|
مسؤولية
الكاتب الفلسطيني ازاء المشهد السياسي الحالي
بقلم الدكتور : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " في عام 1993
ثورة او مقاومة لا فرق ولا خلاف حول التسمية ثورة او مقاومة بدات عام 1965
رسميا ولكن سبق هذا التاريخ - الميلاد الاعمال الفدائية المحدودة التي انطلقت
من قطاع غزة عام 1955 ضد العدو السرائيلي والحركتان بدأتا من اجل هدف واحد هو
(تحرير فلسطين) واذا اعتمدنا تاريخ الميلاد الرسمي المسجل في شهادة ميلادها وهو
الاول من يناير (كانون ثاني) عام 1965 يكون عمر هذه الثورة او المقاومة اليوم
(ثمان وعشرين عاما وثمانية شهور وعدة ايام تبعا لتاريخ صدور هذا العدد.
بدأت بشعار (تحرير فلسطين من النهر الى البحر) ولازمة اساسية تقول (وانها لثورة
حتى النصر) واذا بها اليوم تنتهي للفبول بشعار (خيار غزة - اريحا) ولازمة
اساسية تقول (ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالمفاوضات لماذا هذا الانحدار؟
لماذا هذا التفريط؟ لماذا هذه الاستهانة بحقوق شعب وامة؟ لماذا اصبحت الخيانة
وجهة نظر؟ والسقوط اجتهاد؟ ولماذا اصبح الفرد - ايا كان اسمه- يختصر حركة شعب
ونضال امة من اجل ان يبقى في الصورة وتحت الاضواء ويتلذذ بشهوة السلطة والحكم
بعد ان تلذذ طويلا بشهوة المال والقمع؟ هذا المشهد السياسي الحالي الذي نعيشه
اليوم والذي جعل هاماتنا وكبرياءنا اوطى من انخفاض 0اريحا) عن سطح البحر هل تقع
مسؤوليته على السياسيين فقط؟ ام يتحمل الكتاب والصحفيون والاعلاميون والمثقفون
وحملة القلم الفلسطينيون نفس الدرجة من المسؤولية وربما اكثر؟ ما هي مسؤولية
هذا القطاع الواسع ممن (يفكون الخط) ازاء ما نعيشه من انحطاط وتفريط اليوم؟
ان المشهد السياسي الحالي لا تعود بداية التحركات التي ادت اليه الى عامين فقط
هما عمر ما عرف باسم (مؤتمر مدريد) ولكن ما تسارع حدوثه في هذين العامين يعود
الى عام 1974 عندما طرحت اوساط حركة فتح والمنظمة ما عرف يومها بمشروع او
برنامج (النقاط العشر) الذي كان اول ولوج لحركة المقاومة الفلسطينية في مسيرة
التسوية السياسية ويومها - تصوروا- ان المرحوم - او اللامرحوم لا ادري- عصام
السرطاوي قدم استقالته رسميا من عضو المجلس الوطني الفلسطيني لان بعض اوساط
المجلس والمنظمة رفضت وادانت اتصالاته السرية مع الاسرائيليين!!
اليوم يحق او يجب على موقعي مشروع (غزة-اريحا) ان يعلنوا رسميا (عصام السرطاوي)
شهيد تحركاتهم وربما يكون من حقه عليهم ان يكون اول تمثال ينصب امام فندق هشام
- مقر الرئيس- هو تمثاله ولكن لا ادري هل تكون وضعية التمثال واقفا ام منبطحا
ام مستجديا نتركها لفراسة النحات الذي سيكلف بنحت التمثال وهذا ايضا يخص تمثال
السيد الرئيس الذي لا اعتقد انه سيوافق على ان لا يكون تمثاله اول تمثال يتم
نصبه ولا ادري لماذا اغلب اوضاعنا ينطبق عليها المثل الفلسطيني الشعبي القائل:
بيحب الكبرة ولو على خازوق!!
وعودة لما قبل هذا الاستطراد فان عمر التفاوض مع العدو الاسرائيلي يكون اليوم
(عشرون عاما) اعقب عام 1974 توقيع اتفاقيتي وقف اطلاق النار في جنوب لبنان بين
اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت الثانية في تموز ايلول 1981 اي قبل غزو
لبنان المشهور بعشرة شهور ازاء هذه المسيرة التفاوضية مع العدو الاسرائيلي
العلنية والتي عمرها عشرون عاما ماذا كان موقف الكاتب والمثقف الفلسطيني؟ كي
نحدد بامانة وموضوعية مسؤوليته عما يجري!
مسؤولية تنقصها الامانة
طول تلك الفترة تمتعت غالبية المثقفين الفلسطينيين بوضع اقتصادي- وظيفي لم
تعرفه اغلب العواصم العربية فقد سنت او استحدثت قيادة المقاومة خاصة في سنوات
وجودها في لبنان نظام (التفرغ) الوظيفي الذي نتج عنه عند التطبيق الميداني وضع
اسماء مئات من هؤلاء الكتاب والمثقفين والصحفيين والاعلاميين واشباههم في قوائم
الرواتب والمكافآت الشهرية دون ان يسند لغالبيتهم اية اعمال وظيفية واتذكر انه
في قوائم الرواتب الخاصة بوكالة (وفا) كان يوجد لا يقل عن ثلاثمائة اسم في حين
ان العاملين الفعليين فيها لا يتعدون عشرين شخصا وكذلك الحال في قوائم الرواتب
الخاصة بدائرة الاعلام ودائرة الثقافة والامانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين
وكان هذا الطابور الطويل من الكتاب العطلة المتفرغين لا يعرفون ابواب هذه
الدوائر الا في نهاية الشهر عند استلام الرواتب وقد قلبت هذه الحالة اوضاعهم
الحياتية والسياسية فقد اصبحوا يشعرون فعلا بان تمتعهم بهذه (النعمة) مرهون
برضى القيادة السياسية عنهم وعن مواقفهم وهذا يعني بالتالي السكوت وعدم التعرض
لمواقف هذه القيادة وسياستها الا في حالات نادرة ومن قبل قلة من الكتاب
والصحفيين كان يضيع صوتهم وسط الغالبية العظمى صاحبة شعار (ان السكوت من ذهب)
ففضلوا (ذهب) السكوت على (فضة) الكلام.
وقد ادركت القيادة السياسية نقطة الضعف هذه وعرفت فائدتها وما تجنيه من ثمارها
فعمدت الى مزيد من الانفاق على المؤيدين لسياستها خاصة بعد انتقالها مهزومة
مكشوفة عارية الى تونس وادى هذا الانفاق الباذخ الى ظهور كتابات وكتب ومواقف لا
تليق بالكتّاب والصحفيين وللمثال فقط نذكر كتاب (فلسفة الزعامة الفلسطينية)
لسميح سمارة و (عرفات الرقم الصعب) لرشيدة مهران والمواقف السياسية البتذلة
لكثيرين في مقدمتهم بسام ابو شريف الذي قبل منذ طرده من الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين عام 1987 ان يكون ممسحة لعرفات ينشر من خلاله كل التصريحات والمواقف
السياسية السيئة كي يعرف رد الجماهير نحوها فاذا لاقت قبولا تبناها عرفات واذا
لاقت نقما واستياءا تنكر لها معلنا ان بسام ابو شريف يعبر عن وجهة نظره الشخصية
وانه لا يمثل وجهة نظر القيادة الفلسطينية ولا اعتقد ان كاتبا وصحفيا فلسطينيا
او عربيا قد اساء لنفسه وابتذلها كما فعل بسام ابو شريف في السنوات الخمسة
الماضية بعد ان تبناه عرفات عقب طرده من الجبهة الشعبية لان مستوى النعمة
والانفاق الباذخ الذي توفر له لا يمكن وصفه او تصديقه ولكنه عند القيادة كان
امرا طبيعيا لان الخدمة التي يقدمها لها بسام ابو شريف لا ييمكن ان يقدمها
طابور من الكتّاب والصحفيين لان اغلبهم يرفض القيام بهذه الادوار وتلك الخدمات
القذرة ونتيجة لذلك فقد فتح بسام ابو شريف كل القنوات مع الاسرائيليين صحفيين
وسياسيين ولا نبالغ اذا قلنا ان اتصالاته الهاتفية معهم من تونس كانت وما تزال
يومية ولقاءاتهمعهم في تونس ولندن وباريس شبه منتظمة.
ويكفي للتدليل على هذا السقوط المريع ان نذكر ان عرفات استعمل بسام ابو شريف
الاسبوعين الماضيين استعمالا لا يليق بشرف الكاتب فقد اوكل اليه التصريح عن
المطلوب اسرائيليا من المنظمة كي لا تنسب هذه التصريحات والمواقف لعرفات شخصيا
ويكفي نموذجان من هذا الاستعمال السيء:
* تصريح بسام ابو شريف لوكالة الانباء الفرنسية يوم الاربعاء 1-9-93 قائلا: "
ان منظمة التحرير الفلسطينية ستحل نفسها لصالح حكومة مؤقتة تتولى بناء الدولة
الفلسطينية وان المنظمة ليست سوى جسر وهي ليست غاية بذاتها".
وقد رد عليه يوم الخميس 2-9-93 محمد غنيم (ابو ماهر) المسؤول عن جهاز التعبئة
والتنظيم وعضو اللجنة المركزية في حركة فتح بقوله:" ان بسام ابو شريف لا يتحدث
الا باسمه وباسم الذين يريدون الحاق الضرر بالشعب الفلسطيني ونضاله ان هؤلاء
الناس ليس لهم من مهمة الا التشويه والاساءة للقضية الفلسطينية".
* تصريح بسام ابو شريف للاذاعة الاسرائيلية يوم الاثنين 30-8-93 معلنا عن
"استعداد منظمة التحرير لالغاء ميثاقها الوطني الذي اصبح امرا باليا" وقد رد
عليه ياسر عبد ربه رئيس الدائرة الاعلامية في منظمة التحرير - رغم انه احد اشد
مؤيدي خيار غزة اريحا- قائلا يوم الخميس 2-9-93 :" ان اقوال بسام ابو شريف كلام
فارغ وتعتبر غير موثوقة وتكشف عن جهله الكامل بالقرار الفلسطيني ان ابو شريف
ليس جزءا من القيادة الفلسطينية ولا يعرف شيئا عن قراراتها ولا يحق له المشاركة
في اي اجتماع من اجتماعاتها وتصريحاته هدفها اثارة ضجة اعلامية حول شخصه
واعطاءه اهمية لنفسه".
آخذين بعين الاعتبار ان هذا الرد القاسي من ياسر عبد ربه ليس مرده عدم موافقته
على المضمون السياسي لتصريحات بسام ولكنه صراع على الاضواء والشهرة فلو اوكل
السيد الرئيس لياسر عبد ربه الاعلان عن نفس المواقف لما تردد لحظة واحدة وربما
كانت كلماته اكثر بلاغة ووضوحا.
وفي هذا السياق لا يمكن نسيان سكوت و (تطنيش) الاسماء الكبيرة مثل محمود درويش
فهو شاعر كبير لا يختلف اثنان على مكانته الواضحة في عالم الشعر الفلسطيني
والعربي الا ان مواقفه السياسية لا تخرج عن السياق العام الذي قبل ورضى السكوت
على ممارسة هذه القيادة وبدون نقاش كبير فان السبب هو حجم الثراء والانفاق
والبذخ الذي وفرته له هذه القيادة في باريس ولندن حتى قبوله عضوية اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988
كانت خدمة لهذه القيادة كي تجمل صورتها ووجهها في اوساط الاعلام والثقافة فهو
عضو اللجنة التنفيذية الوحيد الموجود في باريس (وما ادراك ما باريس ونفقاتها
ولياليها) وهو عضو اللجنة الوحيد الذي لم يسند له ولو شكليا مسؤولية اية دائرة
من دوائر المنظمة حتى دائرة الثقافة التي كان الكثيرون يتوقعون اسنادها اليه
ظلت بيد ومسؤولية عبد الله حوراني الذي لا علاقة له بالثقافة من قريب او بعيد!!
حتى مجلة (الكرمل) الثقافية الشهرية الصادرة (باسم) الاتحاد العام للكتّاب
والصحفيين الفلسطينيين من نيقوسا-قبرص رفض محمود درويش الاقامة في قبرص من اجل
الاشراف عليها رغم ان منطق كل القبائل والدول ان يكون رئيس التحرير ملاصقا
لمجلته الا انه ظل في (باريس) تاركا مسؤولية المجلة لبعض الانصار والمريدين.
الاشارات الشعرية والاستقالات
ولا يعفي شاعرا كبيرا ومهما مثل محمود درويش التذرع بان قصائده الاخيرة فيها
اشارات ناقدة للكثير من سياسات القيادة حتى ان بعضها - كما اشيع- اغضب (السيد
الرئيس) وذلك لان نخبة شعبنا فقط يقرأ هذه القصائد وغالبيته العظمى لم تقرأ ولم
تسمع بهذه الاشارات الشعرية كما ان النخبة ذاتها تفسر هذه الاشارات كل حسب
خلفيته ومدرسته النقدية اما استقالته الاخيرة من عضوية اللجنة التنفيذية فعليها
ملاحظات:
الاولى: انها كاستقالة عليها اكثر من علامة استفهام فقد صرح محمود درويش نفسه
انها ليست لاسباب سياسية ولكنها ليتفرغ لعمله الابداعي.
الثاني: حضوره بعض اجتماعات اللجنة التنفيذية الاخيرة في تونس 31-8 و 1-9-93
وظهوره مع (السيد الرئيس) وهو يستقبله في مكتبه والابتسامة العريضة تملأ وجهه
وكأنه قصد الاعلان غير المباشر عن تأييده لكل سياسات الرئيس ...
الثالثة: انها كاستقالة حتى لو كانت صحيحة وفعلية فقد جاءت كما يقول المثل
الشعبي (بعد خراب مالطا) ولتسجيل موقف دفاع شخصي عن الشخص فقط.
نعيش ما زرعنا
وهكذا فان الحالة التي وضعت فيها لقيادة الفلسطينية غالبية كتابنا وصحفيينا
جعلت منهم مجر ادوات في يدها لا يسكتون عن مواقفها فقط ولكن ينظر اغلبهم لهذه
المواقف ويصفق لها وبالتالي فان مسؤولية الكتاب والصحفيين والمثقفين
الفلسطينيين عن المشهد السياسي الحالي المتردي وغير الوطني لا تقل عن مسؤولية
السياسيين فالسكوت عن الحق شيطان اخرس وقد قبلت غالبيتنا طوال سنوات القيام
بدور الشيطان.
|