كلمة حق بحق الشيخ زايد
عن الشيخ زايد والحكام العرب
دعوة للنظر والمقارنة فقط
بقلم : الدكتور احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في عرب تايمز عام 1993



لفت انتباهي في الاعداد الاخيرة من "عرب تايمز" اتساع هامش حرية الرأي والتعبير واعطاء الفرصة واسعة للرأي ونقيضه فطالما النقاش يتم داخل حدود الموضوعية فالحكم للقارئ الذي اصبح ليس من السهل استغفاله والضحك عليه فهو قادر على التمييز والفحص بدليل هذا السيل من بريد ورسائل القراء التي تنشر في كل عدد ناقدة لرأي كاتب من كتاب المجلة او مؤيدة لرأي كاتب آخر وهذه ميزة قل ان تسمح بها مئات الصحف والمجلات العربية.

ديمقراطية عرب تايمز ... غوغائية عبد الناصر
وضمن حدود هذه الديمقراطية المتاحة في "عرب تايمز" تناولت المجلة في اعدادها الاخيرة الشيخ زايد ب سلطان ىل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة باكثر من موضوع توزعت بين الثناء والشكر والتقدير والنقد الحاد واللوم الجارح وقد اسهم في تلك الكتابات اقلام عدة من بينها الزميل الدكتور اسامة فوزي وقد اعادتني هذه الكتابات للتمعن في مسألة هامة واساسية وهي كيف ينبغي ان تكون نظرتنا وحكمنا للانظمة العربية والحكام العرب؟ وما هي معايير تصنيفهم؟ مذكرين ان نظام عبد الناصر في مصر من عام 1952 وحتى عام 1970 اسهم في تشويش وتضليل الفهم لبعض المصطلحات السياسية فغوغائية عبد الناصر - في رأيي- اسهمت في تأسيس وتأصيل خطرين اساسيين ما زالت الساحات العربية تعاني منهما حتى اليوم وهما:
الاول: استعمال اسلوب التضليل وخداع الجماهير وحجب الحقائق عنها واعطاء نفسه حق الهي لتصنيف الناس افرادا وحكاما الى (يمين) و (يسار) و (تقدمي) و (رجعي)
الثاني: تأسيس مدرسة قمع الآراء المعارضة مصاحبا لها تاصيل اسلوب القمع والاعتقال والسجن والاغتيال.
وللامانة التاريخية فان مدرسة حزب البعث بفرعيها (الثانوي السوري) و (الجامعي العراقي) قد تسابقت مع عبد الناصر في اغناء الخطرين السابقين وقد نجحت في ذلك بامتياز اذ نستطيع القول بان سورية والعراق قد شهدا على يد اساتذة حزب البعث اوسع حملة قمع واضطهاد واغتيال عرفها الوطن العربي في العصر الحديث ومن يشك في ذلك فعليه ان يراجع الكتب السنوية لمنظمة العفو الدولية طوال ربع القرن الماضي.
من وسط هذا التضليل وما صاحبه من قمع واضطهاد جرت العادة السياسية والصحفية حتى موت عبد الناصر على تصنيف الانظمة العربية تصنيفا تعسفيا ظالما دون اساس علمي او اخلاقي فقد كانت انظمة الخليج العربي والجزيرة العربية تصنف على انها انظمة رجعية بدون مناقشة لماذا؟ وبدون اعتبار ما تحققه لشعوبها من ازدهار ورخاء وكان يضاف اليها في صفة 0الرجعية) حسب اهواء عبد الناصر ومواقفه انظمة المغرب والاردن وتونس اما الانظمة السورية والعراقية واليمنية الجنوبية والليبية القذافية فقد كانت تصنف - ظلما- انظمة تقدمية متناسين كل القمع والظلم والخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي الحقته بشعوبها رغم ان بعضها لا تقل موارده النفطية عن دول الخليج والجزيرة العربية.
عودة للحقيقة والانصاف
وضمن التصنيف السابق المعتمد على غوغائية عبد الناصر وظلمه وقمعه ومعه الانظمة (التقدمية) المذكورة تبارى في زمنه ولفترة بعده حشد كبير من الصحفيين والكتاب العرب يستعرضون مهاراتهم اللغوية وفساد اخلاقهم وخراب ضمائرهم ونقد حكام الخليج والجزيرة العربية ورغم ان الصورة تغيرت في السنوات العشر الماضية بشكل واضح ولم تعد هذه التصنيفات الجاهزة المعلبة تنطلي على عقول الملايين من العرب الا ان الاساسي في المسألة هو العودة لتأصيل الحقيقة فيما يخص تصنيف الانظمة العربية بشكل موضوعي بعيدا عن العدمية التي تريد عدم الخوض في التفاصيل فترتاح الى مقولة (كلها زي بعضها) لان الحقيقة الواقعية انها ليست (كلها زي بعضها) ابدا والدليل على ذلك دراسة ما يدور في داخل كل نظام على حدة وتحديدا في مسالة الحريات الديمقراطية والمستوى الحياتي الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي المتوفر للمواطن في كل دولة
الشيخ زايد ... الامارات نموذجا
انطلاقا من هذا الفهم الموضوعي المعتمد على استقراء حقائق الوضع الداخلي لكل قطر عربي على حدة نجد ان المتخقق في دولة الامارات العربية في ربع القرن الماضي مقارنة مع اوضاع الانظمة العربية المصنفة (تقدمية) يضع دولة الامارات العربية المتحدة في مصاف الدول المتقدمة حقيقة لان ما حققته هذه الدولة لشعبها عجزت عنه بقية الانظمة ولنغوص قليلا في التفاصيل:
1- في هذا الميدان الحيوي والذي تعتبره الدول الغربية مقياسا للانسانية والحضارة فاننا لم نسمع ولم نقرأ عن ان هناك (سجين رأي) في دولة الامارات او ان مواطنا غيب في السجون بسبب موقف سياسي وكم يثلج الصدر ويفرح القلب ان تقرأ (تقرير منظمة العفو الدولية) السنوي لعام 1992 وهو آخر تقرير صدر حتى الان فلا تجد في صفحاته البالغة 334 صفحة اي ذكر لاية مخالفات لحقوق الانسان في دولة الامارات العربية المتحدة الى درجة ان اسمها لم يذكر في التقرير مطلقا في حين ان العدد يحتوي على تقارير مفصلة عن القمع والسجن ومصادرة حقوق الانسان والتعذيب في عشرة دول عربية.
وفي هذا المجال لا بد ان نشير الى مسألة مهمة تشترك فيها مع دولة الامارات السعودية وقطر والبحرين وكل دول الخليج والجزيرة العربية وهي الابتعاد بشكل مطلق ونهائي عن ملاحقة الخصوم السياسيين او منتقديهم في الصحف والمجلات في الخارج والابتعاد الكامل عن تصفية هؤلاء الخصوم والمنتقدين عن طريق اسلوب الاغتيالات بعكس انظمة مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن الجنوبي التي مارست هذا الدور ببشاعة وهمجية رغم ان دولة الامارات العربية المتحدة ومعها - في هذه المسألة دول الخليج والجزيرة العربية- لو اعتمدت هذا الاسلوب لكانت الاقدر لان المرتزقة الذين يطاردون ويغتالون في الخارج في الغالب لا يعرفون الضحايا ولكنهم يقتلون لحساب من يدفع الدولارات ودول الخليج والجزيرة اقدر من غيرها على الدفع ومع ذلك لم تلجا الى هذا الاسلوب ولو ان هذه الدول اعتمدت على هذا الاسلوب واستنادا على قدراتها المالية لقتلت مئات الصحفيين والكتاب تحديدا ولكنها باخلاق عالية رفضت ذلك وكان اقصى ما يتخذ بحق هؤلاء الصحفيين والكتاب هو منعهم من زيارة هذه الدول او الكتابة في صحفها.
الا يسجل هذا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان؟ الا يعتبر هذا رجولة وشهامة وتطبيقا للمثل القائل (العفو عند المقدرة)؟
2- في مجال الرفاه الاقتصادي والاجتماعي
في ربع القرن الماضي تمكنت دولة الامارات العربية فعلا من تحويل الصحراء الخالية الى جنات وارفة الى درجة ان حجم الخضرة والاشجار المتوفرة الان لا يمكن تصديقه في دولة تغطي غالبية مساحتها الرمال والصحراء وهذا العمران الممتد في كل انحاء الدولة وهذه المدن والطرقات والشوارع والمدارس والجامعات والمستشفيات والاندية والملاعب ودور الحضانة وبيوت ذوي الدخل المحدود ودور العجزة والمسنين ... انا شخصيا عندما شاهدت كل ذلك على الطبيعة لم اصدق عيني ... وفعلا ان المتوفر لمواطن دولة الامارات يتمناه كل مواطن عربي ان لم يحسده عليه ويكفي الاستشهاد بقول الزميل الدكتور اسامة فوزي عن الخدمات الصحية واكوام الادوية التي يحملها المريض معه مجانا ... نقرأ عن الاشتراكية والضمان والرفاه الاجتماعي هاهي مطبقة فعلا بعيدا عن الشعارات السياسية الفارغة ويكفي ان نقارن هذا التطور والعمران والرخاء بما هو موجود في ليبيا خلال ربع القرن الماضي مذكرين ان عدد سكان ليبيا اقل من عدد سكان دولة الامارات ودخل ليبيا النفطي اعلى من عدد سكان دولة الامارات لا يمكن المقارنة الا اذا ذكر الخراب مقرونا بالعمران والفقر مقرونا بالرخاء والفاقة مقرونة بالغنى!!
3- في مسألة احتلال الجزر العربية
في هذه المسألة ينبغي ان نكون منصفين عارفين للحقيقة غير قافزين عنها لان الشيخ زايد لا يتحمل اية مسؤولية عن احتلال ايران للجزر الثلاث العائدة لدولة الامارات ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى وذلك لان هذه الجزر جرى احتلالها من قبل جيش شاه ايران الذي كان يعتبر اقوى جيش في المنطقة وليس منطقيا ولا عدلا ان نسأل الشيخ زايد لماذا لم يعلن الحرب على شاه ايران وهو حاكم دولة لا يمكن مقارنة امكاناتها العسكرية باي شكل مع امكانات الشاه الذي كان جيشه الضارب يهدد كل دول المنطقة الى درجة ان صدام حسين صاحب القوة العسكرية الضاربة والشعب الذي يزيد عن 15 مليون نسمة سارع الى الجزائر ليعقد مع الشاه (اتفاقية الجزائر) عام 1975 ويعطيه الحق في نصف شط العرب بينما الشيخ زايد لم يعترف باحتلال الشاه للجزر وما زال يطرح موضوع احتلالها على كل المحافل العربية والدولية واذا اردنا العدل فان المسؤول الان عن استمرار احتلال الجزر العربية هو النظام الخميني في ايران لان الخميني عندما وصل للسلطة عام 1979 اعلن رفضه لكل سياسات الشاه واقفل السفارة الاسرائيلية لان اسرائيل تحتل ارض الشعب الفلسطيني ولكنه في الوقت ذاته اعلن عن استمرار احتلاله للجزر العربية الثلاث وفي هذا الموقف عبر النظام الخميني وما يزال عن ازدواجيته فهو يرفض الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين ويحتل هو نفسه ارضا عربية اخرى وهو موقف لا اخلاقي لان الاخلاق لا تتجزأ والاحتلال هو احتلال سواء كان اسمه الاحتلال الاسرائيلي ام الاحتلال الايراني وليس من العدل ولا المنطق ان يستمر هذا الاحتلال الايراني للجزر لانه في ذلك يستغل ظروف عدم قدرة دولة الامارات على تحريرها عسكريا ويعبر في الوقت ذاته عن عدم اختلافه عن نظام الشاه مهما تاجر بالشعارات الطنانة الفارغة من اي مضمون اخلاقي وديني فالدين الاسلامي يرفض احتلال اراضي الغير وبهذا يرسخ النظام الايراني القائم نظرته التوسعية التي لا تختلف عن نظرة اسرائيل...

انطلاقا من كل ما سبق نقول ان تصنيف الحكام ينبغي ان يعتمد على ما قدموه لشعوبهم من خدمات ومآثر ... وفي هذا السياق يسجل للشيخ زايد السبق والتقدم نحو الصفوف الاولى ومن هذه المآثر لا يمكن نسيان تجربة الوحدة بين الامارات السبع التي اعتبرها انجح تجربة وحدوية في تاريخ العرب المعاصر والتي تحتفل في الثاني من ديسمبر 1993 بذكراها الثانية والعشرين في حين ان تجربة الوحدة المصرية -السورية لم تستمر سوى ثلاث سنوات وكل تجارب القذافي للوحدة مع سوريا ومصر والجزائر والسودان وموريتانيا وتشاد ظلت مشاريع وهمية في عقل القذافي فقط واحيانا على الورق ... ان اتحاد سبع امارات عربية في دولة واحدة مهما كانت هذه الامارات صغيرة المساحة قليلة السكان فهي من مآثر الشيخ زايد لانه بدون هذه الوحدة لكنا امام سبع دول عربية اخرى تضاف للعشرين الاخرى ولعجز اغلبها عن توفير الحياة الكريمة لسكانها ولكن دولة الامارات العربية المتحدة وفرت لسكانها الوحدة السياسية والرخاء الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار الحياتي ... وهذا كله يسجل للشيخ زايد بن سلطان ...
انها الحقيقة والواقع المعاش على الارض والذي يعرفه كل من يريد البحث عن الحقيقة والبعد عن الشعارات الفارغة والتصنيفات الغوغائية!!