعين والصحفيين والباحثين الفلسطينيين ولما كانت ثقافتنا القومية - الوطنية في خطر حقيقي يتوجب علينا جميعا الاسراع في تشكيل اللجان الوطنية للدفاع عن الثقافة القومية في فلسطين محاولين حماية النفسية الفلسطينية والعقل الفلسطيني للاجيال القادمة التي سوف تبدأ تلقي ثقافة مغايرة ومفاهيم مخالفة لما سبق تلقيه وتلقينه انها مرحلة خطيرة خطورتها في الميدان الثقافي والتربوي اشد الحاحا وتأثيرا في الحاضر والمستقبل وهذا يجعل مهمة الكتاب والمبدعين اصعب وعلينا جميعا ان ندرك بوضوح وصراحة ان غالبية ما كتبناه في نصف القرن الماضي شعرا ونثرا غير صالح للاستعمال في مناطق الحكم الذاتي واذا توفرت الفرصة لاستعمال وقراءة بعضه لدى الجيل النائ فان نتيجته ستكون الانفصام في شخصية هذا الجيل فكيف سيقرأون (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني او (القيامة) لرشاد شاور وعشرات الدواوين لعشرات الشعراء مثل محمود درويش وعز الدين المناصرة ومحمد القيسي وغيرهم وهي الاشعار التي تحث على الصمود والمقاومة ودحر الاحتلال وهم يعيشون في ظل سلطة فلسطينية اعترفت بالعدو وتنازلت عن حق العودة ومئات التنازلات الاخرى ... اي انفصام هذا الذي سيكون في شخصية الجيل الذي سينشأ في هذا الجو؟
لذلك فان المسألة الثقافية في هذا الاطار تحتاج الى مزيد من البحث وربما تضطلع جهة فلسطينية او عربية بالدعوة لندوات او مؤتمرات ثقافية تدرس هذه المسألة وتضع لها الحلول المناسبة كي لا يبقى الثقافي دوما ملحقا بالسياسي راضيا بمواقفه ونتائجها ومتفرجا فقط.