|
مشروع غزة اريحا
بداية لدحر الاحتلال ام بداية لتصفية القضية؟
بقلم : الدكتور احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1993
يبدو حسب تواتر الاخبار والمعلومات في الايام القليلة الماضية فانه ربما يعلن
خلال جولة المفاوضات العربية-الاسرائيلية التي بدات في واشنطن يوم الثلاثاء
31-8-93 عن اتفاق فلسطيني-اسرائيلي حول البدء بتنفيذ مشروع او خيار غزة-اريحا
الخاص بتجربة ميدانية للحكم الذاتي في مدينتي غزة واريحا لمدة ثلاث سنوات
تجريبية وقد زاد من دفع وتواتر المعلومات تفاؤل السلطات النرويجية التي رعت
الاجتماع بين شمعون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي ووفد فلسطيني برئاسة محمود
عباس يوم الجمعة 20-8-93 في العاصمة النرويجية (اوسلو) كما صرح بذلك وزير
خارجيتها يوهان يورجان في مؤتمره الصحفي يوم الاثنين 30-8-93 وقد عرف ان
الاجتماع تم بترتيب ورعاية وزير الخاجية النرويجي السابق ستين اندرسون وحضره من
الجانب الاسرائيلي شمعون بيريز ومدير عام وزارة الخارجية ومن الجانب الفلسطيني
محمود عباس وياسر عبد ربه واحمد قريع (ابو علاء) وقد عاد الوفدان الاسرائيلي
والفلسطيني للاجتماع مجددا في اوسلو بالنرويج يومي 31-8 و 1-9 مما يثبت ان
انضاج المشروع يتم في هذه الاجتماعات شبه السرية وليس في اجتماعات واشنطن شبه
العلنية لذلك سوف نناقش هذا المشروع بشكل نظري مجرد سواء تم توقيعه - عند صدور
هذا العدد من المجلة- ام لم يوقع بعد لان المشروع كما اذيعت بنوده سواء بالفهم
الاسرائيلي ام بالفهم الفلسطيني فهو من المشروعات الخطيرة التي تمس حاضر
ومستقبل الشعب والقضية الفلسطينية.
بدايات هذا المشروع - الخيار
من الواضح ان بداية هذا المشروع كانت من الاوساط الاسرائيلية التي تحدثت قبل
خمسة شهور بسبب تصاعد الانتفاضة عن انسحاب اسرائيلي من قطاع غزة من طرف واحد
لان اسرائيل لم تعد قادرة على ضبط الاوضاع في القطاع المتفجر الذي اصبح هما
يوميا يضاعف من خسائرها البشرية والاقتصادية مما اضطرها الى اغلاق القطاع بشكل
تام هذا الاغلاق الذي قارب الان على شهوره الستة ثم تلقف ياسر عرفات هذا الحكي
الاسرائيلي غير الرسمي فصرح لجريدة يديعوت احرونوت (12-6-93) بالهاتف من مقره
في تونس قائلا:" فليعلم اسحق رابين انني اوافق على حكم قطاع غزة وحده شرط ان
يعطيني جزءا بسيطا من الضفة الغربية كي لا يقول اهلها انني بعتها من اجل قطاع
غزة وعندئذ سوف تعرف اسرائيل انني الوحيد القادر على ضبط الامن والنظام في
القطاع كما ضبطته سنوات عديدة في بيروت رغم وجود عشرات الميليشيات المسلحة
فيها".
وقد تلقى الشارع الفلسطيني تصريحات عرفات آنذاك هذه بشيء من الدهشة لانه يسوق
نفسه امام اسحق رابين بانه الوحيد القادر على حفظ النظام وضبط الامن اللذين
استعصيا على رابين رغم كل آلته العسكرية الموجهة نحو القطاع وشعبه كما رأت بعض
الاوساط خاصة حركة حماس ان هذا التصريح يجمل في طياته نوايا عرفات المستقبلية
التي سوف تقمع بشدة كل الاصوات التي ستعارض خطواته التفاوضية مع العدو
الاسرائيلي اما شفيق الحوت مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت فقد
صرح متمنيا ان يكون هذا التصريح لم يصدر عن عرفات لانه لا يسئء لشعبنا
الفلسطيني فقط ولكنه يفتح جراحات الشعب اللبناني التي نعمل من اجل نسيانها
وطمرها ويبدو ان تخوفات حركة حماس لم تكن من فراغ بدليل ان الدكتور حيدر عبد
الشافي رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض عقب على احتمال انسحاب اسرائيل من قطاع
غزة من طرف واحد بقوله:" اذا فعلت اسرائيل ذلك فانها ترتكب جريمة ابشع من جريمة
الاحتلال" وقد كان واضحا ان يعني الاقتتال الذي سيعفب انسحابها.
مضمون هذا المشروع
عقب ذلك توالت الاجتماعات الفلسطينية-الاسرائيلية في القاهرة ثم توجت بلقاء
(اوسلو) المذكور واللاحق تتبلور عن 0خيار غزة-اريحا) الذي هو في حد ذاته مضمون
واحد لا يختلف فيه كثيرا المفهوم الاسرائيلي مع ملاحظة ان الجانب الاسرائيلي هو
الاوضح زالاصدق مع شعبه لان الجانب الفلسطيني - للاسف - تختلف تفسيراته من
تصريح الى آخر خاصة في ظل الغرام-الشبق بالتصريحات فمن حنان عشراوي الى نبيل
شعث الى بسام ابو شريف الى فيصل الحسيني الى حسن عبد الرحمن الى ياسر عبد ربه
الى محمود عباس نجد انفسنا امام ثماني مشروعات وليس مشروعا واحد ولكن عند
التدقيق في كل هذه المشروعات نجد ان خلافها مع المشروع والفهم الاسرائيلي خلاف
شكلي ينصب على الالفاظ ولا يتعداها الى المضمون لذلك فان هذا المشروع-الخيار
غزة-اريحا ينص على:
1- جعل منطقة اريحا في الضفة الغربية ومنطقة قطاع غزة مشروعين نموذجيين لاختبار
الحكم الذاتي الفلسطيني.
2- يعتبر هذا المشروع نموذجا لوحدتين من الاراضي يتم فيها اختبار صيغة 0الحكم
الذاتي) وقبل التفكير في تطبيقه في بقية الاراضي المحتلة.
3- تم اختيار اريحا لانه لا توجد قربها مستوطنات اسرائيلية.
4- عند تطبيق الحكم الذاتي في هذين المنطقتين لن تكونا مغلقتين في وجه
الاسرائيليين وبامكانها دخولهما في اي وقت.
وبداية لا بد من ملاحظة عدة تحفظات على هذا المشروع الاولي آخذين بعين الاعتبار
كل الاضافات الفلسطينية التي تحاول تجميله واضافة (تحسينات) عليه:
1- ان هذا المشروع يعتبر تطبيقه في غزة واريحا مسألة تجريبية لمدة ثلاث سنوات
وفي الجانب الاسرائيلي يفهمون بصراحة انها فترة تجريبية للتأكد من صلاحية
الفلسطينيين وقدراتهم على حفظ النظام في هاتين المنطقتين قبل التفكير في تطبيقه
على بقية المناطق المحتلة وسوف يكون انسحاب الجيش الاسرائيلي من داخل الدينتين
فقط ويكون مرابطا على حدودهما للتدخل اذا لزم الامر لدعم ومساعدة الشرطة
الفلسطينية التي تم تدريبها في الاردن والتي ستدعم بوحدات من جيش التحرير
(سابقا) الفلسطيني.
2- ان هذا المشروع لا يذكر مسألة القدس مطلقا فالجانب الاسرائيلي يرفض مجرد
ذكرها رغم ادعاء الجانب الفلسطيني امكانية طرحها في المرحلة القادمة اي بعد
الفترة التجريبية الاولى المقدرة بثلاث سنوات.
3- ان هذا المشروع من وجهة نظر الجانب الاسرائيلي يعتبر ان تطبيق هذا الحكم
الذاتي في المدينتين المذكورتين يشمل المسائل الادارية مثل الصحة والتعليم
والمجاري والخدمات الاخرى ولا يتعلق بمسائل مثل الامور الخارجية.
4- ان هذا المشروع لا يتطرق ابدا لمستقبل هاتين المدينتين بع فترة السنوات
الثلاثة ولا لمستقبل بقية الاراضي المحتلة التي من المفترض ان يطبق فيها نفس
الحكم الذاتي اذا ثبت نجاحه في هاتين المدينتين وبوضوح فهو لم يتطرق لمسألة
(الاستقلال الوطني) مذكرين ان الاستراتيجية الاسرائيلية والامريكية ترفض بوضوح
من الاساس نقاش موضوع دولة فلسطينية مستقلة,
تكهنات تتبع التحفظات
ازاء ذلك فان هذه التحفظات المبدئية يعقبها تخوفات اكيدة ومصدرها دوما الطرف
الاسرائيلي خاصة موقفه من التطورات والمتوقعات بعد وضع الاتفاق موضع التنفيذ
واهم هذه التخوفات ما يلي:
1- ان الجانب الاسرائيلي سوف يوفر الجزء الاساسي من قوته العسكرية والامنية
التي كانت وما تزال متفرغة لقمع الانتفاضة في قطاع غزة اذ انه حسب الاتفاق سوف
تتولى قوات شرطة فلسطينية مسؤولية حفظ النظام في القطاعواريحا وهذا يعني بوضوح
لا يقبل الجدل او المراوغة تحديدا من الجانب الفلسطيني انه من غير المسموح
مطلقا تعرض قوات الجيش الاسرائيلي المرابطة خارج هاتين المدينتين لاية عملية
عسكرية حتى لو (رمى حجارة) والا فان الجانب الفلسطيني سيثبت عندئذ انه غير قادر
على مسؤولية حفظ الامن وسوف يتخذ الجانب الاسرائيلي هذا ذريعة لموقف من اثنين :
اعادة دخول قواته العسكرية لداخل المدينتين لتدعيم قوة الشرطة الفلسطينية وهذا
يعني تحالف اسرائيلي مع (طرف فلسطيني) لقمع الغالبية الفلسطينية الرافضة
للاتفاق والمطالبة باستمرار المقاومة وهذا سيجعلنا نواجه حالة شبيهة بوضع جيش
لبنان الجنوبي المتحالف مع اسرائيل علنا ضد المقاومة الوطنية اللبنانية.
او ان تتخذ اسرائيل ذلك ذريعة للانقلاب على الاتفاق وعودتها للامساك مباشرة بكل
امور المدينتين لتطرح امام العالم فشل المسؤولية الفلسطينية في حفظ النظام في
(مدينتين9 فكيف يمكن الاطمئنان للامن في كافة الضفة الغربية اذا سلمت لهم
والرأي العام العالمي المؤيد بطبعه لاسرائيل ومواقفها سيجد اننا شعب غير مؤهل
للحرية والاستقلال والامن والنظام والانضباط مما يعني انتهاء اي تعاطف دولي مع
قضيتنا.
2- ان الجانب الفلسطيني غير موحد المواقف من هذا الاتفاق ونستطيع القول
بموضوعية ان نسبة المعارضة الان اكثر بكثير من نسبة الموافقة لان استطلاعا
للرأي العام في قطاع غزة 31-8-93 - وهو القطاع المعني بالمشروع- اثبت ان 66% من
شعب القطاع ضد المشروع وانهم لا يثقون بقيادة ياسر عرفات ولا يمكن الطعن في
نتائج هذا الاستفتاء فقد اجرته مؤسسة (بيسان) الفلسطينية القريبة من منظمة
التحرير الفلسطينية.
لذلك فان مخاوف ومخاطر الاقتتال الفلسطيني واردة وعلينا ان نتملك قدرا كبيرا من
الجرأة للقول ان الشارع الفلسطيني مهيء بنسبة عالية لهذا الاقتتال خاصة بعد
تهديدات احمد جبريل (الجبهة الشعبية-القيادة العامة) باغتيال ياسر عرفات اذا
اقدم على القبول بهذا المشروع وعلينا ان لا ننسى اقتتال حماس وفتح في قطاع غزة
قبل شهور قليلة دون وجود مثل هذا المشروع فما هو المتوقع عند قبول طرف فلسطيني
بهذا المشروع؟ ان هذا ليس تشاؤما ولس تنجيما في عالم الغيب ولكنه استقراء جريء
للواقع الفلسطيني من واجبنا التنبيه له في محاولة لمنع وقوعه.
هل يمكن وقف هذه المخاطر؟
لا يمكن منع هذه المخاطر المتوقعة الا بالعودة للممارسة الديمقراطية الحقيقية
كي يكون اي مشروع او خيار قد حاز على موافقة الاغلبية بشكل حقيقي وديمقراطي قبل
الموافقة عليه وهذا يستدعي اعادة النظر في بنية المؤسسات الفلسطينية لانه ان
حصلت موافقة اغلبية المجلس الوطني الفلسطيني الحالي على هذا المشروع فهذا لا
يعني ابدا (ممارسة ديمقراطية) لان المجلس الوطني الحالي هو (حالة عرفاتية) في
اغلبه لان فتح-عرفات هي التي عينت اغلب اعضائه فليس من حق احد ان يستغبي عقولنا
ويتغنى بالمؤسسات الديمقراطية خاصة السيدة حنان عشراوي التي مسها هذه الايام
شيطان (هوس ديمقراطي) لا مثيل له من كثرة ما تغزلت لاعودة للمؤسسات الديمقراطية
التي كلنا نعرف كيف تشكلت ومن عين اعضاءها وكيف يشتري اصواتهم ويسيرهم اسهل من
نقل قطع الشطرنج.
استنتاجا نقول: ان هؤلاء المفاوضين الفلسطينيين سواء في اوسلو او واشنطن فعلا
وحقيقة لا يملكون حق التفاوض عن الشعب الفلسطيني مهما كانت نتائج مفاوضاتهم وهم
ان اقدموا ومعهم ياسر عرفات على القبول بهذا المشروع-المسخ فانهم يفتحون
الابواب الفلسطينية امام كل الاحتمالات خاصة السيئة وربما الدموية ويكفي
التذكير بان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها يوم
31-8-93 في تونس صوت (11) من اعضائها ضد هذا المشروع ولم يقبل به سوى (3) اعضاء
هم ياسر عرفات ومحمود عباس وياسر عبد ربهفاين الديمقراطية اذن طالما الاغلبية
المطلقة ضد المشروع وتصر الاقلية 0المطلقة) على السير فيه؟ هذا السؤال نتوجه به
لكل الذين يستغبون شعبنا بحديثهم وغزلهم الكاذب ب (المؤسسات الديمقراطية) خاصة
الديمقراطيان جدا حنان شعراوي ونبيل شعث .... تلك هي المخاطر والوطنيون فعلا هم
من يسعون لتفاديها ... اللهم اني بلغت ... وهل يكفي الدعاء في هذه الحالة!!
|