مقالات مرفوضة من رؤساء التحرير
" السفلة "
بقلم الدكتور : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " عام 1993



في حياتي الصحفية اثارات كثيرة الى ان اكثرها غرابة هذا العدد الكبير من المقالات والدراسات التي اتعبت نفسي وصحتي في كتابتها ثم رفض رؤساء التحرير الذين كنت اكتب لصحفهم ومجلاتهم نشرها وكان السبب دوما عندهم انها مقالات ودراسات جريئة وغاضبة وتجلب لهم المصائب والمتاعب فهي اما تغضب نظاما او تثير حقد تنظيم او جماعة فلماذا النشر طالما ان الاستاذ (كاتم الصوت) كان هو سيد الموقف لدى عدة انظمة عربية وتحديدا (سوريا والعراق وليبيا) وهو كذلك لدى اغلب التنظيمات الفلسطينية التي على يدها قتل كثيرون من الكتاب والصحفيين العرب والفلسطينيين .
كان من بين تلك الدراسات (الظاهرة الاستعراضية في الصحافة الفلسطينية ) التي نشرتها عرب تايمز قبل شهور قليلة على حلقات.
بعد ذلك عدت لفتح ملفاتي المغلقة ونفض التراب عنها اذ وجدت ضالتي المفقودة في (عرب تايمز) هذه المجلة التي تنشر ما لا ينشر لانها ترى فيه (لزوم ما يلزم) ولانه لولا كلمة حق وصرخة مظلوم نطقت بها تلك المقالات لما رفضت في وقت تمتلئ فيها صحافتنا العربية بمقالات المديح والتكسب والنفاق ومسح الجوخ وحتى القطن قصير التيلة وهذه ميزة ستسجل لصالح 0عرب تايمز) وتفردها عندما يؤرخ كاتب منصف للصحافة العربية في امريكا لذلك سابدأ بنشر هذه المقالات والدراسات وسوف يلاحظ القارئ انها ما زالت تعبر عن واقع حال قائم في الحياة العربية سواء السياسية ام الثقافية.

السفلة

هذه المقالة كتبتها اثناء حرب المخيمات بين حركة فتح (عرفات) وفصائل جبهة الانقاذ الوطني الفلسطيني المقيمة في سورية والمدعومة منها عام 1988 التي اسفرت عن مئات القتلى والجرحى ثم قام المنتصرون بزعامة آية الله العظمى (احمد جبريل) وقيادة الجنرال (ابو موسى) بتجميع مقاتلي عرفات وعناصره المدنية الذين استسلموا في مخيم (برج البراجنة) ووضعهم في شاحنات لتنقلهم الى الجنوب اللبناني وفي آخر لحظة قبل تحرك الشاحنات كادت عملية شحنهم تفشل لان (احمد جبريل) امر القافلة بالتوقف لانزال سيدة فلسطينية اسمها (فاطمة المشهراوي) تجرأت على شتمه والبصق في مجهه ولكن الوسطاء تمكنوا من اقناعه بان العفو عند المقدرة وان (منتصرا) مثله لا يجوز ان يحط عقله من عقل (حرمة).
كتبت آنذاك هذه المقالة وحاولت اعطاءها قالبا ادبيا رمزيا وكنت مقيما في دمشق في دمشق فارسلها لكل زملائي رؤساء التحرير في الصحف الفلسطينية فرفضوا (نشرها) مع ابداء اعجابهم بهم لانها حسب قول احدهم (بتفش الغل في هؤلاء المجرمين) ثم ارسلتها لمجلة 0السفير) اللبنانية فلم تنشرها ثم تذكرت صديقي (شوقي ابو شقرا) في جريدة النهار وكان احيانا ينشر لي ما يجاف منه الآخرون الا انه اتصل بي قائلا: انا مو قد هالسفلة!!! ... والآن هذه هي مقالة السفلة سابقا:
توضيح لغوي
جاء في مختار الصحاح للشيخ الامام محمد بن ابي بكر بن عبدالقادر الرازي رحمه الله تعالى في باب السين: السفالة بضم السين ضد العلو والسافل ضد العالي والسفالة بالفتح النذالة والسفلة بكسر الفاء السقاط من الناس وهذا يعني ان اللفظ الصحيح هو (السفلة) بكسر الفاء.
توضيح معاصر
ولكن لما كان الشائع اقوى من الفصيح غير المستعمل فسوف نلفظها (السفلة) بفتح السين وبنفس المعنى اي الساقطين من الناس.
"مرزوقة" اسم عمتي اي شقيقة والدي والدي اسمه (عطية) ولكن الجميع في المخيم يطلقون عليه "الشيخ عطية" لانه كان من القلائل في مدينة (بير السبع) الذي يقرأ القرآن ويفك الخط وكان سكان المدينة يأتون الى مضافته من كل صوب وحدب يقرأ لهم الرسائل ويرد على المكاتيب وفي المساء يتجمهرون حوله يقرأ لهم القرآن واحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يؤمهم في الصلاة في الوقت ذاته تقوم عمتي مرزوقة التي تقيم معنا هي وزوجها في نفس البيت بعجن العجين واعداد الخبز لنا ولاقارب كثر يقطنون مثلنا في بيوت من الشعر او الطين.
دارت الايام وتوالت الليالي وتفرق شمل العائلات بعد النكبة هاجرنا الى قطاع غزة وكان نصيب عمتي مرزوقة وعائلتها الهجرة الى لبنان انقطعت الاتصالات فلا نحن عرفنا انها هاجرت الى لبنان ولا هي عرفت اننا هاجرنا الى قطاع غزة وبعد ما يزيد على عشرين عاما تخرجت من الجامعة وقادتني الظروف الى لبنان وبعد جهد جهيد توصلت الى معرفة منزلها في مخيم (صبرا) رحنه الله لم تصدق عمتي مرزوقة ان ابن اخيها الشيخ عطية قد كبر ودرس في الجامعة وحمدت الله كثيرا لانني جئتها كبيرا متعلما متخرجا من الجامعة والبعض يقول لها انه يشاهد اسمي وصورتي في الصحف والمجلات وبسبب اندهاشي المفاجئ لمقابلتها وبعد معرفتي ان زوجها يعمل مع الفدائيين قلت لها: كنت اتمنى لو جئت منذ زمن طويل اتعلم هنا واعمل مع عمي مع الفدائيين فاجابتني: لا تندم على شيء فلو كنت معنا هنا فربما لن تتعلم مثل ابن عمك الذي ترك المدرسة ليعمل (مرافقا) لابيه فقلت لها: هذا عمل جيد فهو (فدائي) قالت: يا ابني انت بتقول دارس في الجامعة شو (فدائيين) الفدائيون هنا بيطخوا على اليهود مش بيعملوا مرافقين وحراس حط عقلك بمخك.
ودارت الايام وتوالت الليالي مرة ثانية غادرت لبنان باحثا عن العمل توزعت بين العديد من العواصم العربية والغربية ادرس واعمل اقرأ واكتب وفي كل مرة عندما تسنح لي الفرصة كنت اتصل بوالدي الشيخ عطية في مخيم رفح بقطاع غزة اكثرت من اتصالاتي الهاتفية بعد اندلاع الانتفاضة ضد العدو الاسرائيلي شعرت ان معنويات الشيخ عطية رغم تقدم السن بانها عالية سألته عن الاحوال قال: الدنيا يا ابني بخير والله لو تشوف منظر الشباب وهم يطاردون العدو بالحجارة لتذكرت ايام زعرنتك عام 1956 عندما كنت وصبيان الحارة تطاردون دوريات الاسرائيليين بنفس الحجارة الاوضاع جيدة ومعنويات الناس عالية ... آه لو تشوف اليهود وهم يركضون خوفا من الحجارة التي تأتيهم من كل الاتجاهات غزيرة كالمطر.
بعد شهرين اتصلت بالشيخ عطية اطمئن على صحته والاهل والاقارب والاوضاع بدون مقدمات فاجأني سائلا: ما هذا الذي نسمعه في وعن مخيمات بيروت هل صحيح انكم تتقاتلون بالسلاح ما هذا الذي نسمعه عن جماعة (فلان) وجماعة (علان)؟
وانت من جماعة مين فيهم بسلامتك!! قلت له: انا من جماعة فلسطين يا شيخ عطية فعقب: ان شالله هالكلام صحيح فالفلسطيني الحقيقي هو من يكون لفلسطين اما هؤلاء الابوات والرفاق فكلهم زائلون وكل فلسطيني يرفع سلاحه ضد فلسطيني فهو 0سافل) قل لهم على لساني (يا سفلة) واقفل سماعة الهاتف.
عجبت كثيرا لعصبية الشيخ عطية وكيف يتجرأ على اطلاق هذه الصفة ذات الرائحة القذرة على ابوات كبار في كروشهم صغار في عقولهم وهم ان سمعوه لن يرحموا شيخوخته فهم يطلقون الرشاشات والمدافع على مخيمات شعبهم بالجملة ويقتلون شباب شعبهم وشيوخه واطفاله بالمئات ... صحيح انهم (سفلة) ولكن يجب الحذر منهم لا لسبب الا لانهم (سفلة).
فكرت طويلا في كلام الشيخ عطية وتكون امام عيني مشهدان:
* الشباب والاطفال في فلسطين المحتلة وهم يقاومون العدو بالحجارة ويوقعون فيه الجرحى والقتلى
* الشباب في مخيمات بيروت وهم ينفذون اوامر الابوات السفلة لقتل شعبهم وقصفه بالجملة

فكرت في هؤلاء الابوات وتذكرت اشكالهم التي تختلف عن اشكال البشر فلم اتمالك نفسي من الصراخ: ايها السفلة اعطونا فرصة للموت من اجل فلسطين وليس من اجل انتفاخ كروشكم وارصدتكم في البنوك السرية ... سفلة ... سفلة...


                                                دمشق تموز يوليو 1987