انصافا لمحمود درويش
بقلم : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1994



اثارت المقالة التي نشرتها تحت عنوان "مسؤولية الكاتب الفلسطيني ازاء المشهد السياسي الحالي" في العدد رقم 132 من (عرب تايمز) ردود متباينة كما لمست ذلك من نقاشات بعض الاصدقاء والكتاب لها وما نشره حولها البعض في بعض الصحف العربية الصادرة في اوروبا وقد اتفق كثيرون معي حول تشخيص لمواقف بسام ابو شريف بل كان بعضهم اكثر وضوحا وقسوة مني اما فيما يتعلق بما ورد في المقالة حول الشاعر الكبير محمود درويش فقد حاول البعض ان يفهم المقالة انها هجوم عليه فقط وفي ذلك قفز واضح متعمد لما ورد في المقالة لاغراض شتى خاصة ان العديد من كتابنا وصحفيينا لا يفهمون البشر الا من خلال خندقين متقابلين فلان دائما ضد فلان اما ان (فلان) يناقش (فلان) فهذا غير وارد عندهم ولذلك ىثرت العودة الى الموضوع مجددا وذلك لعدم اتاحة الفرصة لاحد ان يفهم ما ينشر حسب هواه او حسب اغراض شخصية يبتغيها وايضا انصافا لمحمود درويش والحقيقة.
محمود درويش ... الشاعر المبدع
قلت في المقالة بوضوح واكرر بوضوح اشد انه لا يختلف اثنان على محمود درويش بانه شاعر كبير ومن الرواد القلائل الذين اثروا الشعر العربي في الشكل والمضمون بل يتميز عن كثيرين من الشعراء بان معالجاته الشعرية المستمرة للقضية الوطنية الفلسطينية بتنويعاتها ومىسيها المختلفة لم توقعه في التكرار والمباشرة فقد كان دائما لديه القدرة على صياغة الحدث المأساة بشكل ومضمون جعل كتابته الشعرية - في اساسها- عملا تحريضيا مدركا دور الشعر وقدرته - بشكل وراثي- في تشكيل الوجدان الجمعي الفردي العربي وهذا ما جعل العديد من قصائده بدءا من "سجل انا عربي" ومرورا ب " بيروت خيمتنا" وانتهاءا ب"رسالة الى ملك الاحتضار" علامة وتاشيرا على مرحلة سياسية بأكملها لذلك فان ما ورد في مقالتي لا يخل بهذه المكانة الشعرية المتميزة لمحمود درويش ولكنه كان مجرد اشارة الى ان الذي كان متوقعا منه ازاء هذا المشهد السياسي الذي تتلاحق مناظره منذ سنوات اكثر مما سجله في ايحاءاته الشعرية المتعددة ثم ما يشبه الصمت الذي تلا استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهذا ليس انتقاصا لمحمود درويش بقدر ما هو اعتراف باهميته وتطلع لموقف منه في مستوى هذه الاهمية لان كلمة وموقفا يصدر من محمود درويش اهم بكثير من مواقف العديد من السياسيين.
الاستقالة التي جرى التعتيم عليها
وعودة الى استقالة محمود درويش من اللجنة التنفيذية التي اشرت الى بعض ملابساتها في مقالتي السابقة لا بد من التذكير بان نص هذه الاستقالة قد ناله شيء من التعتيم الاعلامي وحسب علمي فان اغلب وسائل الاعلام الفلسطينية والعربية تجاهلت - ربما عمدا- نشر نص هذه الاستقالة في حين اهتمت بها صحف غربية مثل (ليبراسيون) الفرنسية ... ان هذا النص سيلحق مستقبلا بنصوص محمود درويش الشعرية المهمة فقد شخص فيه بحساسة مسؤولة الازمة التي تعيشها منظمة التحرير ازمة الافلاس التي اوصلتها - عن عمد- الى الاتفاقية غير المسؤولة مع العدو الاسرائيلي وقد تجاهلت فيها حقوقا تاريخية ليس من حق احد التصرف فيها فاذا الموقعون يبيعون شعبا في مزاد خاسر كان المساومون فيه من الطرفين في عجلة من امرهم فواحد منهم لم يصدق ان الآخر يتنازل بهذه السهولة ويدين تاريخا يعبق بدم الشهداء ورائحة عرق الاسرى والمعتقلين وتعب ملايين اللاجئين والنازحين الذين لم يعودوا يتمتعوا حتر ب(امل) نظري كان يطلق عليهم اسم (العائدين) والآخر امته اضواء الشهرة والسلطة والحكم والنفوذ فقدم للاول تلك الدهشة والغرابة قافزا ببهلوانية عجيبة وغرائبية عن خمسة وسبعين عاما من الجغرافيا والتاريخ والتراث والفولكلور والشعر والحكايات الشعبية ... و ... و ..
جاء في نص استقالة محمود درويش
" انا ادعوكم الى تمحيص النظر في المنظمة كل مؤسساتها وخدماتها ومكاتبها تعاني من البطالة وتم بيعها في مزادات علنية لقد دفعنا بجيلين كاملين الى الموت في صراعنا من اجل السلام والاستقلال والان نحن نتخلى عنهم ان شهداءنا لم يكونوا في يوم من الايام اغبياء كما يؤكد بعض النفوس الساخرة بل كانوا على حق نحن الذين ندين لهم بكل شيء غير قادرين على تقديم اية اجابة على الاسئلة التي تتعلق بمستقبل اولادهم".
" ما سوف اقوله يصدم الجميع ان المنظمة بتشكيلها واطرها وكوادرها ومضمونها ايضا هذه المنظمة توقفت عن الوجود وهو ما يجب ان تعترفوا به وتقرروا النتائج عليكم ان تستغينوا بكل وسائل التخيل والتصور لتحديد من سيحل محلها لمواصلة عملها دون حزن او تشف فيها".
" ان آخر عمل قامت به المنظمة هو التوقيع على الاتفاق مع اسرائيل وبتوقيعها على هذا الاتفاق تتحول المنظمة الى سيء آخر ما هو هذا (الشيء الآخر)؟ ادعوكم الى التفكير في ذلك منذ الان والتفكير في مصير الكوادر التي تعيش حالة تمزق".
وبعد ان يطرح محمود درويش مجموعة تساؤلات تتعلق بمضمون الاتفاق مع اسرائيل وكلها تساؤلات تصب في خانة رفض هذا الاتفاق مجهول الملامح غامض المستقبل يقول:
" كل هذه الاسئلة تدفعني الى الاعتقاد باننا نندفع نحو مخاطرة تاريخية اخشى من فشلها ومن نتائجها القومية المدمرة هذه المخاطرة قد تقود الى كارثة ان ضميري لا يسمح لي بالمشاركة في هذا القرار المليء بالمخاطر لذا اتقدم باستقالتي من لجنة التشاور واضع نفسي في خدمة الشعب الفلسطيني ولخدمة مصالحه القومية العليا".

رسالة الى ملك الاحتضار
وفي هذا السياق يجيء نصه الشعري الرائع "رسالة الى ملك الاحتضار" التي اعتقد انه كتبها قبل التوقيع-الكارثة ورغم ذلك فقد جاءت نصا تساؤليا تحريضيا يسجل لمرحلة فاصلة في التاريخ الفلسطيني معيدة للشعر دوره التاريخي في عدم القفز عن هكذا فواصل مهمة في مسيرة الفرد والجماعة فاذا الجملة الشعرية زفرة لانسان قرروا هزيمته رغم ان نتيجة معركته لم تظهر بعد وتصل القصيدة الى ذروتها عبر تساؤلات استنكارية واستعادات لتاريخ مأساوي تبدو المرحلة الان انها على مشارف جديدة من المأساة ذاتها وان كانت بتلاوين مغايرة:
للحقيقة مجهان والثلج اسود فوق مدينتنا
لم نعد قادرين على اليأس اكثر مما يئسنا
والنهاية تمشي الى
السور واثقة من خطاها
فوق هذا البلاط المبلل بالدمع واثقة من
خطاها
من سينزل اعلامنا نحن ام هم؟ ومن
سوف يتلو علينا (معاهدة الصلح) يا ملك الاحتضار؟

انه التساؤل او الحوار بين الذات والذات والذات والآخر فالآخر لم يفرض لا معاهدة ولا هزيمة ولكن الذات نفسها قررت هزيمتها قبل قرار الآخر اما السبب
"لم تقاتل لانك تخشى الشهادة لكن
عرشك نعشك
فاحمل النعش كي تحفظ العرش يا ملك
الانتظار"

انه التاريخ الذي قالوا انه يعيد نفسه مرة على شكل (مأساة) واخرى على شكل (مسخرة) ومحمود درويش يعرف ببراعة المبدع المقتدر كيف يتمثل هذا التاريخ الذي بدأ بالشهادة المأساة وانتهى بالتوقيع المسخرة:
" مذ قبلت (معاهدة الصلح) لم يبق لي حاضر
كي امر غدا قرب امسي سترفع قشتالة
تاجها فوق مئذنة الله اسمع خشخشة للمفاتيح في
باب تاريخنا الذهبي وداعا لتاريخنا هل انا من
سيغلق باب السماء الاخير انا زفرة العربي الاخيرة"

انه محمود درويش شاعر التراجيديا الفلسطينية الذي ما تأخر يوما عن الاحساس الصادق بنبض الشعب وتسجيل الفاصل والقاطع من تاريخه ...
ولعلي بذلك اكون قد اوضحت بجلاء لا لبس فيه دور الشاعر ومكانته التي هي اساسا ليست بحاجة لهذه الشهادة وهذا التوضيح.