قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية الاردنية
بقلم : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1994



كانت الانتخابات البرلمانية الاردنية عام 1989 تدشينا لعهد جديد في الاردن تميز بتأسيس اطر محدودة للمشاركة الديمقراطية التي اوصلت للبرلمان في دورته السابقة نوايا لم يكن يتصور احد ان يصلوا الى قبة البرلمان اما لانهم تميزوا بمعارضتهم للحكومة فكان التصور ان تعمل الحكومة من اجل عدم وصولهم او لانهم لا علاقات شعبية واسعة لهم توصلوا للبرلمان ومع ذلك وصلوا مما دلل آنذاك على ان الحكومة وقفت موقفا محايدا نزيها من الانتخابات وقد عوض هؤلاء النواب محدودية علاقاتهم الشعبية اي رغبة الشعب في ايصالهم للبرلمان عن طريق التسلق او الاتكاء على ما عرف باسم (القوائم) فهناك مثلا قائمة لسبعة مرشحين اقوياء ومرغوبين جماهيريا اضيف اليها اثنان من المرشحين غير المعروفين او غير المرغوبين فلما كان التصويت للقائمة بكاملها نجح الاثنان الضعيفان المجهولان على حساب وسمعة السبعة الاقوياء وهذا النظام الانتخابي اوصل لقبة البرلمان نوابا ما كانوا يستحقون مطلقا الوصول اليها والغريب في هذا الامر وللتدليل على عدم دقة نظام القوائم فان بعض الماركسين او المتمركسين قد نجحوا على لوائح الاسلاميين اي ان جمهورا من النابين الاسلاميين صوت لهؤلاء الماركسيين وه يعرف هويتهم ولا يحبهم ويتمنى فشلهم ولكن جمهور الاسلاميين لانه اعطى اصواته لقائمة كاملة فقد نجح هذا البعض تسللا من خلال قوائم الاخرين.

صوت ناخب واحد لمرشح واحد
ولما قامت الحكومة بتعديدل قانون الانتخابات حيث الغي العمل بنظام القوائم واصبح - حسب القانون الجديد- من حق كل ناخب ان يعطي صوته لمرشح واحد فقط في دائرته الانتخابية اعترض كثيرون افرادا وجماعات لانهم كانوا يعرفونمسبقا ان هذا القانون ليس في مصلحتهم رغم انهم يعرفون ان هذا النظام (صوت ناخب واحد لمرشح واحد فقط) هو اساس الديمقراطية الغربية التي اقتبسنا منها تجربتنا البرلمانية والتي طالما طالبنا الحكومة بضرورة تعميمها في بلادنا وهو النظام الذي ما زال معمولا به في اغلب الديمقراطيات الغربية وفي مقدمتها (بريطانيا) صاحبة اعرق تجربة ديمقراطية في الشرق والغرب.
وفي الوقت ذاته وافق بحماس على هذا التعديل المرشحون المتأكدون من قدرتهم على الفوز وهذا ما عنى في حينه انه طالما هناك مرشحون مع التعديل ومرشحون ضده فهو اجراء ديمقراطي لهذا السبب ولانه - كما ذكرنا- نظام ديمقراطي عربي عريق واذا اردنا تقليب المسألة على وجوهها المختلفة فان نظام الصوت الواحد لمرشح واحد هو الاكثر ديمقراطية والاقدر على اتاحة الفرص الاوسع كي يختار الناخب المرشح الذي يعرفه فعلا ويعرف قدراته وقدرتهعلى خدمة دائرته الانتخابية لانه عندما يصوت لقائمة بكاملها فهو يعطي صوته لمن يعرف ويثق ومن لا يعرف ولا يثق وخير تعبير عن ذلك هو موقف ناخب في احدى دوائر عمان عندما اصر على اعطاء صوته لثلاثة مرشحين رغم محاولة مسؤول الصندوق افهامه ان القانون الجديد لا يسمح بذلك وان عليه ان يختار مرشح واحد فقط رفضالناخب ذلك قائلا:" لا استطيع فالثلاثة اقاربي ولست مستعدا لاغضاب واحد منهم فاما ان اعطي صوتي للثلاثة او احجبه عن الثلاثة " وفعلا خرج دون ان يصوت لاحد ان هذا الناخب- كعينة- لو استطاع التخلص من تأثيرات صلة القرابة لدرس المرشحين الثلاثة واختار الافضل منهم لانه لا يمكن ابدا ان يكون الثلاثة في نفس المستوى من حيث القدرة والنزاهة والتجربة.

الدروس المستفادة من نتائج الانتخابات
وعلى تلك القاعدة المذكورة سابقا وضمن تلك الاجواء والحيثيات جرت اول انتخابات اردنية منذ عام 1957 على اساس التعددية الحزبية والسياسية وثاني انتخابات بعد ممارسة التجربة الديمقراطية عام 1989 ان دراسة نتائج هذه الانتخابات تؤشر على مجموعة من الدروس والعبر اهمها:
1- تراجع شعبية الحركة الاسلامية
اذا كانت نتائج اي انتخابات برلمانية في اية دولة مقياسا لمزاج الشعب ورغبته فان نتائج الانتخابات الاردنية الاخيرة تعبر بوضوح عن فشل وتراجع شعبية الحركة الاسلامية في الشارع الاردني خاصة اذا ذكرنا انها الحركة الحزبية الوحيدة في الاردن التي كانت تتمتع بحركة الحركة العلنية في الاربعين عاما الماضية اي قبل اقرار شرعية التعددية السياسية بحوالي اربعة عقود لان الحركة الاسلامية الحالية بكل تجمعاتها وانشطاراتها قامت على قاعدة وخلفية (جماعة الاخوان المسلمين) التي لم يحظر اي نشاط لها في الاردن وكانت لها مكاتبها العلنية وصحفها ومجلاتها المعروفة والمنتشرة فقد فازت الحركة الاسلامية في هذه الانتخابات ب(16) مقعدا من اصل (36) مرشحا باسم (جبهة العمل الاسلامي) الى جانب فوز2 مرشحين اسلاميين مستقلين هذا في حين انها كانت في مجلس النواب السابق تتمتع بحرية حركة اكثر من خلال وجود ما يزيد على (30) نائبا لها ولحلفائها من بين ال(80) نائبا المجموع الكلي لاعضاء البرلمان وضمن هذا السياق فقد فشل في الوصول الى البرلمان رموز مهمة للحركة الاسلامية مثل الدكتور عبد اللطيف عربيات رئيس المجلس السابق والدكتور محمد ابو فارس لذلك فقد وصف الدكتور اسحق الفرحان الامين العام لجبهة العمل الاسلامي هذا الفشل والتراجع في مؤتمره الصحفي يوم الاربعاء 10-11-93 في عمان بانه -الفشل- مؤلم وحاول تعزية جبهته من خلال القول بان " هذا التراجع هو تراجع اعلامي فقط وان الارقام تؤكد عكس ذلك لانها تشير الى ان هناك تقدما على ارض الواقع اذا استطاعت الجبهة ان تخترق دوائر لم تخترقها الحركة الاسلامية من قبل كالدائرة الثالثة التي فاز بالمرتبة الاولى فيها مرشح الجبهة وكذلك كان النجاح لاول مرة في دائرتي عجلون وجرش وفي تحليل الدكتور اسحق الفرحان هذا مجافاة للحقيقة لان لغة الارقام - التي يحاول الاعتماد عليها- تقول عكس ذلك تماما لان عدد نواب الجبهة الاسلامية تراجع من 30 نائبا في البرلمان السابق الى حوالي 18 نائبا في البرلمان الحالي فكيف يمكن اعتبار ذلك نجاحا كما ان اختراق دوائر للمرة الاولى لا يعتبر نجاحا مطلقا في ظل التراجع الكبير في دوائره العديد اخرى اما سبب تراجع الحركة الاسلامية بهذه النسبة الكبيرة فهو يحتاج الى دراسة مستقلة.
2- فشل الاحزاب والحركات السياسية التقليدية
الدرس الثاني المستفاد من نتائج الانتخابات الاردنية هو عدم ثقة الشعب بشكل مطلق في الاحزاب السياسية التقليدية التي عرفتها الساحة الاردنية طوال الاربعين عاما السابقة فقد فشل في الوصول الى المجلس اغلب رؤساء هذه الاحزاب ومنهم الدكتور يعقوب زيادين (الحزب الشيوعي الاردني) وعيسى مدانات (الحزب التقدمي الاشتراكي احد انشقاقات الحزب الشيوعي الاردني) كذلك فشلت القائمة الموحدة لحزبي الوحدة الشعبية الديمقراطي الاردني (وحدة) وحزب الشعب الديمقراطي الاردني (حشد) التي رشحت ستة مرشحين باسم الكتلة التقدمية الموحدة وقد فشل خمسة من هذه القوائم وهم: الدكتور سعيد ذياب وسالم النخاس وطارق الحجاوي وجميل النمري وفاز من هذه القائمة مرشح واحد فقط هو بسام حدادين عن المقعد المسيحي في محافظة الزرقاء وهذا درس ليس مؤلما ولكنه مفيد لان قادة هذه الاحزاب ينبغي مراجعة برامج احزابهم وممارساتهم على ارض الواقع لان حزبا مثل الحزب الشيوعي الاردني يعجز خلال خمسين عاما من عمره وللمرة الثانية من ايصال امينه العام يعقوب زيادين لمجلس النواب دليل - لا نقاش فيه- على ان هذا الحزب لا جماهير ولا شعبية له مطلقا لان هناك غالبية من النواب الجدد وصلوا للبرلمان باصوات تترامح بين 2500 و 3000 صوت كمعدل وهذا يعني ان حزبا مثل الحزب الشيوعي الاردني يعجز عن حشد 2500 ناخب مؤيد وبالتالي يكون السؤال المنطقي ما هو مبرر وجود هذا الحزب؟ وهذا ينطبق على احزاب اخرى مثل حزب البعث بكافة انشقاقاته اما فيما يتعلق بفشل حزبي (عهد) و (حشد) فبالاضافة الى ذلك فاعتقد ان غالبية الجماهير ما تزال تحسبهما امتدادات للجبهة الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين رغم ترخيصهما كاحزاب اردنية وباسماء جديدة.
وفي هذه المسألة تفاصيل ونتائج اخرى لانه اذا افترضنا جدلا ان جماهير هذين الحزبين ستكون في الاوساط الاردنية ذات الاصول الفلسطينية وفي المخيمات والتجمعات الفلسطينية فان هذا لا يعدل في النتيجة المؤلمة والفشل الذريع الذي واجهته هذه الاحزاب لان غالبية الاصوات الفلسطينية كانت من نصيب الاسلاميين اذ من بين النواب ال13 من اصل فلسطيني في المجلس انتخب ثمانية نواب باسم جبهة العمل الاسلامي كما كان نجاح الثمانية في مناطق لعب فيها الصوت الفلسطيني الدور الحاسم والمؤثر وهذا له مدلولة فيما يتعلق بتوجه الناخب الفلسطيني ورؤيته لحركة (حماس) تحديدا في موقفها المعارض لتوجهات المرحلة السياسية.
3- تراجع النفوذ العشائري التقليدي
الدرس الثالث المستفاد من نتائج الانتخابات الاردنية هو عدم الحماس الشعبي للنفوذ العشائري التقليدي رغم رسوخ هذا النفوذ في داخل شرائح المجتمع الاردني وهذا يدلل على محاولات جادة لدى هذه الشرائح للانطلاق نحو مفاهيم اكثر تقدما وجدوى تصب في خدمة هدف (الرجل المناسب في المكان المناسب) ويكتسب هذا الدرس اهميته من عدم صحة التحليل الذي تبناه العديد من المرشحين والاحزاب حول ان نظام الانتخاب الجديد (صوت ناخب واحد لمرشح واحد) سيخدم مصلحة العشائر فقط فقد كانت النتيجة عكس ذلك وغاب عن المجلس الجديد وجوه برلمانية وعشائرية عريقة لا يختلف اثنان على ثقلها ووزنها العشائري مثل الشيخ فيصل الجازي من عشائر محافظة معان كما فشلت عشائر معروفة مثل العدوان التي قدمت اربعة مرشحين لم ينجح اي واحد منهم وكذلك عشيرة الحياري في محافظة البلقاء نفسها وايضا عشائر بني حسن في محافظة الزرقاء و الطراونة في محافظة الكرك واعتقد ان هذه نتيجة تحسب لصالح تقدم الوعي في اوساط المجتمع الاردني لانه بالاضافة لذلك فان بعض ابناء العشائر الذين وصلوا للمجلس الجديد ساعدهم في ذلك انتماؤهم الفكري والسياسي اكثر من الانتماء العشائري بدليل انه في بعض العشائر فازت خبرات شابة مقابل فشل الشخصيات العشائرية التقليدية.
4- فشل الكتاب والصحفيين
الدرس الرابع المستفاد من نتائج الانتخابات الاردنية هو ان قطاع الصحفيين والكتاب فشل فشلا ذريعا في الوصول بثقل للمجلس الجديد فمن بين تسعة صحفيين وكتاب رشحوا انفسهم للانتخابات فاز واحد فقط هو الصحفي طه الهباهبة واعتقد ان فوزه كان ليس لكونه صحفيا ولكن لانه ترشح عن حزب (العهد) الذي يتمتع بثقل وانتشار واسعين حيث فاز ايضا امينه العام المهندس عبد الهادي المجالي بينما فشل ثمانية من الكتاب والصحفيين هم فخري قعوار صالح قلاب طاهر العدوان جورج حداد جهاد جبارة فتحي صنوبر سلامة العكور وحسن التل وكان صحفي آخر هو رياض الحروب رئيس تحرير مجلة شيحان قد سحب ترشيحه قبل ايام من الانتخابات وهذه النتيجة لها مغزاها ودلالاتها وهي تحتاج للتأمل والنظر لاستكشاف مدى فاعلية الكلمة في المجتمع الاردني ونظرة المجتمع لقطاع الصحفيين والكتاب الذين يطل العديد منهم كل صباح على القراء من خلال صحيفة او مجلة.
ان الانتخابات الاردنية الاخيرة وما حملته من نتائج ودروس ستشكل علامة بارزة في مسيرة المجتمع الاردني وتحديدا في المجال والمستقبل السياسي اذ ان حركة الحكومة الاردنية ستصبح اكثر سهولة ومرونة مدعومة في ذلك بممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا وهذه رسالة مهمة للانظمة العربية لانه ليس دائما تأتي الديمقراطية بنتائج عكس توجهاتهم السياسية وهذا يعني انهم بالديمقراطية يكسبون اكثر مما يكسبونه عن طريق مصادرة الحريات الديمقراطية.